الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 6، ألقاها
العبادة هي غاية الخضوع والتذلل لله مع المحبة والتعظيم، وهي أساس الدين وأصل الإيمان. العبادة لا تنفع إلا مع التوحيد.
التوحيد هو أساس العبادة، وكلمة لا إله إلا الله تتطلب الإيمان بمعناها ونفي الألوهية عن غير الله وإثباتها لله وحده. هذه الكلمة ليست مجرد لفظ يُقال.
لا إله إلا الله تدل على البراءة من جميع المعبودات بغير حق، وتقتضي عبادة الله وحده دون سواه. الكفار فهموا هذا المعنى ورفضوا قبولها.
كثير من المسلمين يتلفظون بكلمة التوحيد ولكنهم ينقضونها بأفعالهم مثل الاستغاثة بغير الله والذبح لغيره، مما يبطل معناها ويضيع أثرها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد الأمير الصنعاني رحمه الله في رسالته "تطهير الاعتقاد"، الأصل الخامس: أن العبادة أقصى غايات القضوع والتذلل، ولم تستعمل إلا في القضوع لله تعالى، لأنه مولي أعظم النعم، فكان حقيقا بأقصى غاية القضوع، كما في الكشاف -يعني للزمخشري في تفسيره المسمى بالكشاف- ذكر ذلك عند قول الله جل وعلا: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. وتفسير الزمخشري "الكشاف" فيه اعتزاليات كثيرة، ولهذا لا ينصح بقراءته إلا لمن كان متمكنا من أهل العلم. وأما المبتدئ فإنه لا يقرأ فيه، ويستغني بتفاسير أهل السنة والجماعة، التي هي سليمة من الاعتقادات المنحرفة والعقائد الباطلة، كتفسير ابن كثير، وابن جرير الطبري، وتفسير القرطبي، وغيرها. فيذكر رحمه الله أن العبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل، بل هذا هو أصل العبادة. أصل العبادة هو الخضوع والذل مع المحبة والتعظيم. ومنه سميت الأرض المعبدة بذلك؛ لأنها مذللة للمشي عليها، يقال: أرض معبدة إذا ذللت وهيئت للسير عليها. وهذا هو أصل العبادة: هو الخضوع والذل. قال ابن القيم رحمه الله في نونيته: "وَعِبَادَةُ الرَّحْمَنِ غَايَةُ حُبِّهِ ... مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هَمَا قُطْبَانِ". بالأمر قال الله، قال رسوله، لا بالهوى والنفس والشيطان. فأصل العبادة هو الخضوع والتذلل. قال القرطبي رحمه الله: "أصل العبادة التذلل والخضوع". وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات؛ لأنهم يؤدونها على جهة الخضوع والذل، يؤدونها وهم متذللين خاضعين لله جل وعلا. وقال ابن كثير رحمه الله: "وعبادته هي طاعته بفعل المأمور وترك المحظور، وذلك هو حقيقة دين الإسلام؛ لأن الإسلام أو معنى الإسلام الاستسلام لله المتضمن لغاية الإنقياد والذل والخضوع". هذا أيضا هو أصل العبادة، وهو الخضوع والتذلل. والعبادة كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في تفسيرها: "أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة". فكل ما يحبه الله جل وعلا ويرضاه مما حث جل وعلا على فعله أو قوله في كتابه أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، فهو عبادة، سواء كانت قلبية كالخوف والرهبة والخشية والإنابة والتوكل، أو كانت قولية كقراءة القرآن والذكر والتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو كانت فعلية كالصلاة والصيام والزكاة والحج إلى آخره. فجميع هذه العبادات تقع من العبد على جهة الخضوع والذل لله جل وعلا. ثم إن رأس العبادة وأساسها التوحيد لله تعالى. إن رأس العبادة وأساسها التوحيد لله تعالى الذي تفيده كلمته، التي إليها دعت جميع الرسل، وهو قول "لا إله إلا الله". هذا هو أصل وأساس العبادة، هو التوحيد وإفراد الله جل وعلا بالعبادة. وجميع العبادات لا تنفع مع عدم وجود التوحيد، فلا ينفع الإنسان صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج ولا غيرها من أنواع الطاعات إن كان توحيده ماذا مزعزع، ولم يكن على أساس وأصل من توحيد الله جل وعلا. فبصحة التوحيد تصح سائر العبادات والطاعات، وإذا فسد التوحيد فسدت سائر العبادات والطاعات. قال: "والمراد اعتقاد معناها، لا مجرد قولها باللسان". المراد اعتقاد معناها، يعني معنى "لا إله إلا الله" ليس مجرد نطق اللسان بها. فكثير ممن ينطق بلا إله إلا الله وهو ينقض معناها بفعله وقوله، يقول "لا إله إلا الله" وهو يعتقد النفع والضرر غير الله، ويعلق قلبه بغير الله جل وعلا في طلب الحاجات وكشف الكربات، يقول "لا إله إلا الله" وهو يستغيث ويدعو غير الله جل وعلا، يقول "لا إله إلا الله" وهو يذبح لغير الله ويصرف العبادات لغير الله. قال: "فإفراد الله تعالى بالعبادة والإلهية". ومعناها: إفراد الله تعالى بالعبادة والإلهية، والنفي والبراءة من كل معبود دونه. ومر معنى أن كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" لا تتحقق إلا بتوفر أركانها، وهي النفي والإثبات. فلابد من النفي والإثبات، "لا إله" نفي لجميع الآلهة، و"إلا الله" إثبات الألوهية لله جل وعلا وحده، والبراءة من كل معبود غير الله جل وعلا. فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى. وهذا معنى "لا إله إلا الله" ﴿إِنِّي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. إذا لابد من النفي والإثبات والبراءة من جميع المعبودات التي عبدت من دون الله. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه». قال: "وقد علم الكفار هذا المعنى؛ لأنهم أهل اللسان العربي". فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. فكفار قريش أعلم وأفقه بكثير ممن ينتسب إلى الإسلام اليوم ممن يقول "لا إله إلا الله" وهو ينقض هذه الكلمة بقوله وفعله. لما قال لهم نبي الله عليه الصلاة والسلام "لا إله إلا الله" أبوا أن يقولوها ورفضوا أن ينطقوا بها. لماذا؟ لأنهم عرفوا معناها، علموا أن معناها ترك جميع الآلهة التي كانوا يعبدونها، ولا يعبدوا إلا إلها واحدا هو الله جل وعلا. لهذا قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾، ما نعبد إلا إله واحد، ندع إسافا ونائلة ومنات واللات والعزى إلى آخره مما كانوا يعبدون من دون الله. علموا أن قولهم "لا إله إلا الله" تدل على ترك جميع المخلوقات، ولا يعبد إلا الخالق جل وعلا وحده. فأبوا أن يتلفظوا بهذه الكلمة. ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. إنهم كانوا إذا قيل لهم "لا إله إلا الله" يستكبرون ويقولون: ﴿أَإِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾. نترك الآلهة كلها ولا نعبد إلا هذا الإله الذي يدعو إليه النبي عليه الصلاة والسلام، ويصفونه بالسحر والجنون. إذا فهموا معنى هذه الكلمة، فقهوا معنى هذه الكلمة. وتجد كثيرا ممن ينتسب إلى الإسلام اليوم يتلفظ بها ليلا ونهارا، وهو ينقضها نقضا، ويبطل معناها بقوله وفعله ليلا ونهارا، بلجئه إلى غير الله، مستغاثته بغير الله، وذبحه لغير الله، وتعلقه بغير الله، إلى آخر ذلك من صرف أنواع العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.