الخطبة بعنوان عاشوراء عبر وأحكام، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 9 محرم1447هـ الموافق 4 يوليو 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شهر المحرم شهر مفضل عند الله، ويوم عاشوراء يوم شرفه الله بنجاة موسى عليه السلام. النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من صيامه ويصوم يوم عاشوراء.
يوم عاشوراء يوم مبارك يعظم فيه الصيام، وصيامه يكفر ذنوب السنة الماضية. ينبغي صيام التاسع والعاشر لتحصيل الأجر العظيم.
يوم عاشوراء يوم صيام مشروع، لكن بعض الناس يخصونه بعبادات مبتدعة، والرافضة يحولونه إلى يوم مأتم ويقومون بأعمال محرمة. كل هذه الأفعال محرمة وبدعية.
دعاء لرفع البلاء ونصر المسلمين على أعدائهم، مع طلب تفريق شملهم وتخذيلهم. الدعاء يختم بالصلاة على النبي محمد وصحبه وتوجيه المصلين لإقامة الصلاة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من عظيم إنعام الله علينا أهل الإسلام أن حبانا بهذه المواسم الكرام، والتي تتتابع علينا على الدوام، فنحن الآن نستظل تحت هذا الشهر المفضل، ألا وهو شهر الله الحرام، شهر خصه الله عز وجل بالإجلال والإعظام والإنعام. لو لم يكن من شرفه سوى أن الله عز وجل نسبه إلى نفسه، فهو شهر الله، كفاه بهذا شرفا ومنزلة. وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعتني بهذا الشهر أيما عناية، وذلك بكثرة صيامه، بل قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم». فهو شهر مبجل معظم عند عباد الله. وإن أفضل أيام هذا الشهر هو اليوم العاشر منه، ألا وهو يوم عاشوراء، يوم شرفه الله عز وجل بالتشريف وبالتعظيم والتقديس، فهو يوم نجى الله جل وعلا فيه موسى عليه السلام حين خرج بقومه ليلا في سواد الظلام، ولم يشعر بهم فرعون إلا بعد مضي النهار، فجرى خلفهم بجيش عظيم يعلوهم الغضب والحنق مع خب العلو والاستكبار. فأما موسى عليه السلام ومن معه، فوصلوا إلى ساحل بحر، ولحكمة أنزلهم الله جل وعلا في هذا المنزل، إلا أن أتباعه قالوا: «إنا لمدركون»، وذلك حين رأوا البحر أمامهم والعدو خلفهم، إلا أن موسى عليه السلام والمستيقن بوعد ربه قال: «كلا، إن معي ربي سيهدين». فأوحى الله جل وعلا إليه أن يضرب بعصاه البحر، فانفلق لهم البحر طرقا، وأصبحت الأرض من تحتهم جفافا يبسا، وأزال الله عن موسى مخاوفه، فقال: «لا تخاف دركا ولا تخشى». وحين تكامل قوم موسى ومن معه خارجين من البحر، وقوم فرعون وجنده داخلين إليه، أوحى الله عز وجل إلى البحر فالتطم بهم، فأغرقوا أجمعين. عباد الله، إن هذا الحدث العظيم والخبر المبين وقع في يوم عاشوراء، العاشر من محرم، كما أخبرنا بذلك الصادق الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم. ومن فضائل عاشوراء ما كان من تحري النبي صلى الله عليه وسلم هذا اليوم عن سائر الأيام بوقوع الصيام. روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس قال: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره كصيام يوم عاشوراء». فقد كان عليه الصلاة والسلام يعتني بهذا اليوم عناية فائقة، وكان يتحرى إيقاع الصيام فيه. وعلى هذا درج السلف ودأب العلماء في أهمية صيام عاشوراء، حتى إن منهم من كان يرى مشروعية صيامه ولو في الأسفار. ومن فضائل عاشوراء ما جعله الشرع فيه من عظيم الأجر والثواب، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «صوم يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله». وفي رواية: «السنة الماضية». الله أكبر، فيا عظمة هذا الأجر، يوم واحد من الصيام أجره وثوابه يكون تكفير ذنوب عام من الخطايا والأوزار والآثام. إنه لفضل عظيم. عباد الله، إلا أن العلماء قالوا إن هذا التكفير إنما يكون للصغائر. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وتكفير الطهارة والصلاة وصيام رمضان وعرفة وعاشوراء إنما هو للصغائر». لكن قال أهل العلم: فإن لم توجد صغائر، رجونا أن تخفف من الكبائر. فإن لم توجد لا صغائر ولا كبائر في العام المنصرم، فإن الأجر والثواب ينقلب لصاحبه درجات يرتقي بها في أعالي الجنات. فيا عظيم الأجر والثواب يناله العبد المسلم إذا صام هذا اليوم الأوحد، ألا وهو يوم عاشوراء. فالله الله عباد الله في صيام هذا اليوم، وهو يوافق يوم غد، بأن نشمر عن ساعد الجد في صيامه، وأن نحفز من تحت أيدينا من أهلينا وأولادنا على صيامه. فمن دل على هدى فله أجره وأجر من عمل به. وإنه من المستحسن ومن الأفضل والأكمل أن يلحق مع يوم عاشوراء أن تصوم التاسع منه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع». فمن ظفر بالتاسع والعاشر فقد أتى بالحظ الأوفر، ومن لم يتسن له إلا عاشوراء فقد أتى بالحظ الموفق. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، مما مضى علمنا ما يتعلق بفضيلة شهر الله المحرم بشكل عام، وعلمنا فضيلة عاشوراء على وجه الخصوص، وأن هذا اليوم ينبغي أن يراعى فيه وفي تعظيمه الحد الشرعي، وذلك باعتباره يوما معظما شرع فيه الصيام. وللأسف أننا نجد أن فريقا من الناس تعاملوا مع عاشوراء على الوجه الذي ما دلت عليه الأدلة لا من الكتاب ولا من السنة. فمن الناس من جعل يوم عاشوراء يوم عيد وفرح، فيقيمون فيه الاحتفالات ويقدمون أشهى المأكولات والمشروبات، ويسارعون في تقسيم وتوزيع الحلويات، ويبادرون في هذا اليوم إلى التزين والتجمل والاغتسال، بل ويرون مشروعية الاكتحال والإدهان والتوسع في النفقة على الأهل والعيال. وكل هذه الأمور، وما كان من معناها من تخصيص عبادات وأوراد وطاعات في هذا اليوم من صلوات ونوافل وقربات ما عدا الصيام، تخصيصها بذلك، صرح العلماء بأنها من بدع الأحوال التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولم تثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام. وما يتناقله الناس من أحاديث في هذا الباب من مشروعية التوسعة على العيال ومن مشروعية الخضاب والاكتحال، فإنها أحاديث موضوعة مكذوبة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فإنه لم يثبت في عاشوراء إلا ما جاء في فضيلة صيامه. وبالمقابل، فإن نفرا آخر قابلوا أولئك، فجعلوا من يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن، تعلو فيه الصياحة والويل والنحيب والصراخ والبكاء والعويل. وأعني بهم الرافضة، قبَّحهم الله، إذ يجعلون من يوم عاشوراء يوم حزن على ما جرى من مقتل الحسين رضي الله تعالى عنه، والذي قتل في يوم عاشوراء. فيظهرون حزنهم، بل إن الأمر يتمادى بهم إلى لطم وجوههم وإلى جرح أنفسهم بالخناجر والسكاكين إمعانا وإظهارا لمدى حزنهم. وكل هذه الأفعال، أرعناها وأشعنا، إنما هي من الأعمال المحرمة. قال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود ودعا بدعوى الجاهلية». وإن الأمر لا يتجاوز بهم الحد إلى إقامة ما يسمى بالمراثي أو ما يقال عنها بالحسينيات، ثم بعد ذلك يتناولون السلف الصالحين من السابقين من الأنصار والمهاجرين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، يتناولونهم بالسب والشتم واللعان. وإن الذي عليه أئمة الدين أن من سب أحدا من السلف الصالحين من أصحاب رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم فهو كافر، من عداد المرتدين. «من سب أبا بكر كفر، ومن سب عمر كفر، ومن سب عائشة رضي الله تعالى عنها كفر، ومن قدف إحدى زوجاته عليه الصلاة والسلام سواء أكانت عائشة أو غيرها فإنه كافر، ليس من المسلمين، وليس من أهل الملة والدين». هذه من نواقض الإسلام التي ينبغي أن يتربى عليها الصغار والكبار والذكور والإناث. وإن من العجب العجاب أن نجد حشر الصحابة الكرام في حادثة مقتل الحسين رضي الله تعالى عنه، مع أنه كما قال المرتضى، وهو من زعمائهم: «ما قتل الحسين إلا شيعته، إلا شيعته هم الذين خذلوه وخانوه وإلى القتل سلموه، ثم تركوه وخذلوه». فما شأن الصحابة بدم الحسين؟ قبح الله الروافض من قبل ومن بعد. عباد الله، إن يوم عاشوراء هو يوم تعامل فيه الناس على طرفين: قوم منهم من جعله مأتما وحزنا، ومنهم من جعله عيدا وفرحا. وهدى الله أهل الحق وأهل السنة إلى القيام بحقه، بجعله يوم عبادة، نتقرب فيه إلى الله بالصيام. نسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم ادفع عن بلادنا اليمن الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم من أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بخير، توفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم اشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرا عليه، رب العالمين. اللهم نجي إخواننا المستضعفين من المسلمين في كل مكان. اللهم تقبل موتاهم، وداوي جرحاهم، وعافي مبتلاهم، وفك أسراهم. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين والنصارى الحاقدين الصليبيين، وبكل عدو لهذا الدين. اللهم عليك بهم، فإنهم لا يعجزونك. الله فرق شملهم، وشتت جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، واخذل الرعب في قلوبهم، واجعلهم وأموالهم وأسلحتهم غنيمة للإسلام والمسلمين، يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.