طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان

طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان

الخطبة بعنوان طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 18 شعبان 1447هـ الموافق 6 فبراير 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية استغلال المواسم المباركة

يُشدد على أهمية استغلال المواسم المباركة مثل شهر شعبان ورمضان في الإصلاح الشخصي. يُوصى ببدء الإصلاح قبل رمضان لتحقيق أقصى استفادة من هذه الفترة.

إصلاح النفس قبل رمضان بإقبالها على الله

يجب إصلاح النفس قبل رمضان بإقبالها على الله تعالى وتعبدها له، وكثرة الصيام في شعبان. كما يجب على من عليه قضاء من رمضان أن يقضيه قبل دخول رمضان القادم.

تتمة الكلام عن إصلاح النفس قبل رمضان

يجب على المسلم إصلاح نفسه قبل رمضان بتعبد الله والتعامل الحسن مع الخلق. يتحقق ذلك بالتسامح والتراحم وتصفية القلوب من العداوة والشحناء.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاءً للمسلمين بالمغفرة، يليه الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ثم حث على إقامة الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من عظيم ما أنعم الله به علينا معاشر أهل الإسلام أن من علينا بهذه الشريعة الغراء، هذه الشريعة التي حوت كل خير، ونفت وخلت عن كل سوء وشر وضير. هذه الشريعة التي أظهر الله جل وعلا بها فضل هذه الأمة المحمدية على سائر الأديان والشرائع السماوية. ففي شريعتنا العبادات والطاعات قائمة على اليسر والتيسير، وعلى نفي الحرج والتشديد والتعسير. في شريعتنا أسقط الله جل وعلا الواجبات عن العاجزين، وأباح المحظورات على المضطرين. في شريعتنا لا يؤاخذ الله المخطئين والناسين، وتجاوز الله عما يكون في الضمير. في شريعتنا العمل اليسير يضاعفه الله جل وعلا ويجازيه بالأجر الكثير الوفير. في شريعتنا جعل الله لنا أزمانًا فاضلة وأوقاتًا مباركة تتتابع على هذه الأمة المحمدية بين الفينة والأخرى، وهي كمحطات يتزود بها المسلم من الأجور والحسنات. فها هو شعبان شهر مفضل، شهر ترفع فيه الأعمال إلى ربنا المتعال جل في علاه، ثم يأتي من بعده رمضان زين الشهور والأيام، سيد المواسم في كل زمان، هو شهر المغفرة والغفران، شهر البر والإحسان، شهر الرحمة والقرآن. فلله الحمد حمدًا من بعد حمد على فضله وعظيم الفضل والإنعام، وعلى ما كان من جزيل الأجر والإكرام. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. عباد الله، إن هذه المواسم المباركة تحتم علينا معاشر المسلمين والمسلمات أن نستغلها حق الاستغلال والإغتنام، وخاصة في مثل هذه الأيام. فإن مما جاء عن سلفنا الكرام قول من قال: «طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان». إن إصلاح النفس ينبغي أن يكون في كل آن وفي كل زمان وعلى الدوام، لكنه في مثل هذه الأيام أشد تأكيدًا وأعظم توكيدًا. وقد قيل: «رجب هو شهر الزرع، وشعبان هو شهر السقي، ورمضان هو شهر الحصاد». فما تزرعه الآن تحصده في رمضان. فمن أراد أن ينعم برمضان وأن يكون على أحسن حال وأن يغتنمه حق الاغتنام، فعليه أن يبادر إلى إصلاح نفسه من الآن. ألف، اعلموا عباد الله أن إصلاح النفس في هذا الشهر إنما يكون بأمرين اثنين: الأمر الأول بما يكون من إصلاح النفس بإقبالها على الرب، وبما يكون من إصلاح النفس في حسن تعاملها مع الخلق. وعلى كل دلت الأدلة الشرعية. فأما الأمر الأول، ما يكون من ضرورة إصلاح النفس من الآن فيما يكون من إقبالها على الله، وذلك بما يكون من التعبد لله. وذلك يظهر جليًا من فعله عليه الصلاة والسلام من كثرة الصيام، إذ أنه كان يصوم شعبان كثيرًا. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «ما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان». بل كان هذا الصيام محل إعجاب عند كثير من الأصحاب. قال أسامة رضي الله تعالى عنه: «يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟» فقد كان عليه الصلاة والسلام يكثر من صيام شعبان. والحكمة في ذلك كما قال العلماء، إضافة إلى أنه شهر ترفع فيه الأعمال، قال أهل العلم: بما في التعبد من إصلاح النفس وتزكيتها وتهذيبها وترويضها على أحسن حال من حسن التعبد مع الله جل في علاه. وأيضًا أضاف العلماء حكمة أخرى من صيامه عليه الصلاة والسلام في شعبان، وذلك بما يكون من تمرين الجسم وتعويد الجسد على الطاعة والتعبد، وخاصة في شعيرة الصوم. فكم من إنسان لربما انقطع عن الصيام مدة طويلة وفترة مديدة، ثم إذا أراد أن يعاود الصيام في رمضان وجد في ذلك مشقة عظيمة. لكن من صام شعبان ولو بضعة أيام فإنه سيجد رمضان سهلًا ميسورًا وبردًا وسلامًا. فلله الحجة البالغة. وإن مما أحب أن أنبه عليه في هذا المقام أن من عليه قضاء من رمضان فعليه أن يبادر بالقضاء الآن. فقد أخبرت عائشة رضي الله تعالى عنها بأنه يكون عليها أياما من رمضان فلا تستطيع أن تقضيه إلا في شعبان، وذلك لانشغالها برسولنا عليه الصلاة والسلام. ومن هنا استفاد العلماء أن قضاء رمضان إنما ينتهي بانتهاء شعبان. فمن كانت عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى دخل عليه رمضان القادم فإنه عاص آثم، وعليه الإثم والوزر إلا ما كان له من عذر. وإن مما يؤسف له أن نجد فئات من الناس رجالًا ونساء يكون عليهم أيام من رمضان تراكمت وتراكبت، فهو لا يرفع لها رأسًا ولا يلقي لها بالًا. يا عبد الله ويا أمة الله، دين الله أحق أن يقضى. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلا زلنا عباد الله فيما مضى في ذكر عبارة من سلفنا الكرام قول من قال: «طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان». وذكرنا أن من إصلاح النفس من الآن بما يكون من إقبالها على الله، وذلك يستفاد من كثرة صيامه عليه الصلاة والسلام في شعبان. وإن ذلك كما قال العلماء لا ينحصر في شريعة الصيام، وإنما ينسحب على سائر شرائع الإسلام. قال الإمام ابن رجب رحمه الله: «ولما كان شعبان كتوطئة لرمضان، فإنه يستحب فيه ما يستحب في رمضان من الصيام وقراءة القرآن». وقد جاء عن سالم بن أبي الجعد رحمه الله أنه قال: «كان يقال شهر شعبان هو شهر القراء». أي لكثرة من يقرأ فيه بالقرآن. وعلى هذا جرى عمل العلماء. لذا يا عبد الله احرص على إصلاح نفسك في شعبان بما يكون من تعبدك للرحمن. وأما الأمر الثاني الذي به يكون إصلاح النفس قبل رمضان، وذلك بما يكون من إصلاحها في تعاملها مع الخلق، وذلك من لين الجانب ومن العطف والتراحم. ومما يؤيد هذا النوع من أنواع الإصلاح للنفس ما جاء عند ابن ماجة من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وأيضًا من حديث معاذ قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا للمشرك أو مشاحن». فأهل الشحناء وأهل العداوة والبغض ليس لهم حظ في المغفرة فهي لا تشملهم. فهذا الحديث على صحته، وما اجتمع عليه من الفضل والتشريف، يعتبر دافعًا لجميع الأنام إلى ضرورة التعاطف والتسامح والتراحم والتصالح، وإلى نبذ أسباب الفرقة والاختلاف، وإلى السعي على روابط الأخوة والإئتلاف. وأن يكون المسلم مع إخوانه المسلمين كالجسد الواحد. وبهذا يكون مع رمضان في هذه الهيئة المباركة، فنكون على أحسن حال في تعاملنا مع الأنام. وإن هذا المقام مقام الأخوة الإسلامية فيما بيننا يقتضي أن رمضان لا يدخل علينا إلا ونحن أولًا في سلامة للقلوب من العداوة والشحناء ومن الحسد والبغضاء مع كل فرد من الأفراد، مع الأقارب والأرحام ومع الأصحاب والجيران. فأنعم بهذا الاستقبال لرمضان. وأيضًا هذا المقام مقام الأخوة الإسلامية يقتضي سلامة الذمة من أن تتعلق ببعض حقوق أبناء الأمة، إذ أنه لا يعقل يا عبد الله أن تدخل إلى رمضان وأنت محمل بحقوق أبناء أهل الإسلام من دماء وأعراض وأموال، وإلا كنت يا مسكين في عداد المفلسين ممن تذهب عليه طاعاته وعباداته من صلاة وصيام ومن زكاة وقيام إلى غيره. والله المستعان. لذا يا عبد الله احرص من الآن على أن تصلح نفسك مع إخوانك من أهل الإسلام. ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. عباد الله، علينا جميعًا أن نحرص على إصلاح أنفسنا ونحن في هذه الأيام من أيام شعبان، بإصلاح أنفسنا سواء فيما بيننا وبين ربنا أو فيما بيننا وبين إخواننا، حتى ننعم برمضان ونحن على أحسن حال. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا وإياكم بما قلنا ونسمَع، ونسأله جل وعلا أن يبلغنا رمضان ونحن وإياكم وجميع المسلمين بصحة وعافية وأحسن حال. ونسأله جل في علاه أن يعيننا فيه وإياكم على الصيام والقيام وعلى ذكر الله وقراءة القرآن. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.