شرح عقيدة السلف للصابوني 82

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 82، ألقاها

تحذير السلف من أهل البدع

نصوص السلف تحذر من مجالسة أهل البدع لأنها قد تؤدي إلى الانحراف عن المنهج الصحيح. بعض الأئمة وقعوا في البدع نتيجة مخالطتهم لأهل الأهواء.

أهمية التمسك بالسنة والتحذير من البدع

يجب التمسك بكتاب الله وسنة رسوله والتحذير من أهل البدع والانحراف عن المنهج النبوي. الهجر للبدع عبادة يتقرب بها أهل السنة لله.

فضل التمسك بالسنة في زمن الفتنة

التمسك بالسنة في زمن الفساد يُعد بشارة لأهل السنة، وطائفة منهم ستظل على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله. الصحابة لهم الفضل الأعظم في ذلك.

ختام وتأريخ الكتاب

تم التعبير عن الحمد لله والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه في ختام الكتاب. اكتملت الكتابة في ليلة 15 جمادى الأولى سنة 1435 هجرية.

  • 16 جمادى الأولى 1435هـ - 17/03/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله: «وهذه الجمل التي أثبتها في هذا الجزء كانت معتقد جميعهم، لم يخالف فيها بعضهم بعضًا، بل أجمع عليها كلها، واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل بدع وإذلالهم وإخزائهم وإبعادهم وإقصائهم، والتباعد منهم ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم، والتقرب إلى الله عز وجل بمجانبتهم ومهاجرتهم». هذا منهج السلف، وهذا كما ترون محل إجماع، هجر أهل البدع ومجانبة أهل البدع والنفور عن أهل البدع والبعد عن أهل البدع، وعدم المجالسة، عدم المخالطة، عدم السماع لهم، هذا محل إجماع كما ترون. نقلوا هاهنا الإمام أبو عثمان الصابوني، ونقله كذلك الإمام البغوي، ونقله كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وغير واحد من الأئمة رحمهم الله تعالى، نقلوا الإجماع، إجماع السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله على هجران أهل البدع والبعد عنهم والتنفير عنهم. لماذا؟ لأن مجالستهم ممرضة، ورب إنسان يكون حيا بالسنة، فإذا به يجالس هؤلاء إما من باب تحسين الظن، وبعضهم ربما يقولوا: «أنا أجالسه للمناصحة، أجالسه للتذكير»، فما يدرى بهذا الرجل إلا وقد صار بوقًا من أبواق مبتدعة، يحارب عنهم وينتصر لهم. فمجالسة أهل الأهواء منتنة، ممرضة، مميتة. بعض الناس ربما دخل عليه الهوى والبدعة من مجالسة صديق، من مجالسة من يرى فيه صلاحًا وخيرًا وغيرهم. ومن ذلكم الإمام البيهقي رحمه الله، الإمام الشهير صاحب السنن الكبرى، صاحب المعرفة، معرفة السنن والمصنفات الكثيرة، وهو يعد من أبرع الشافعية في علم الحديث، مع هذا دخل عليه التمشعر. من أين؟ كما ذكر في ترجمته أنه رأى يومًا الإمام الدارقطني رحمه الله، إمام الحديث والعلل، يقبل ابن فورك بين عينيه، فاغتر به وأعجب به وعظمه، حتى أدخل عليه بعد ذلك ما أدخل. بسبب ماذا؟ بسبب هذه القبلة من الإمام الدارقطني رحمه الله. الإمام الدارقطني على السنة مات على ذلك رحمه الله؛ لأنه كان يبغض طريقة المتكلمين، لكن الله أعلم ما الذي جعله يقبل ابن فورك. الشاهد من هذا أن الإمام البيهقي -وهو البيهقي إمام- اغتر بهذه القبلة، فحصل منه ما حصل من دخول ما دخل عليه من بدعة التمشعر. الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني رحمه الله ذكر في ترجمته كذلك: سئل من أين دخل عليك التمشعر؟ فذكر أو من أين دخل عليك التشيع؟ لأن في زمن عبد الرزاق لم يكن هناك بعد شيء اسمه أشعرية؛ لأن الأشعرية رأسها أبو الحسن الأشعري، وأبو الحسن الأشعري إنما جاء في زمن بعد زمن الإمام أحمد رحمه الله، والإمام عبد الرزاق من مشايخ الإمام أحمد. الشاهد أن عبد الرزاق رحمه الله تعالى ذكر أحد مشايخه قال: «أعجبني حسن سمته»، يعني حسن سمت في ذلك الشيخ، أدخل على الإمام عبد الرزاق رحمه الله تعالى التشيع، بدعة أدخلت عليه هذه البدعة. مع أن عبد الرزاق بحمد الله جل وعلا ثبت عنهم بإسناد صحيح أنه سئل عن أفضل الصحابة فذكر الخلفاء الأربع بالترتيب. الشاهد من هذا أن رب إنسان وإن كان ممن هو في العلم وفي الخير وفي الصلاح، لكن يغتر يغتر بإنسان، فربما أدخل عليه ما أدخل من البدعة. لذا كان الأئمة رحمهم الله يحذرون وينهون وينأون عن أهل الأهواء والبدعة. ثابت عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى أنه مر يومًا بأحد الناس ممن رمي ببدعة، فنظر إلى حسن خشوعه كان يصلي صلاة بخشوع، فماذا قال سفيان ذلك الإمام التقي الزاهد الوارع السني؟ قال بعد أن نظر إليه: «أعوذ بالله من خشوع النفاق»، أعوذ بالله من خشوع النفاق. فهذا من باب التنفير والتحذير والنهي والنأي عن أهل الأهواء والبدعة. فلا يغرنك إنسانًا يظهر الخشوع، يظهر التواضع، يظهر حسن السمت، وهو على غير استقامة على كتاب الله جل وعلا وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. الميزان كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، على ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعون لهم بإحسان، والأئمة الأعلام في كل زمن ومكان، هؤلاء هذا هو الميزان الذي يوزن به الناس. فمن كان على هذا الصراط وعلى هذا الطريق فهو منا ونحن منه، ومن خالفهم وابتعد عنهم فنبرأ من كل طريقة ومنهج وسلوك يخالف المنهج النبوي الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان عليه خلفاؤه وصحابته والتابعون لهم بإحسان، وهكذا الأئمة الأعلام رحمهم الله تعالى. وننهى وننهى عن هؤلاء، ويهجرون ويبتعد عنهم تعبدًا لله جل وعلا. الهجر عبادة يتقرب بها أهل السنة والجماعة لله جل وعلا، ليس هو مجرد شهوة ولهو أو هجر وإنما هي عبادة شرعها لنا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حينما هجر نبينا صلى الله عليه وسلم من هجر بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك. فاستذل العلماء رحمهم الله تعالى بهذا المنهج النبوي على أن من خالف منهج الله جل وعلا على أنه يهجر، فإذا هجر خيار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن سواهم ممن دخل عليهم الهوى وممن دخل عليهم المرض وممن دخل عليهم ما دخل من الشهوات والشبهات؟ نسأل الله تبارك وتعالى العافية والسلامة. قال رحمه الله تعالى: قال الأستاذ الإمام رحمه الله -أي أبو عثمان الصابوني-: «وأنا بفضل الله عز وجل متبع لآثارهم، مستضيء بأنوارهم، ناصح لإخواني وأصحابي أن لا يزيغوا عن منارهم، ولا يتبعوا غير أقوالهم -أي أقوال الصحابة والأئمة الأعلام رحمهم الله- ولا يشتغلوا بهذه المحدثات من البدع التي اشتهرت فيما بين المسلمين وظهرت وانتشرت، ولو جرت واحدة منها على لسان واحد في عصر أولئك الأئمة، في عصر الصحابة، في عصر التابعين، في عصر الأئمة المتبعين، لقالوا لهجروه وبدعوه ولكذبوه وأصابوه بكل السوء ومكروه». ولا يغرن إخواني حفظهم الله كثرة أهل البدع ووفور عددهم؛ فإن ذلك من أمارات اقتراب الساعة، إذ الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: «إن من علامات الساعة واقترابها أن يقل العلم ويكثر الجهل»، والحديث متفق عليه، من حديث أنس، قال: «والعلم هو السنة، والجهل هو البدعة»، فاحفظوا هذه المقالة: «العلم هو السنة، والجهل هو البدعة»، فأهل البدع هم أهل الجهالات، وأهل السنة هم أهل العلم، هذا نص العلماء، هذا نص الأئمة رحمهم الله تعالى. قال: «ومن تمسك اليوم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل بها واستقام عليها ودعا إليها، كان أجرهم أوفر وأكثر من أجر من جرى على هذه الجملة في أوائل الإسلام؛ إذ الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم قال له أجر خمسين»، بل منكم، أي: هذا فيه إشارة إلى حديث جاء من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث أبي ثعلبة الخشني، وجاء من حديث عبد الله بن مسعود، وهو حديث حسن بمجموع طرقه، صححه العلامة الألباني رحمه الله، كان في كتابه الصحيحة. وحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أقوامًا يأتون من بعده، العامل منهم أجره كأجر خمسين، العامل منهم -أي على السنة وبالسنة- له مثل أجر خمسين، فقيل: يا رسول الله منهم أو منا -الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم- له أجر خمسين منهم أو منا؟ قال: «بل منكم»، وهذا فيه فضل الله جل وعلا الذي يؤتيه من يشاء، وليس في ذلك أن هؤلاء أفضل من الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم؛ لأن الصحابة هم في ذروة العليا من الخير والاستقامة والصلاح، حتى إن أحدهم لو أنفق نصف مد ما بلغ مد أحدهم، لو أنفق غيرهم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قال رحمه الله تعالى: «وإنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك لمن يعمل بسنته عند فساد أمته»، فهذا الحديث يعتبر بشارة لأهل السنة والجماعة، ولا سيما في هذا الزمان الذي ظهر فيه الفساد وعم وطم، وصار المتمسك بكتاب الله جل وعلا وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، المتبع للسلف الصالح، للأئمة الأعلام، صار غريبًا. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «بدأ الدين غريبًا وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء»، فطوبى للغرباء، هؤلاء هم الغرباء، هؤلاء هم الغرباء الذين يكونون في آخر الزمان، فيصلح الله جل وعلا بهم ما أفسد الناس، ويصلحون في أنفسهم، إذا فسد الناس فهم صالحون في أنفسهم، وهم كذلك مصلحون لغيرهم، والواقع خير شاهد. فلا يعلم اليوم وقبل اليوم مصلح وصالح في نفسه إلا هذه الطائفة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها منصورة، بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». فليحمد الله تبارك وتعالى من شرح الله تبارك وتعالى صدره لهذا المنهج القويم، المأخوذ من كتاب الله رب العالمين، ومن سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، على ما كان عليه الصحابة الكرام وأتباعهم بإحسان في كل زمان ومكان. قال رحمه الله تعالى: وجدت في كتاب شيخ الإمام جدي أبي عبد الله محمد بن عدي بن حمدويه الصابوني رحمه الله، قال: أخبرنا أبو العباس الحسن بن سفيان النسوي، قال: أن العباس بن صبح حدثهم، قال: حدثنا عبد الجبار بن مظاهر، قال: حدثني معمر بن راشد الإمام الشهير، قال: سمعت ابن شهاب الزهري يقول: «تعليم سنة أفضل من عبادة مئتي سنة»، وهذا يحمل في آخر الزمان الذي يفسد فيه حال الناس إلا من رحم الله. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي، قال: سمعت محمد بن حاتم بن المظفر يقول: سمعت عمر بن محمد يقول: «كان أبو معاوية الضرير يحدث هارون الرشيد -الخليفة المشهور- قال: فحدثوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «احتج آدم وموسى»، فقال عيسى بن جعفر: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما؟» قال: فوثب هارون -أي الرشيد- وقال: «يحدثك عن الرسول صلى الله عليه وسلم وتعارضه بكيف؟» قال: فما جال يقول حتى سكن عنه. وهذا دلنا على ما كان عليه الخلفاء في الزمن الأول، كان عندهم غيرتهم على دين الله جل وعلا، كيف يعترضوا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ من هذا الذي يعترض على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقابلها بالقبول والتسليم والتصديق، وينكر أشد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد رحمه الله مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بكيف، على طريق الإنكار والاستبعاد له، ولم يتلقه بالقبول كما يجب أن يتلقى جميع ما يرد من الرسول صلى الله عليه وسلم. جعلنا الله سبحانه من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويتمسكون في دنياهم مدة محياهم بالكتاب والسنة، وجنبنا الأهواء المضلة والآراء المضمحلة والأسواء المذلة، فضلا منه ومنه. آخره الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. تمت وكانت في ليلة خمسة عشر من جمادى الأولى سنة 1435 من هجرته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فلله الحمد أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحابة أجمعين.

شاركنا على