شرح تطهير الاعتقاد 22

الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 22، ألقاها

حقيقة الإجماع ومدى تحققه

يناقش مفهوم الإجماع في الإسلام وشرط تحققه، ويبين أن ادعاء الإجماع بعد انتشار الإسلام يعد دعوى كاذبة. كما يشير إلى أن باب الاجتهاد مفتوح ولا يقتصر على أئمة المذاهب الأربعة.

مراتب الإنكار على المنكر وعدم دلالة السكوت عليه

يناقش مسألة إنكار المنكر ومراتبه الثلاث، ويوضح أن سكوت العلماء عن إنكار المنكر لا يعني جوازه أو عدم إنكاره بقلوبهم. كما يبين أن الإنكار بالقلب هو أقل مراتب الإنكار.

حكم السكوت عن المنكر وأسبابه

يناقش حكم السكوت عن المنكر وأسبابه، ويبين أن السكوت لا يعتبر إجماعا أو موافقة. كما ينتقد استخدام بعض العلماء للسكوت كدليل على الإجماع، ويشير إلى أن الساكت لا ينسب إليه وفاق أو خلاف حتى يعرب عنه لسانه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد الأمير الصنعاني رحمه الله من كتابه تطير الاعتقاد: فإن قلت: يلزم من هذا أن الأمة قد اجتمعت على ضلالة، حيث سكتت عن إنكارها لأعظم ذهالة. قلت: الإجماع حقيقة حقيقته اتفاق مجتهد أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر بعد عصره، ويقيد على أمر ديني؛ لإخراج الأمور الدنيوية. فالإجماع الشرعي المعتبر اتفاق مجتهد أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر ديني بعد عصره، يعني بعد عصر النبي عليه الصلاة والسلام. قال فقهاء المذاهب الأربعة: يحيلون الاجتهاد من بعد الأمة الأربعة، يعني يقولون بمنع الاجتهاد بعد الإمام مالك والإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي والإمام أحمد، فليس هناك موضع للاجتهاد، وإنما يجب على من جاء بعدهم أن يكون مقلدا لأحد هذه المذاهب. هذا معنى قوله: يحيلون الاجتهاد من بعد الأمة الأربعة، فلا اجتهاد بعدهم. وهذا قول باطل، وأيضا ليس على إطلاقه. كما ذكر المؤلف رحمه الله أن جميع فقهاء المذاهب الأربعة على هذا القول، وأنهم يمنعون الاجتهاد، هذا ليس بصحيح. ولهذا علق شيخ الإسلام إسماعيل الأنصاري رحمه الله على كلام الإمام الصنعاني في هذا الموضع بقوله: إحالة الاجتهاد من بعد الأمة الأربعة ليس إلا قول بعض المنتسبين إلى هذه المذاهب من المتأخرين. وقد اعتبر السيوطي ذلك القول منهم جهلا، وألف في الرد عليه كتاب الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض. وقد سرد نصوص فقهاء المذاهب الأربعة المعتبرين على خلاف ما ذكره الصنعاني هنا، إذن هذا القول ليس هو قول جميع فقهاء المذاهب، إنما قول بعضهم ممن ينتسب إلى هذه المذاهب الأربعة، وهو لا شك أنه قول باطل. وأن الصحيح أن باب الاجتهاد مفتوح، ومن طلب العلم وبلغ رتبة الاجتهاد فله أهلية الاجتهاد، ولو حق أن يجتهد وأن يقول بما أدى إليه اجتهاده، ولو كان ما ذهب إليه خلاف ما ذهب إليه الأئمة الأربعة مثلا، فالعبرة بالدليل لا بالتقليد. قالوا: إن كان هذا قولا باطلا وكلاما لا يقوله إلا من كان للحقائق جاهلا، فعلى زعمهم لا إجماع أبدا من بعد الأئمة الأربعة، فلا يرد السؤال. فإن هذا الابتداع والفتنة بالقبور لم يكن على عهد أئمة المذاهب. وعلى ما نحن حققه، فالإجماع وقعه محال. فإن الأمة المحمدية قد ملأت الآفاق، وصارت في كل أرض وتحت كل نجم، فعلماؤها المحققون لا ينحصرون، ولا يتم لأحد معرفة أحوالهم. فمن ادعى الإجماع بعد انتشار الدين وكثرة علماء المسلمين، فإنها دعوة كاذبة، كما قاله أئمة التحقيق، أي علماء الإسلام. قال: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريك على الناس قد اختلفوا. وهذا قاله الإمام أحمد رحمه الله على سبيل الذم لمن ادعى الإجماع، وأكثر من ذلك من غير نظر في أقوال العلماء. فكما ذكره رحمه الله أن علماء الإسلام انتشروا وتفرقوا في أقطار البلاد، فيصعب حصر أقوالهم، والنظر في رأيهم فيما يقع من مسائل وحوادث. ولهذا شيخ الإسلام رحمه الله قال بأن الإجماع المعتبر ما كان في القرون المفضلة، كما في الواسطية. لماذا؟ لأن الأمة انتشروا، فيصعب حصر أقوالهم ومعرفة آرائهم. قال: ثم لو فرض أنهم علموا بالمنكر وما أنكروا، أولا هذه دعوى الإجماع، يعني على سكوتهم على إنكار هذا الباطل الذي يفعله القبوريون ليس بصحيح. قال: ثم لو فرض أنهم علموا بالمنكر وما أنكروا، بل سكتوا عن إنكاره، لما دل سكوتهم على جوازه. يعني لو تنزلنا وقلنا: نعم، العلماء سكتوا وما أنكروا، وقد علموا بهذا المنكر، هل سكوتهم هذا يدل على جواز هذه الأفعال؟ الجواب: لا. قال: فإنه قد علم من قواعد الشريعة أن وظائف الإنكار ثلاث، يعني مراتب الإنكار. أولها الإنكار باليد، وذلك بتغيير المنكر وإزالته، وهذا في حق من له سلطة وقدر على أن ينكر بيده من غير تردد مفسدة أعظم، كالوالي والسلطان، وهكذا من ينيبه السلطان في بعض الجهات والمسؤوليات. وهكذا مثلا المدير في الإدارة يكون له سلطة، وله قدرة على إنكار المنكر بيده. الولي والأب في بيته يستطيع أن ينكر المنكر بيده لأنه هو السلطان في البيت وهكذا. قال: وثانيها الإنكار باللسان مع عدم استطاعة التغيير باليد، إذا ما استطاع أن يغير بيده، أو ترتب على التغيير باليد مفسدة أعظم، فإنه ينتقل إلى التغيير باللسان فينكر بلسانه. قال: وثالثها الإنكار بالقلب عند عدم استطاعة التغيير باليد واللسان. وهذا كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد في مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». قال: فإن انتفى أحدهما لم ينتفي الآخر، يعني لو أن عالما مثلا أو شخصا من أهل العلم ما أنكر هذا المنكر بلسانه أو بيده، هل معنى هذا أنه مقر لهذا الباطل؟ الجواب: لا. فربما أنكر بلسانه وأنت لم تسمع قوله، وربما ما استطاع أن ينكر بلسانه فأنكر بقلبه. إذن الإنكار موجود، لكن على هذه المراتب الثلاث. قال: ومثاله مرور فرد من أفراد علماء الدين بأحد المكاسين، يعني الذين يأخذون الضرائب، قال: وهو يأخذ أموال المظلومين، فهذا الفرد من علماء الدين لا يستطيع التغيير باليد على هذا الذي يأخذ أموال المساكين، ولا باللسان. أولا باليد لأنه قد يكون عنده قوة، فإذا أنكر بيده ما سيكون في هذا الإنكار فائدة، وسيترتب عليه مفسدة أعظم، قد يضرب، وربما يؤذى. فحينئذ ينتقل إلى الرتبة الثانية وهي الإنكار باللسان. قال: ولا باللسان لأنه إنما يكون سخرية لأهل العصيان. وهذا في الحقيقة ليس بمانع من الإنكار باللسان، كونه ينكر بلسانه فيؤذى ويسب ويشتم، هذا ما يمنعه أن ينكر؛ لأن القيام بهذه الوظيفة لا شك أن القائم بها سيتعرض إلى شيء من الأذى، لكن مثل هذا الأذى يحتمل. يعني السب والشتم والتنقص باللسان، هذا شيء يحتمله الداعي إلى الله جل وعلا والمنكر للمنكر. فمثل هذا ما يمنعه أن ينكر بلسانه. قال: فانتفى شرط الإنكار بالوظيفتين، ولم يبق إلا الإنكار بالقلب الذي هو أضعف الإيمان. فيجب على من رأى ذلك العالم ساكتا عن الإنكار مع مشاهدة ما يأخذه ذلك الجبار أن يعتقد أنه تعذر عليه الإنكار باليد واللسان، وأنه قد أنكر بقلبه. وهذا على سبيل المثال، هذا مثال يريد رحمه الله أن يوضح أن كون العالم ما أنكر بلسانه ولا بيده أنه لم ينكر بقلبه، وأنه غير منكر لهذا المنكر. كما أنه لو سكت عن مثل ذلك من هذا الظلم والاعتداء الذي ربما ما يستطيع أن ينكره بيده ولا بلسانه، فأضعف الإيمان أن ينكر بقلبه، فلا يعتبر سكوته إقرار لهذا الباطل ولهذا المبطل فيما يفعل. قال: فإن حسن الظن بالمسلمين أهل الدين واجب، والتأويل لهم مهما أمكن ضربة لازب. ومعنى ضربة لازب، يعني لازم شديد، يعني مهما أمكن أن تعتذر لأخيك المسلم، وهناك محل الاعتذار، فتعتذر له. قال: فالداخلون إلى الحرم الشريف، والمشاهدون لتلك الأبنية الشيطانية التي فرقت شمل الدين، وشتتت صلوات المسلمين، معذورون على الإنكار إلا بالقلب، كالمارين على المكاسين وعلى القبوريين. يعني هذا أقل المراتب أن ينكر بقلبه، وليس بعد ذلك عذر. إذا ترك الإنكار بالقلب غير معذور، فهذا أقل الأحوال، ولا يعذر الإنسان بترك الإنكار بقلبه. قال: ومن هنا يعلم اختلال ما استمر عند أئمة الاستدلال من قولهم في بعض ما يستدلون عليه بالإجماع: إنه وقع ولم ينكر، فكان إجماعا. يعني يريد الإجماع السكوتي. الإجماع السكوتي أن يقول العالم قولا، ولا يخالف أحد، فيقول العلماء: إذا لم يخالف أحد، إذن هذا يعتبر إجماعا سكوتيا. يقول: ووجه اختلاله أن قولهم: ولم ينكر، رجم بالغيب. فإنه قد يكون أنكرته قلوب كثيرة، تعذر عليها الإنكار باليد أو اللسان. وأنت تشاهد في زمانك أنه كم من أمر يقع لا تنكره بلسانك ولا بيدك، وأنت منكر له بقلبك. ويقول الجاهل إذا رآك تشاهده: سكت فلان عن الإنكار، يقوله إما لائما أو متأسيا بسكوته. فالسكوت لا يستدل به، عارف يعني من له معرفة وعلم. وكذا يعلم اختلال قولهم في الاستدلال: فعل فلان كذا، وسكت الباقون، فكان إجماعا. مختل من جهتين. الأولى: دعوى أن السكوت الباقين تقرير لفعل فلان، لما تبين من عدم دلالة السكوت على التقرير. يعني كونه سكت لا يدل هذا على الإقرار والموافقة. الثانية: قولهم: فكان إجماعا. فإن الإجماع اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والساكت لا ينسب إليه وفاق ولا خلاف حتى يعرب عنه لسانه. الساكت لا ينسب إليه وفاق، يعني اتفاق وموافقة لهذا القول الذي قيل أو هذا الفعل الذي فعل، ولا خلاف له؛ لأنه ساكت. ولا ينسب إلى ساكت قول. قال: حتى يعرب عنه لسانه، يعني يفصح به حتى يفصح لسانه وينطق بلسانه إما بالوفاق وإما بالخلاف. فإذا وافق كان موافقا لهذا القول نسب إليه هذا القول. إن خالف قيل: خالف فلان. قال: قال بعض الملوك: وقد أثنى الحاضرون على شخص من عماله، وفيهم رجل ساكت. ما لك لا تقول كما يقولون؟ فقال: إن تكلمت خالفتهم. وذكر المحقق أن المراد بهذا الملك هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، والعامل هو عبيد الله بن زياد، والرجل الساكت هو الأحنف بن قيس. قال: فما كل سكوت رضا. الشاهد قوله: ما لك لا تقول كما يقولون؟ قال: إن تكلمت خالفتهم. إذن هو غير مقر لما قالوا، ولا موافق لهم، مع ذلك سكت، ولم يكن سكوته موافقة. قال: فما كل سكوت رضا. فإن هذه منكرات أسسها من بيده السيف والسنان، ودماء العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه وقوله وكلمه. فكيف يقوى فرد من الأفراد على دفعه عما أراد؟ فقد يسكت يعني العالم لتردده مفسدة أعظم لو تكلم، أو قد يسكت كذلك لعدم رضا، أو للنظر مثلا في هذه المسألة التي ظهرت مثلا، ولم يترجح له شيء فيها فيسكت. إذن كونه سكت ليس معناه أنه أقر وأنه وافق، بل لا ينسى بله لا وفاق ولا خلاف حتى ينطق ويتكلم بلسانه. إلى هنا صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على