شرح تطهير الإعتقاد 41

الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 41، ألقاها

إغواء الشيطان وتأثيره على العباد

يتناول هذا الفصل موضوع إغواء الشيطان للعباد وتأثيره عليهم، حيث يستدل بقصة الراعي والذئب ويبين أن الشيطان يمكن أن يتمثل في صور مختلفة لإضلال الناس. يشير إلى أن مثل هذه الأفعال يمكن أن تكون من السحر، خاصة سحر العيون.

تحذير من مكر الشيطان وخداعه بادعاء الكرامات

يذكر هذا الفصل تحذيرا من مكر الشيطان وخداعه للناس بادعاء الكرامات، ويبين أن الكرامات الحقيقية تكون بسبب الإيمان والتقوى. يشير إلى أن الشيطان قد يتصور بصور مختلفة ليخدع الناس ويغويهم.

التمييز بين الخوارق الحقيقية والخداع الشيطاني

يتناول هذا الفصل تحذير العلماء من الاغترار بخوارق السحرة والمشعوذين، ويوضح أن هذه الخوارق قد تكون نتيجة للسحر أو الشيطان، وليست بالضرورة دليلاً على صلاح أو كرامة. يشير إلى أمثلة من القرآن والسنة.

ختام بالتحذير من الأحوال الشيطانية والصلاة على النبي

يحذر هذا الفصل من الأحوال الشيطانية التي تحدث وتتكرر، ويشير إلى مشاهدات الناس لها، ويطلب من الله السلامة والعافية. يُنهي بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه "تطهير الاعتقاد": "والشياطين أعظم عناية في إغواء العباد عن طرق الهداية والرشاد". وقد أخرج أبو بكر البزار في مسنده "البحر الزخار" عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: كنت مع أبي نريد النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كنا ببعض الطريق مررنا بحي فبتنا فيه، فإذا الراعي قد جاء أهل الحي يسعى يقول: لست أرعى لكم، فإن الذئب يجيء كل ليلة يأخذ شاة من الغنم، والصنم ينظر ولا ينكر ولا يغير. قالوا: أقم علينا - أحسبهم يعني - قالوا: انتظر وسترى. قال: حتى نأتيه، فأتوهم فتكلموا حوله، قال للراعي: أقم الليلة. قال: إني مقيم. قال أبي: أقيم الليلة حتى ننظر. فبتنا ليلتنا، حتى إذا كان صلاة الغداة أقبل الراعي يشتد إلى القرية يقول لهم البشرى: ألا ترون الذئب مربوطا بين الغنم بغير وثاق؟ فجاءوا وجئنا معهم، قال: نعم هكذا فاصنع. يعني الشاهد منه أن الذئب الذي كان يأكل الغنم لما لجأوا ورجعوا إلى أصنامهم وآلهتهم زعموا أن صنمهم ربط وحبس ذلك الذئب من غير وثاق. قال: فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه أبي الحديث - أي بما رأى من قصة ذلك الذئب مع الغنم والراعي - فقال: "يتلعب بهم الشيطان"، أي أن ذلك ليس بذئب وإنما هو الشيطان تمثل لهم يظنونه ذئبا. والحديث من حيث الإسناد لا يصح لأن مدارَه على أزهر بن سنان وهو ضعيف. قال الصنعاني رحمه الله تعالى: "فإذا بلغ من الشيطان مثل هذا بأن يتمثل ذئبا ويعقد بين الغنم ليتم إضلال العباد بعبادة الأوثان، فكيف يستنكر المؤمن الصادق في الإيمان أن يتلعب الشيطان بالقبوريين والمجاذيب ويتصور ثعبانا يقلبونه في أيديهم ونارا يأكلونها وغير ذلك لمن صدق إيمانه ويقينه؟". يعني أن تلك الأفعال هي من أفعال الشيطان ومن إغواء الشيطان لهم، وقد يكون من السحر، وهو الأكثر، الأغلب يكون من السحر، وهو الأكثر، فهم يستخدمون السحر لأجل الإضلال والإغواء لأجل الإضلال والإغواء، وغالب هذا السحر يكون من نوع سحر العيون. قال رحمه الله تعالى: وذكر ابن تيمية في كتابه "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" - ابن تيمية شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - في كتابه المشهور المسمى بالفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لأن الناس على قسمين: منهم من هو ولي للرحمن جل جلاله، ومنهم من هو ولي للشيطان نعوذ بالله منه. قال: "أنه يعرف من تخاطب النبات بما فيها من المنافع، وإنما تخاطب الشياطين التي دخلت فيها". قال: "وأعرف من يخاطب الحجر والشجر، وتقول: هنيئا لك يا ولي الله، ويقرأ آية الكرسي فيذهب ذلك". يدل على ماذا؟ على أن المخاطب له شيطان مريد، يعني يغوي ذلك الإنسانيات إلى شجرة أو إلى حجرة فيخاطبه فيقول له: هنيئا لك يا ولي الله. فإذا كان وليا لله تبارك وتعالى حقا وحقيقة أعاذه الله منه ولجأ إلى الله منه قرأ آية الكرسي، يجد أن ذلك الكلام وذلك الحديث قد ذهب، لأن الشيطان يفر من سماع آية الكرسي، فهذا يدل على أن ذلك الكلام ليست كرامة وإنما هو إغواء من الشيطان لأوليائه. قال رحمه الله تعالى: "قال وأعرف من يقصد صيد الطير فتخاطبه العصافير وتقول: صدني حتى يأكلني الفقراء، ويكون الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في الإنس ويخاطبه بذلك". ومنهم من يكون في البيت مغلقا عليه فيرى نفسه خارجه وبالعكس وهو لم يفتح الباب، وكذلك في أبواب المدينة، وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة، ويرونه أنوارا، ويحضر عنده من يطلبه ويكون ذلك من الشياطين يتصورون بصورة صاحبه. قال: "وأعرف من يخاطبه مخاطب ويقول: أنا من أمر الله، ويعده أنه المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويظهر له الخوارق مثل أن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد في الهواء، تصرف في الطير والجراد في الهواء والمواشي، فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير والجراد يمينا وشمالا ذهب حيث أراد، وإذا خطر بقلبه قيام بعض المواشي أو نومه أو ذهابه حصل ما أراد من غير حركة منه في الظاهر". وتحمله إلى مكة وتأتي به تأتي بأشخاص في صور جميلة وتقول لهم: هذه الملائكة الكروبيون أرادوا زيارتك، فيقول في نفسه: كيف تصور بصورة المردان؟ فيرفع رأسهم فيجدهم بلحاء، وكله من مكر الشيطان. وهذا باب لو ذكرت ما أعرف منه لاحتاج إلى مجلد كبير. وقد قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۝ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15-16]. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ [الفجر: 17]، زجر وتنبيه على أنه ليس كل من حصلت له نعمة دنيوية تعد كرامة وأن الله أكرمه بها، ولا كل من قدر عليه رزقه - أي ضيق عليه رزقه - يكون مهينا له بذلك. بل هو سبحانه يبتلي عبده بالسراء والضراء، فقد يعطي النعمة الدنيوية من لا يحبه وهو كريم عنده ليستدرجه بذلك، وقد يحمي منها من يحبه ويواليه لئلا تنقص بذلك مرتبته عنده أو يقع بسببها ما يكرهه منه. وأيضا كرامات الأولياء لا بد أن يكون سببها الإيمان والتقوى، هذا هو سبب ماذا؟ كرامات الأولياء إنما تكون بماذا؟ بالإيمان والتقوى تحقيقا لقول الله جل وعلا: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۝ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [يونس: 62-63]. قال رحمه الله تعالى: "فما كان سببه الكفر والفسوق والعصيان فهو من خوارق أعداء الله، ليس من كرامات الأولياء، كما هو حال الشياطين، حال السحرة ومن كان على شاكلة من المشعوذين، تظهر على أيديهم بعض الخوارق ولكنها خوارق شيطانية وليست خوارق رحمانية من الرحمن جل وعلا". قال: "فهذه كلها أحوال شيطانية وهو ممن يتناوله قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ۝ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ۝ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: 36-38]". قال: "فلا يغتر من يشاهد ما يعظم في عينه من أحوال المجاذيب من الأمور التي يراها عنده خوارق، فإن للسحر تأثيرا عظيما في الأفعال، وهكذا الذين يقلبون الأعيان بالأسحار وغيرها، وهكذا الذين يقلبون - أي ترى الأعين ما لا حقيقة له وإنما هو من سحر الأعين - كما قال الله جل وعلا عن سحرة فرعون: ﴿وَسَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 116]". قال رحمه الله تعالى: "وقد ملأ سحرة فرعون الوادي بالثعابين والحيات حتى أوجس في نفسه خيفة موسى، وحتى وصفه الله تعالى بأنه سحر عظيم - أي ذلك السحر الذي جاء به سحرة فرعون -". قال: "وقد سحرت اليهود سيد البشر حتى كان يخيل له أنه فعل الشيء ولم يفعلوا، حتى أعلمه الله بأنه سحر وأعلمه مكان السحرة وفيما فعل حتى أخرجه صلى الله عليه وسلم وكفاه الله شره، والقصة في الصحيحين وغيرهما مبسوطة معروفة". قال: "والسحر يفعل أعظم من هذا، فإنه قد ذكر ابن بطوطة - وابن بطوطة مؤرخ الرحالة - إلا أنه أتى بكذبة بلغت الآفاق في حق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - قال: فإنه قد ذكر ابن بطوطة وغيره أنه شاهد في بلاد الهند قوما توقد لهم النار العظيمة ويلبسون الثياب الرقيقة ويخوضون في تلك النار ويخرجون وثيابهم كأنها لم يمسها شيء". بل ذكر أنه رأى إنسانا عند بعض ملوك الهند أتى بولدين معه ثم قطعهما عضوا عضوا ثم رمى بكل عضو على جهة فرقا حتى لم ير أحد شيئا من تلك الأعضاء، ثم صاح وبكى فلم يشعر الحاضرون إلا وقد نزل كل عضو على انفراده وانضم إلى الآخر حتى قام كل واحد منهما على عادته حيا سويا. ذكر هذا في رحلته - وهي رحلة بسيطة - وقد اختصرت طالعتها بمكة سنة ست وثلاثين ومئة وألف، وأملاها علينا العلامة مفتي الحنفية في المدينة السيد محمد بن أسعد رحمه الله. الحاصل من هذا أن هذه من أحوال الشيطانية التي حصلت وتحصل، وهي كثيرة، وقد رأى هؤلاء ما رأوا منها، وأخبر العدول الثقات كذلك ما رأوا منها، فنسأل الله تبارك وتعالى السلامة والعافية، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على