الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الإيمان بالحوض المخصص للنبي يوم القيامة والإيمان بعذاب القبر وفتنته عند الدفن. يسأل الميت عن ربه ودينه ونبيه بواسطة ملكين.
أهل السنة يؤمنون بعذاب القبر مستندين إلى القرآن والسنة، مثل عرض آل فرعون على النار وحديث النبي عن قبرين يعذبان لصاحبيهما.
الإيمان بالغيب وأمور القبر وعذابه والشفاعة، خاصة شفاعة النبي لإخراج العصاة من النار بعد احتراقهم فيها.
أهل السنة يثبتون شفاعة النبي لإخراج أناس من النار، بينما ينكر الخوارج والمعتزلة ذلك. الشفاعة تكون لإخراج بعض العصاة بعد دخولهم النار.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وأما بعد، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: والإيمان بالحوض، وأن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حوضا يوم القيامة يرد عليه أمته، عرضه مثل طوله مسيرة شهر، آنيته كعدد نجوم السماء، على ما صحت به الأخبار من غير وجه. قوله -رحمه الله تعالى-: والإيمان بالحوض، والحوض في اللغة هو مجمع الماء، يطلق عليه حوض، والمراد هاهنا هو حوض الرسول -عليه الصلاة والسلام-، كما في قول المؤلف: والإيمان بالحوض، وأن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حوضا يوم القيامة. وهذا الحوض، وهو الحوض المورود الذي أعده ربنا لنبينا -عليه الصلاة والسلام- له صفات يتميز بها واختص بها، فمن صفات هذا الحوض أنه موجود الآن، كما في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إني والله لأنظر إلى حوضي الآن»، فدل ذلك على وجوده. وأيضا من وصف هذا الحوض أنه يصب فيه ميزابان من الكوثر، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، وأيضا كما ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- أن آنيته كعدد نجوم السماء، كما جاء في الصحيحين، وفيه دلالة على أنهم لا يشربون بأكفهم وإنما يشربون بالأواني. وأيضا من وصف هذا الحوض أن ماءه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، كما جاء ذلك في صحيح مسلم، وأيضا من وصف هذا الحوض أن من شرب منه فلا يظمأ بعدها أبدا، كما جاء ذلك في الصحيحين. وقوله -رحمه الله تعالى-: آنيته كعدد نجوم السماء على ما صحت به الأخبار من غير وجه، وهذا دلالة من المؤلف -رحمه الله تعالى- على أن الأحاديث قد بلغت كثرة نعم، بلغت إلى حد التواتر، كما صرح بذلك القرطبي، وهكذا ابن كثير -رحمه الله تعالى- صرحوا أن الأحاديث المروية في الحوض وما يتعلق بصفة الحوض قد بلغت إلى حد التواتر، أي لا يمكن لأحد أن يرد هذه المسألة. ومما تواتر حديث «من كذب»، ومن بنى لله بيتا، واحتسب، ورؤية، وشفاعة، وحوض، ومسح خفين، وهذه بعض فقوله: حوض، أي الحوض، فهي من الأحاديث المتواترة، بذكر بعض العلماء كابن العز الحنفي -رحمه الله تعالى- أنها جاءت عن بضع وثلاثين صحابية، فهذا الجمع الغفير من الصحابة رووه لنا أحاديث الحوض. قال -رحمه الله تعالى-: والإيمان بعذاب القبر، والإيمان بعذاب القبر، وأن هذه الأمة تفتتن في قبورها وتسأل عن الإيمان والإسلام، ومن ربه ومن نبيه، ويأتيهم منكر ونكير كيف شاء الله وكيف أراد، والإيمان به والتصديق به. وأيضا من معتقد أهل السنة والجماعة ما يتعلق بعالم البرزخ، وهو عالم القبر، والأمور المتعلقة بالقبر تتعلق بأمرين اثنين: بفتنة القبر، وبعذاب القبر، وهذا الذي أشار إليه المؤلف بقوله: الإيمان بعذاب القبر، ثم قال: وأن هذه الأمة تفتتن في قبورها. فهناك فتنة القبر، وهناك عذاب القبر، نبدأ أولا بما يتعلق بفتنة القبر، الفتنة في اللغة تأتي بمعنى الاختبار، فالمقصود بفتنة القبر هو سؤال الميت عن ربه وعن دينه وعن نبيه، هذه فتنة القبر، سؤال الميت عن ربه وعن دينه وعن نبيه -عليه الصلاة والسلام-، وهي ثابتة بالكتاب والسنة. دلت آيات الكتاب وصريح السنة إلى ثبوت فتنة القبر، أن الميت يسأل، فهنا البلاء وهذه الفتنة العظيمة، قال -عليه الصلاة والسلام-: «المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قول الله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾»، وهذا الحديث بهذا اللفظ متفق عليه. وأخبر نبينا أن المسلم يشهد، وهذه شهادة تأتي بعد السؤال، وهنا يأتي الثبات من عند الله -عز وجل-، ولا تظن -يا عبد الله- كما يظنه بعض الجهلة أنه يستهون أمر القبر وفتنة القبر، يقول: ما هي عبارة عن أسئلة تطرح وأسهل أن سأحفظ هذه الأسئلة، سأحفظها وأجعلها في محفظتي وأجعلها دائما أدندن عليها، إذا سألت: من ربي؟ ربي الله، ما ديني؟ ديني الإسلام، وسأحفظ حتى إذا جاءتني وباغتني الموت وكنت دفينا القبر، فإذا طرحت عليه الأسئلة فأنا أحفظها. لا -يا عبد الله- ليس أمر حفظ الأمر، ليس حفظا وإنما ثبات من الله -سبحانه وتعالى- يثبت الله الذين آمنوا، الثبات من عند الله -عز وجل-، فليس الأمر فطنة ولا ذكاء ولا حفظ ولا مراجعة، وإنما هو عمل ثبات من عند الرب -سبحانه وتعالى-، كم من أناس لربما يحفظ ويحفظ، لكن إذا جاء في القبر ما استطاع أن يحير جوابا، لأن الله لم يثبته لقلة العمل الصالح لدى هذا العبد. والسائل للأسئلة التي تطرح في القبر يجعل ربنا -سبحانه وتعالى- ملكين اثنين يسألان الميت عن ذلك، وأحاديث سؤال الملكين كثيرة جدا، سؤال الملكين الميت عن ربه وعن دينه كثيرة جدا، فمن ذلك ما جاء في البخاري وأيضا في مسلم، قال -عليه الصلاة والسلام-: «يأتيه ملكان فيقعدانه»، وجاء كذلك من حديث البراء بن عازب، وأذا كذلك من حديثه -عليه الصلاة والسلام- أن ملكين يأتيان للميت فيسألانه عن ربه وعن دينه. لكن الأحاديث الكثيرة تشترك بهذه الكثرة، وهي أحاديث مجردة عن التسمية، أما تسمية الملكين بمنكر ونكير، فهذا وقع بين العلماء فيه خلاف، وإن كان بعضهم ذكر الإجماع على ثبوت الإسمين، لكن الصحيح أن المسألة فيها نزاع، فإن من أهل العلم من أنكر التسمية، وإنما يطلق فيقول: إن الميت يأتيه ملكان فيسألانه، يأتيه ملكان، منكر ونكير، يقول: ما أسميهما بمنكر ولا نكير، لماذا؟ لأن هؤلاء جماعة منهم طعنوا بهذه الأحاديث من حيث السند ومن حيث المتن. وليس المقام ذكر هذه التفاصيل، لكن جماهير العلماء وجمهور الأمة على ثبوت التسمية، وأن التسمية صحيحة، وأنه لا نكارة في ذلك، وعلى رأس هؤلاء العلماء الألباني -رحمه الله تعالى-، كما في «الصحيحة»، له مبحث في هذا الباب، ودلل بالشواهد الكثيرة المؤيدة لصحة هذا الحديث ولصحة التسمية، وأن الملكين يسميان بمنكر ونكير. وذلك لما جاء في الترمذي، قال -عليه الصلاة والسلام-: «إذا قبر أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر والآخر نكير»، وهذا رواه الترمذي، وقد حسنه الشيخ الألباني في «الصحيحة»، حيث قال: إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات من رجال مسلم، إلا ما كان من أمر ابن إسحاق العامري، هذا الذي فيه كلام، فقال الشيخ الألباني: وكلام فيه لا يضر. هذا ابن إسحاق العامري، وهو في سند هذا الحديث، لكن له شواهد يحسنه جماعة كالهيثمي، وجماعة ذكروا شواهد لهذا الحديث ورأوا أنه يحتج وأنه ناهض للحجية، فعلى هذا فالأمر في ذلك واسع. قال -رحمه الله تعالى-: والإيمان بعذاب القبر، وأهل السنة والجماعة يثبتون عذاب القبر، وذلك لدالات الكتاب والسنة، فمن الكتاب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخل آل فرعون أشد العذاب﴾. وقد مضى قريبا جدا في درس التفسير ما يتعلق بتفسير هذه الآية، وما ذكره ابن كثير -رحمه الله تعالى- أن هذه الآية تعتبر من أعظم ما يستند عليه أهل السنة والجماعة في ثبوت وإثبات عذاب القبر، إذ أن الله -عز وجل- أخبر أن آل فرعون يصطلون بالنار في الغدو والعشي، ثم بعد ذلك إذا قامت الساعة أدخلوا إلى نار جهنم. فبقي هذا العذاب الذي هم يصطلون به، لا شك ولا ريب أنه عذاب القبر، فهذه الآية واضحة جلية في ثبوت وإثبات عذاب القبر، وأيضا السنة أصرحت بهذا، كما جاء في الصحيحين في حديث ابن عباس أن نبينا -عليه الصلاة والسلام- مر على قبرين فقال: «إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير»، فأخبر نبينا بوحي الله -عز وجل- بأن أصحاب هذين القبرين يعذبان، ثم ذكر نبينا سبب العذاب: أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة، نمام. فكان جزاؤهما أن عذبا في قبورهما، فالشاهد من هذا الحديث أن النبي أخبر بحلول عذاب القبر على أصحاب هذين القبرين، وأيضا مما يدل على ثبوت عذاب القبر ما جاء من حديث أبي سعيد الخدري، ومن حديث أنس -رضي الله تعالى عنهما-، قال -عليه الصلاة والسلام-: «لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر»، لولا أن تدافنوا، أي: امتنعتم من أن يدفن بعضكم بعضا إذا سمعتم بهذه الصيحات التي تخرج من أهل القبور إذا عذبوا في قبورهم. قال: «لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر»، وهذا الحديث ثبت في صحيح مسلم، وأيضا في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «استعيروا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق»، وهذا الحديث كذلك يحسنه شيخ الألباني -رحمه الله تعالى- في «الصحيحة». فأدلة كثيرة جدا -إخواني في الله- تدل على ذلك، وعلى أن الرجل معرض لعذاب الله -سبحانه وتعالى- في البرزخ، طبعا، وهل هذا خاص في القبر؟ لا، هذا خاص بهذا، عام في الحالة البرزخية، في الحالة البرزخية، البرزخ هي الحالة وهي الفصل بين الدنيا والآخرة، بين الدنيا والآخرة، هذه المرحلة الانتقالية تسمى حالة البرزخ. وهي أعظم القبر، لأن الرجل قد يكون في هذه المرحلة قد بسط في التراب في قبره، وأحيانا قد يكون غريقا في البحار، وأحيانا قد يكون قد مقطع الأشلاء بين الجبال والقفار، وأحيانا يكون في بطن أسد أو بطن كائن حي من هذه السباع والهوام، فكلهم في حياة برزخية، فإن الله قادر على جمعهم وعلى أن تعرض عليهم الفتنة وأن يعرض عليهم العذاب إن كانوا من أهل العذاب. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: قال: ويأتيه منكر ونكير كيف شاء الله وكيف أراد، والإيمان به والتصديق به، أي: عليك -يا عبد الله- أنك تذعن لمثل هذه الأدلة، فليس هناك مجال للتكذيب وليس هناك مجال للمماقلة، لأن قد وجد جماعة من أهل الأهواء ومن أهل البدع من أنكر ذلك برمته، من الفلاسفة وأيضا جماعة من المعتزلة، ويذكر عن بعض الخوارج من بعض المناطق من أنكر ما يتعلق بالقبر: لا فتنة ولا عذاب ولا نعيم. والذي جرهم وجرأهم على هذه المسألة أنهم أقحموا عقولهم في هذا الباب، كان الواحد منهم يقول: ما الذي تقول عن القبر؟ احفر لنا هذا القبر، فيقول: نعم، إذا حفرنا القبور الآن ما الذي نجد؟ ما نجد إلا العظام، أي: الذي تدعونهم من أنهم ينظرون فيسألانه كيف يسألانه؟ أين يسألان؟ ما عنده مسافة حتى يرفع رأسه، بالكاد أن يرفع رأسه، فضلا أن يقعد، ما الذي يقعده؟ وكيف يقعد؟ وأين الذي تحكون؟ وإذا عذب بأن تكون هناك نار يصل بها، وهناك الهوام والعقارب، أين هذا كله؟ ما نرى شيئا من ذلك البتة، وهكذا يقول ببطلان النعيم: أن من ينعم في قبره فإن الأرض تنفرج عنه إلى مد البصر، أين هذا؟ فأهل المنطق والفلسفة وبعض العقلانيين من ينكر القبر وما فيه من فتنة وعذاب، بحجة أن هذا لا يجدونه. وحتى قال بعضهم: نحن لو جعلنا مادة الزئبق بالفائدة، مادة الزئبق هي مادة حساسة جدا تتأثر بأدنى حركة، فقال: نحن لو جعلنا على ميت زئبقا وجئنا بعد فترة لرأينا الزئبق على حالته ما اهتز أبدا، أين الذي تدعون؟ فأهل السنة والجماعة قاموا بالرد على هؤلاء بأدلة كثيرة، من ذلكم أن ذلك ثبت بالكتاب والسنة، وما بعد ذلك إلا الخوض بالباطل. والمسلم لا يماري في حكم الله ولا في شرع الله، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، فلا تدخل عقلك -يا عبد الله- في هذا الباب، إن هذا الباب باب الاعتقاد، الإذعان والتسليم من شرع الله -سبحانه وتعالى-. الأمر الثاني: كذلك يقال: إن أمر البرزخ وما يتعلق بعذاب القبر وفتنة القبر من الأمور الغيبية، وأمور الغيبية ما يمكن لأحد أن يدرك ماهيتها، وإنما المسلم وهذه فتنة وابتلاء من الله -سبحانه وتعالى-، ولهذا ربنا -سبحانه وتعالى- جعل من أعظم صفات أهل الإيمان أنهم يؤمنون بالغيب. من أعظم صفات أهل الإيمان أنهم يؤمنون بالغيب، ولهذا المسلم إذا أراد أن يعلم قدره عند الله -عز وجل- ينظر في نفسه كيف هو في أمور الغيبية، في الأمور الغيبية، أنت تؤمن بالجنة، أين الجنة؟ إذعان، تؤمن بوجود النار، لا شك ولا ريب بوجود النار، أين النار؟ تذعن. فالمسلم إذا فيه شدة الاطمئنان بأمور الغيب كان ذلك دلالة على كمال إيمانه، وهكذا القبر وعذاب القبر وفتنة القبر من الأمور الغيبية التي ينبغي أن تذعن لها، الأمر الثالث كذلك -يا عبد الله- أن مسائل الغيب ومسائل الغيب لا تدرك بالعقل، لا تدرك بالعقل. فكم من أشياء أنت -يا عبد الله- ما تكاد أن تدركها، فهل الأشياء التي لا تدركها تكفر بها؟ لو سألتك -يا عبد الله- عن الروح: من أنت؟ أنت عبارة عن جسد: لحم، وعظم، طيب، من الذي يحركك؟ الروح، ما هي الروح؟ لو سألتك السؤال: سأل أسألك عن الروح، عن ما هي الروح؟ عن كيفية الروح؟ عن صورة الروح؟ هل تأكل؟ هل تشرب؟ لو ربما أخرت جوابا عن الروح، هل ستكفر بالروح لأنك ما استشعرتها؟ لأنك ما تعلم بها؟ ما يمكنك فهمها؟ فهذه مسائل الغيبية ما كل شيء يمكن للعقل أن يدركه، العقل مخلوق له حدود، حدود يمكن أن تصل إلى شيء، وأشياء لا تستطيع أن تصل إليها. فيبقى -يا عبد الله- ينبغي أن يبقى عقلك في حيز شيء أنت تدركه، ادركه، شيء فوق خيالك في أمور الغيب، فهذا الذي ينبغي أن تقف عنده ولا تخوض فيه ولا تماري فيه، الأمر الرابع -يا عبد الله- في مسائل القبر، وهي من مسائل التمثيلية، يقول علماء: إن عذاب القبر إنما يدركه صاحبه، يدركه صاحبه. هذه الجثة، الجثة هي التي تدرك العذاب والنعيم الذي يلحق بها، أما الذي بجواره والذي ينبش القبر ما يجد شيئا، لأن هذا العذاب لا يخصه، ولهذا ما ترى، وهل لهذا مثال؟ نعم، هناك مثال، مثل به العلماء بمسألة العذاب القبر ونعيم القبر بحال نائم. لو أن رجلا جلس في غرفة مع مجموعة من إخوانه وأهله وجماعة، مجموعة في غرفة، وأنت في بينهم، فإذا بك في نومك تصاب بكابوس، كابوس عظيم، رأيت أن حيوانا بهم متوحش يجري خلفك وأنت تجري وتجري وتجري وتجري، حتى وجدت نفسك أنك قمت تصيح. فإذا بك في حالة من التعرق، ودقة القلب، والجفاف في الفم، طيب، أنت الآن في هذه الحالة، الذي بيمينك وعن يسارك كيف حاله؟ في سعادة ونوم، ما أحس بشيء قط من أمرك، لو ربما تقول: كيف هذا؟ تقول: يا فلان، يا عن يميني وعن شمالي، أما ما أحسسنا بشيء، فإن إيش أحسسنا؟ أنا أجري، ما رأيناك تجري ولا شيئا. فهذا الذي قام بين وسطهم أحس بعذاب، أحس بضيق، أحس برجف في قلبه، وقد جاء في الأثر: والموت أخو النوم، فإذا كان هذا في حق النائم أن النائم لربما يبتل بعذاب لوحده، والذي عن يمينه لربما ما ناموا، الذي أصحابك في الغرفة لو هم قعود ينظرون إلى التلفاز، ينظرون فيك وأنت نائم وأنت تكابد الموت وتتعذب في كابوسك، ثم تقوم فزعا. فهذا العذاب الذي ابتليت به لم يشعر به أحد من الخلق إلا أنت، وهكذا صاحب القبر، تنبش عن القبر تجد جثة وهو يعذب في قبره، وأنت لا تشعر بذلك، ولهذا -إخواني في الله- وهذا من أعظم ردود من أهل السنة والجماعة في حق من كذب ومن طعن بعذاب القبر. فعذاب القبر حق، وصاحبه هو الذي يدرك ذلك، أما من ادعى أن هذا لا يرى، فقول -يا عبد الله-: هذا ليس للمجال العقلي فيه دخل، وإنما الأمر استسلام واستسلام شرع الله -جل في علاه-. قال -رحمه الله تعالى-: والإيمان بشفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبقوم يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحما، فيؤمر بهم إلى نهر على باب الجنة، كما جاء الأثر، كيف شاء الله وكما شاء، إنما هو الإيمان به والتصديق به. الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في هذه الرسالة التي بين أيدينا «أصول السنة» لا زال -رحمه الله تعالى- يعرج على أهم المسائل التي تعتبر من عقيدة ومن صميم معتقد أهل السنة والجماعة، فذكر -رحمه الله تعالى- من ذلك الإيمان بالشفاعة، الإيمان بالشفاعة، والمقصود بذلك بشفاعة النبي -عليه الصلاة والسلام-. والشفاعة في اصطلاح العلماء هو التوسط للغير في جلب منفعة أو دفع مضرة، هذه معنى الشفاعة، الشفاعة: التوسط للغير، ليس لك، إنما تتوسط لغيرك، على ما ولما تتوسط له، إما أنك تريد أن تجلب له منفعة أو أنك تريد أن تدفع عنه مضرة. قال مؤلف -رحمه الله تعالى-: والإيمان بشفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وشفاعة النبي -صلوات ربي وسلامه عليه- كثيرة جدا، فإن الأحاديث في هذا الباب قد بلغت إلى حد التواتر، كما صرح بذلك ابن أبي عاصم -رحمه الله تعالى-، أحاديث الشفاعة، فإن الرسول -عليه الصلاة والله- شفاعة يوم القيامة كثيرة وكثيرة جدا. وكذلك لها صور، الشفاعة لها صور، لكن المؤلف -رحمه الله تعالى- في هذه الفقرة اقتصر على نوع واحد من أنواع الشفاعة، فقال -رحمه الله تعالى-: وبقوم يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحما، هذا النوع من أنواع الشفاعة، وهو أن النبي -عليه الصلاة- يشفع في قوم من أمته أدخلوا إلى نار جهنم حتى صاروا فحما من العذاب الذي وقع عليهم بسيئاتهم وبذنوبهم وبكبائرهم. فبشفاعة النبي -عليه الصلاة- تتدخل، فأن هؤلاء يخرجون من نار جهنم ثم يجعلون إلى الجنة، هذا يكون بشفاعة النبي، لماذا المؤلف -رحمه الله تعالى- خص بذكر هذا النوع من أنواع الشفاعة؟ خص هذا النوع لأن هذا النوع من أنواع الشفاعة التي أنكرها المبتدعة: الخوارج، المعتزلة، يرون أن المسلم إذا وقع ودخل في نار جهنم لا يمكنه البتة أن يخرج منها أبدا. وما هم بخارجين من النار، هكذا يقول أهل البدع، من دخل فيها يخلد فيها لا محالة، فكان ذلك محل نزاع بين أهل السنة وبين الخوارج والمعتزلة، ولهذا تجد أن أهل السنة دائما يعينون ويحددون هذا النوع من أنواع الشفاعة لكي يثبتوه، وأن من شفاعة النبي -عليه الصلاة والسلام- إخراج أناس دخلوا في ماذا؟ في بطن جهنم، ثم يخرجون بشفاعة النبي -عليه الصلاة والسلام-. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.