وكذلك جعلناكم أمة وسطا

الخطبة بعنوان وكذلك جعلناكم أمة وسطا، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 24 شوال 1437هـ ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

معنى الأمة الوسطية وخصائصها في الإسلام

يوضح المقطع أن "الأمة الوسط" هي أمة عدول خيار تجمع بين الفضل على سائر الأمم والاعتدال في العقيدة والشرائع، فلا تغلو في الأنبياء كالنصارى ولا تجفوهم كاليهود. وتوسطت في العبادات والمعاملات بين الإفراط والتفريط، مما أهلها لتكون شاهدة على الناس يوم القيامة والرسول شهيدًا عليها.

الوسطية في الإسلام والنهي عن الغلو

يؤكد المقطع وجوب التزام المسلم بالوسطية والاعتدال في الدين، محذرًا من الغلو والتفريط اللذين هما نزغتا الشيطان. يستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تحث على اليُسر وتنهى عن التنطع، مبينًا أن الدين الإسلامي دين يسر وسماحة وأن من يشاد الدين يغلبه.

الوسطية والاعتدال في الإسلام وخطر الإفراط والتفريط

يبيّن المقطع أن الإسلام دين وسطية بين الغلو والتقصير، مستشهدًا بحديث الثلاثة الذين أرادوا تجاوز هدي النبي صلى الله عليه وسلم. ويوضح أن أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية لالتزامهم بالكتاب والسنة في العقيدة والعبادة والأخلاق، مع التأكيد على ضرورة العلم الشرعي وأداء الفرائض والنوافل والدعاء بالتوفيق للسير على الصراط المستقيم.

الختام بالدعاء والحمد

يختتم المتحدث كلامه بالدعاء إلى الله بالتوفيق والهداية والسداد، ثم يختم بالحمد لله رب العالمين. يعكس هذا الختام روح التواضع والاعتماد على الله في السير على طريق الوسطية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. هذه الآية العظيمة، عباد الله، بيّنت فضل هذه الأمة على غيرها، فهم أمة وسط، أي عدول خيار. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا المعنى في حديث رواه الإمام البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يدعى نوح يوم القيامة فيقال: يا نوح، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول له الله عز وجل: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيكذبون في ذلكم المكان أنه ما جاءهم من نذير، وما أرسل إليهم نوح، وما أرسل إليهم نوح عليه السلام. فيقول له الله عز وجل: ومن يشهد لك؟ فيقول نوح عليه السلام: محمد ومحمد وأمته. قال: فتشهدون، ومن يشهدون أنه قد بلغهم، ويكون الرسول عليكم شهيدًا». فذلك قول الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، أي يوم القيامة، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. وهكذا أخرج الترمذي بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان هذا المعنى العظيم، أمة الإسلام في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال: «أمة عدول». وهكذا أخرج ابن جرير رحمه الله بإسناده إلى ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: «أمة وسطًا، أي أمة عدول». وذكر أقوال السلف في معنى هذه الآية، ثم رجح رحمه الله تعالى أن الأمة الوسط تأتي بمعنى العدول، وتأتي بمعنى الخيار، لأن العرب تقول في الوسط: أوسط العرب حسبًا، إذا أرادوا به الرفعة، أي في خيارهم. وهكذا قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية العظيمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال: أي الخيار والأجود. وهكذا أيضًا قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «ووجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة أنه تعالى جعلهم أمة وسطًا، أي عدولًا خيارًا، فهم عدول في أقوالهم وأعمالهم وإراداتهم ونياتهم، فلهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أقوامهم يوم القيامة، وأن الله تعالى يقبل شهادتهم فيهم». وهكذا أيضًا قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية العظيمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال: أي خيارًا عدولًا. فهذه الأمة وسط بين الأمم السابقة من اليهود والنصارى وغيرهم، وسط في الأنبياء، فلم يجفوهم ولم يكذبوهم ولم يقتلوهم كما فعلت اليهود، ولم يتخذوهم أربابًا من دون الله أو يعطوهم من الوصف الذي يليق بالله سبحانه وتعالى كما فعلت النصارى. فالنصارى غلوا، واليهود جفوا، وهذه الأمة كانت وسطًا في الأنبياء، كما أنها أيضًا كانت وسطًا في الشرائع، في باب العبادات وباب المعاملات. ففي باب العبادات كانت وسطًا، فاليهود في باب العبادات مثلاً في باب الطهارة، وفي الطهارة زعموا أن الماء لا يطهرهم، فكانوا ربما أرضوا ثيابهم إذا أصابها شيء من النجاسات. وهكذا النصارى بخلافهم، فإنه لا ينجس عندهم شيء للأبوال وللأرواث وغيرها، فعندهم لا ينجس شيء. وأما أهل الإسلام فهم وسط بين ذلك. فالمهم من هذا، كما قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى، أن الله عز وجل وهبها لهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الفضائل أجلها، ومن الأعمال أفضلها، فلهذا كانوا كاملين وكانوا معتدلين. وهبهم الله عز وجل من العلم والحلم والعدل والإحسان ما لم يهبها أمة سواهم. هذه أمة الإسلام، أمة وسط بين الأمم. فالوسطية يا عباد الله، كما في هذه الآية الكريمة، وتفسير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لها، وتفسير الصحابة لها، يتضمن أمرين عظيمين: الأمر الأول: خيار هذه الأمة وأفضليتها على غيرها من الأمم. والأمر الثاني: أن هذه الأمة أمة عدل وأمة توازن وأمة بينية، فهي بين الإفراط والتفريط، بين الإفراط الذي هو الغلو ومجاوزة الحد، وبين التفريط الذي هو التهاون والتقصير، فكانت أمة الإسلام بين الغلو والجفاء، وبين الإفراط والتفريط. نعم عباد الله، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «وما أمر الله عز وجل بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط، وإما إلى مجاوزة وهو الإفراط، ولا يضره بأيهما ظفر». نعم عباد الله، ربنا سبحانه وتعالى أنزل هذه الشريعة العظيمة على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجعلها شريعة سمحة، جعله سبحانه وتعالى دين يسر، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. فواجب المسلم، عباد الله، أن يسلك الوسطية في الإسلام، ويكون عدلًا خيارًا كما وصف الله عز وجل عباده المسلمين، فلا ينبغي على المسلم أن يكون مجاوزًا للحدود، أن يكون مفرطًا مغاليًا. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الغلو في أحاديث كثيرة، كما نهى الله عز وجل أولئك الأقوام الذين سبقونا من أهل الكتاب، نهاهم ربنا عز وجل عن الغلو في الدين، الغلو في الأقوال والغلو في الأعمال، نهاهم الله عز وجل أن يتجاوزوا ذلك. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. ما هي أقوالهم التي غلوا فيها؟ اسمع يا عبد الله ما حكاه الله عز وجل في كتابه الكريم عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾. وقال الله عز وجل عن النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، أي أن الله عز وجل ثالث الثلاثة، وعندهم الثالث: الأب وهو الله سبحانه وتعالى، وروح القدس وهو الملك، وعندهم الابن وهو عيسى عليه الصلاة والسلام. فكفرهم الله جل وعلا بهذا القول الشنيع والقول العظيم على الله سبحانه وتعالى، لأنهم كذبوا في هذا القول: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وهكذا نهى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهذه الأمة أن تطغى وتغالي كما غلت النصارى وكما جفت اليهود. قال الله عز وجل: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾، لا تطغوا، لا تتجاوزوا الحدود، لا تتجاوزوا في أقوالكم وأعمالكم. ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينهى أمته في أكثر من حديث عن الغلو. فقد روى النسائي وابن ماجة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له غداة جمع، أي غداة مزدلفة بعد الفجر: «ألقط لي الحصى». قال ابن عباس: فلقط له حصى الخذف، ثم أعطيتهن إياه، فلما أخذهن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو، فإنما هلك من كان قبلكم الغلو في الدين». نعم عباد الله، نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يغالي المرء حتى في رمي الجمرات، فعليه أن يأخذ حصى صغيرًا كحصى الخذف كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام. وجاء في صحيح الإمام مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون». قال الإمام النووي رحمه الله: «هلك المتنطعون، أي المتعمقون والمغالون المجاوزون للحدود في أقوالهم وأفعالهم». نعم عباد الله، هؤلاء هلكوا من حيث لم يشعروا، إذا تجاوزوا في الأقوال والأعمال، وفعلوا أشياء في دين الله تبارك وتعالى ما أنزل الله بها من سلطان. وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة». رواه البخاري من حديث أبي هريرة. بين عليه الصلاة والسلام أن هذا الدين يسر، فهو بُعث عليه الصلاة والسلام بالحنيفية السمحة، فمن أراد أن يزيد فيه فإن الدين يغلبه، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه. وانظروا عباد الله إلى هديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في العبادات وفي المعاملات، وكيف يوصي أمته بذلك ويحثهم على العمل بما عمله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن أفعاله وأقواله كلها تنبعث من سماحة هذا الدين. جاء في البخاري من حديث أنس بن مالك أن ثلاثة رهط جاءوا إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسألوا عن عبادة النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبروا بها، فكأنهم تقالوها، أي وجدوها قليلة، وجدوها في أنفسهم لا تفي بالغرض في عبادة الله عز وجل، فكأنهم تقالوها، ثم قالوا في أنفسهم أو قالوا لبعضهم: وأين نحن من عبادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أرقد أبدًا. وقال الثاني: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر أبدًا. وقال الثالث: أما أنا فأعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فلما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمقالتهم، قال لهم عليه الصلاة والسلام: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما إني والله أخشاكم لله وأتقاكم له، أما إني والله أخشاكم لله وأتقاكم له، أما أنا فأصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، عباد الله، الأمر الثاني من التوازن والاعتدال هو أمر التفريط الذي حصل عند كثير من الناس، فهو مجانبة الاعتدال والتوازن والتوسط. فالله عز وجل ذكر أن أناسًا يوم القيامة يأتون وقد تحسروا على ما فرطوا، على ما فرطوا في جنب الله. يقول الله عز وجل: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾. فمعنى التفريط: التضيع والتقصير في حق الله عز وجل. فهذا مجانب، عباد الله، للوسط الذي مدح الله عز وجل به عباده المؤمنين بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، فهم وسط بين الإفراط والتفريط، فلا يفرطون في الحقوق ولا يضيعونها، بل يأتون بما أمر الله عز وجل به من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن أهل السنة والجماعة وسط بين الفرق والنحل التي في هذه الأمة، فكم من فرقة خرجت في هذه الأمة تدعي أنها على الإسلام وتدعي أنها تعمل للإسلام، وأهل السنة وسط بين هذه الفرق، فهم الذين اعتقدوا الاعتقاد الصحيح، وهم الذين عبدوا الله جل وعلا عبادة صحيحة، وهم الذين تعاملوا مع خلق الله عز وجل معاملة شرعية. فالتوازن، عباد الله، والوسطية والاعتدال تكون في الاعتقادات، وتكون في العبادات، وتكون كذلك في الأخلاق والمعاملات، وكذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. أهل السنة سلكوا مسلك الوسط في باب الشريعة، في باب الأمر والنهي فيما أمر الله عز وجل به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنهم متبعون لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. جاءوا إلى باب الأوامر والنواهي من الله عز وجل ومن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأخذوا بها بعين الاعتبار. ففي الاعتقاد: وصف الله عز وجل بما وصف به نفسه في كتابه الكريم وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، خلافًا لأهل التعطيل وأهل التمثيل وأهل التكييف وأهل التشبيه. أهل السنة والجماعة سلكوا مسلك الوسط: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وهكذا في باب الوعد والوعيد سلكوا مسلك الوسط، وفي باب الأمر والنهي سلكوا مسلك الوسط، وفي باب الصحابة سلكوا مسلك الوسط، وفي باب ولاة الأمر سلكوا مسلك الوسط. أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية وهم الطائفة المنصورة، لأنهم عملوا بما في كتاب الله وبما في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإذا أراد المسلم أن يسلك مسلك الوسط حتى يدخل في هذه الآية العظيمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، أي عدلًا خيارًا، فعليه بالعلم الشرعي، عليه بالبصيرة في الدين، وأن يجالس العلماء ويجلس مع الصالحين حتى يبصره الله عز وجل ويمشي على الطريق المستقيم، وأن يجانب أهل الأهواء والبدع وأهل التعجل وأهل التسرع، يجانبهم ويبتعد عنهم، وأهل الشذوذ والمغالاة في الدين أيضًا، والمقصرين فيه المبتعدين عنه. فكيف يا عبد الله تريد أن تكون في هذه الآية العظيمة وأنت بعيدٌ عن العلم الشرعي وبعيدٌ عن أوامر الله وأوامر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ كذلك عليه أن يؤدي الفرائض وأن يكثر من النوافل، فإن الله سبحانه وتعالى قال في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». نعم، يكون لك ربنا سبحانه وتعالى معينًا، ويكون لك ظهيرًا، ويكون لك نصيرًا، ويوفقك الله سبحانه وتعالى لأن تقوم بأوامره وأوامر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وعلينا عباد الله أن نكثر من الدعاء بالتوفيق والسداد، فقد كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسأل الله عز وجل دائمًا وأبدًا في صلاته وغيرها، يسأله التوفيق والسداد، فيقول: «اللهم إني أسألك السداد في الأمر». رواه الإمام مسلم. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام يسأل ربه أن يسدده وأن يوفقه وأن يصوبه، فكيف بنا عباد الله؟ نحن أحوج للتوفيق والسداد في أمورنا كلها. فنسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وأن يهدينا وأن يسددنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.