الخطبة بعنوان موت العلماء ثلمة في الإسلام، والتي كانت بمسجد الحبش بالديس الشرقية 16 محرم1447هـ الموافق 11 يوليو 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُبين أهمية العلماء في حفظ الشريعة وهداية الناس، ويحذر من خطورة موتهم على الدين والدنيا. يُظهر المقطع أن العلماء لهم دور كبير في توجيه المجتمع نحو الخير.
يشرح أثر رفع العلم وذهاب العلماء على المجتمع، حيث يؤدي إلى الفساد وانتشار الجهل. يُبين أن ذهاب العلماء يؤدي إلى استبدالهم بأشخاص غير مؤهلين للفتوى.
يتحدث عن أهمية العلماء وفضلهم في خدمة الدين، ويتناول تأبين الإمام ربيع بن هادي المدخلي. يشير إلى ضرورة إجلال العلماء وتقديرهم في المجتمع.
يوصي بإقامة الصلاة ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. هذا توجيه ديني يحث على أداء الصلاة بشكل صحيح والصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن مما صحت به الأخبار عن نبينا المختار عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا قدره». أهل العلم هم الطائفة والفئة الذين جعل الله لهم علو الشرف والمنزلة، هم ورثة الأنبياء، وهم النجوم الذي يهتدى بهم في السماء، وهم المنارات التي يهتدى بهم في ظلمات البيداء. هم الذين جعلهم الله حماة لهذه الشريعة الغراء، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. فكم من قلوب غلفة فتح الله على أيديهم، وآذانا صما وعيولا عميا يبصرون بنور الله أهل العما، ويدعون من ضل إلى الهدى، ويحيون بكتاب الله الموتى، ويصبرون منهم على الأذى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال قد هدوه. فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم. العلماء الذين بهم يصلح الله جل وعلا أحوال العباد، والذي بهم تستقيم شؤون البلاد، وبهم تستنار دروب الهداية والرشاد. قال ربنا جل في علاه: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. وقال الله: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾، الجواب: لا وألف لا، لا يستويان. عباد الله، ولهذا كانت من المصائب العظمى ومن البلايا والرزايا الكبرى موت أهل العلم والنهى، لأن بموتهم أمارة على فساد الدين والدنيا. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه عند قول الله جل في علاه: ﴿أولم يروا أن نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾، قال رضي الله تعالى عنه: خرابها، أي خراب الأرض بذهاب علمائها وفقهائها وأهل الخير منها. عباد الله، إن فقد عالم من العلماء ليس كفقد أحد من أحد الناس. يقول الحسن البصري رحمه الله: «موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار». موت العالم ثلمة في الإسلام، أي شرخ في الإسلام لا يغطيه شيء ما دام الليل والنهار. عباد الله، إن من آثار موت العلماء أن يموت العالم تلو العالم لهو أمارة على فساد نظم العالم، ففساد العوالم والأكوان إنما مرهونة بفساد موت العلماء. قال عليه الصلاة والسلام كما ثبت في الصحيحين من حديث أنس: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم وأن يثبت الجهل وأن تشرب الخمر وأن يظهر الزنا». وجاء كذلك من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن بين يدي الساعة لأياما يرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر فيها الهرج»، والهرج بمعنى القتل. ففي هذه الأحاديث يخبر فيها نبينا عليه الصلاة والسلام بما سيكون من أحداث آخر الزمان من تحول أحوال أهل الإسلام إلى شر الأحوال. بما سيكون من فساد الأديان وفساد العقول والأعراض، وبما سيكون من فساد الدماء، كل ذلك إنما يحصل بعد الأمارة الأولى إذا رفع العلم، فبرفع العلم يحصل الخلل في حياة الناس ومعايشهم وفي دينهم ودنياهم. ومن رفع العلم إنما يكون بذهاب حملته وبذهاب أهله. عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كنا في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء ثم قال لنا: «هذا أوان العلم أن يرفع». فقال رجل من الأنصار يقال له زياد بن لبيد: «يا رسول الله، كيف يرفع العلم ونحن نقرأ القرآن؟ فوالله لنقرأنه ونقرئه أبناءنا ونساءنا». فقال عليه الصلاة والسلام: «ثكلتك أمك يا زياد، وإن كنت لأراك من فقهاء المدينة، فها هي التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا أغنت عنهم؟». قال جبير بن نفير: قال فحدست بهذا الحديث إلى شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه، قال شداد: «صدقت، صدقت». قال: «أتدري ما رفع العلم؟» قال جبير: قلت: لا أدري. قال شداد: «رفع العلم بذهاب أوعيته، بذهاب أوعيته»، أي بذهاب حملته. فبذهاب العلماء يحصل الفساد في المجتمعات والأفراد، فتفسد الدماء والأموال والعقول والأعراض. وأيضا عباد الله، من آثار موت العلماء ما يكون من أن يحل محلهم أهل البدع والضلال. قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». وهذه الأمارة قد أصبحت للعيان بادية، حين أن يموت العلماء من أهل الجد والاجتهاد، ويستبدل بدلا عنهم أعيان ليس من أهل العلم ولا من الفقهاء، وإنما هم أشباه علماء من مفكرين ومحللين ومن وعاظ ومرشدين. فحينها تؤول إليهم الأمور العظام من المسائل المصيرية ومن النوازل المدلهمة كمسائل القتل والتقتيل. فحينها يفتون الناس بغير علم، فتحصل بكلامهم وبفتاواهم الكارثة على أمة محمد. ولك يا عبد الله أن تنظر إلى عظيم الفساد ولكثرة الدماء التي خرجت من أساد أهل الإسلام، إنما كانت من جراء فتاوى أناس وأشخاص وأعيان ما عرفوا يوما من الدهر أنهم من أهل الجد والإجتهاد. ولأنهم من أهل العلم، دخل أناس على الإمام ربيعة رحمه الله وهو يبكي بكاء شديدا، فقيل له: يرحمك الله، أمصيبة حلت بك؟ قال: لا، لا، لكن استفتي في الدين من ليس أهلا للفتوى، وهذه هي المصيبة العظمى. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمد عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، مما مضى علمنا أهمية العلم والعلماء، وأن ذهابهم في الحقيقة هو إفساد للدين والدنيا. فكيف إذا كان فقد العلماء في زمن الغربة كما هو حاصل في هذه الأزمان المتأخرة، والتي قل فيها العلماء العالمون العاملون؟ فإلى الله المشتكى. والأمر كما قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: اعلم أي أخي أن الموت كرامة لكل مسلم لقي الله على السنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فإلى الله نشكو وحشتنا وذهاب الإخوان وقلة الأعوان، وبهور البدع. وإلى الله نشكو عظيم ما حل بالأمة من ذهاب العلماء وأهل السنة. عباد الله، ومن أواخر من رحل من علماء أهل الإسلام الإمام العلامة المجاهد ربيع ابن هادي المدخلي رحمه الله رحمة الأبرار، وأسكنه الله دار القرار مع الصديقين والشهداء والأخيار، إذ أنه بالأمس دفن رحمه الله، وصلي عليه في المسجد النبوي في مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وشيخنا ربيع رحمه الله تعالى من كبار علماء أهل السنة، قد جاهد بقلمه وبنانه وبعلمه ولسانه، قد سله أمام أهل البدع والضلال وأهل التحزب بالجهال، فكان من أمره رحمه الله عليه أن فند شبهاتهم ورد على أفكارهم وأقض مضاجعهم. فكان بحق حاملا للواء الجرح والتعديل في هذا الزمان، كما صرح بذلك كبار أهل العلم في هذا العصر. وكم وجد وكم اتفقت كلام العلماء على الثناء عليه من أهل العلم والأثر. فإنا لنعزي أنفسنا والأمة جمعا بهذا المصاب الجلل وبفقد هذا العالم، فإن لله وإن إليه راجعون. وهكذا عباد الله، ينبغي على الأمة جمعا أن تستشعر بقيمة العلماء، وذلك بجعل لهم من الهيبة في قلوبهم والإجلال والإعظام، فهم القوم الذين أفنوا أعمارهم وقضوا حياتهم في سبيل خدمة الدين والذب عن الدين والنصح لكافة المسلمين. والضرب بيد من حديد على من أراد أن يتلاعب بمعالم الدين، وجندوا أنفسهم لإد هداية الناس إلى المنهج القويم وإلى الصراط المستقيم، كل ذلك إنما فعلوا مرضاة لرب العالمين، لا أرادوا ثناء ولا شكورا ولا عطاء موفورا. فمثل هؤلاء نبكي عليهم ونعزي أنفسنا بفقدهم. وكما قال الإمام الذهبي رحمه الله: نحن لا ندعي العصمة في أئمة الجرح والتعديل، لكنهم من أكثر الناس صوابا، وأقلهم خطأ، وأشدهم إنصافا، وأبعدهم عن التحامل. فخل عنك العناء واعط القوس باريها. فإننا نسأل الله جل وعلا أن يرحم من مات منهم، وأن يحفظ من بقي منهم. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم من أراد بلادنا اليمن وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم أشغله في نفسه، واجعل تدميره في نحره، واجعل تدبيره تدميرا عليه، يا رب العالمين. اللهم نجي إخواننا المستضعفين من المسلمين، اللهم نجيهم في كل مكان، اللهم نجيهم في أرض فلسطين وغزة والسودان، اللهم آمنهم في ديارهم وأوطانهم، اللهم تقبل موتاهم، وداوي جرحاهم، وفك أسراهم، وعافي مبتلاهم، اللهم انصرهم بنصر من عندك، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين والنصارى الصليبيين الحاقدين، اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين، اللهم إنهم لا يعجزونك، اللهم فرق شملهم، وشتر جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، واغرس الرعب في قلوبهم، واجعلهم وديارهم وأموالهم وأسلحتهم غنيمة للإسلام والمسلمين، اللهم آمين. وقيموا الصلاة، رعاكم الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.