الدرس في الإجتهاد في العبادة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 ذو الحجة 1428هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تستعرض الخطبة حال العرب في الجاهلية وما منّ الله به عليهم ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وتؤكد أن الفوز الحقيقي يكون بتزكية النفس بطاعة الله ومجاهدة الهوى. وتستشهد بآيات قرآنية وحديث نبوي وكلام لابن القيم يبين أن الجنة حُفت بالمكاره والنار بالشهوات.
يستعرض المقطع أسبابًا قرآنية لرفعة النفس وتطهيرها، منها طلب العلم النافع، وإقامة الصلاة، وأداء الزكاة، والتوبة والاستغفار. ويحذر من الغفلة والبخل والإصرار على الذنوب مستشهدًا بآيات وأقوال الأنبياء عليهم السلام.
يؤكد المقطع أن معرفة العبد لنقصه وفقره إلى الله تقوده لمعرفة كمال الله وغناه، ويبين أهمية مجاهدة النفس وتربيتها على الطاعة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. ويوضح أصناف النفوس الثلاث وأن النجاة تكون بتزكية النفس وتقواها قبل فوات الأوان.
استشهد الخطيب بآيات من سورة الحشر تحث المؤمنين على تقوى الله ومحاسبة النفس، وأبرز فضيلة العشر الأوائل من ذي الحجة داعياً إلى المبادرة بالطاعات وتزكية النفس بالعمل الصالح. وسأل الله التوفيق والقبول ودخول الجنة مع الصالحين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، إنه لمن المعلوم عند كثير من الناس أن العرب قبل الإسلام، وقبل مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كانوا في جاهلية جهل وضلالة عمياء، فقد كانوا يعبدون غير الله جل وعلا من الأصنام والأوثان، وقد كانوا كذلك يفعلون الفواحش من زنا وقتل النفس، وكانوا يأكلون الميتة، ويأكل القوي منهم الضعيف، وكانوا يسيئون الجوار، ويقطعون الأرحام، ويقتلون البنات، حتى شرفهم الله وكرمهم وأعزهم وأعلى من شأنهم وقدرهم بمبعث نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. لما عمل أولئك بأسباب تذكية النفوس وطهارة النفوس، فإن الله عز وجل نصرهم على أعدائهم، ورفعهم الله عز وجل في الدنيا والآخرة. لذا، عباد الله، ينبغي على كل مسلم أن يجاهد نفسه كما جاهد أولئك أنفسهم في طاعة الله عز وجل، فإن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله». وهكذا يقول المولى تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. فينبغي على كل عبد أراد تذكية نفسه وطهارتها، أراد أن يذكي هذه النفس وأن يعليها وأن يرفع من قدرها وشأنها في الدنيا والآخرة، ينبغي عليه أن يسعى في طهارتها بما قال الله عز وجل في كتابه الكريم، وبما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته، فإن الله جل وعلا هو الذي يطهر النفوس وهو الذي يزكيها، ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدًا، ولكن الله يزكي من يشاء، لكن الله يزكي من يشاء من عمل بأسباب تذكية النفوس وطهارة النفوس، فإن الله عز وجل يرفعه في الدنيا والآخرة. فقد رفع الله عز وجل أنبياءه ورسلهم عليهم الصلاة والسلام لأنهم كانوا يجاهدون أنفسهم في طاعة الله ويزكون أنفسهم. عباد الله، عن الأجناس والأرجاس والأنجاس، فيبتعدون عنها غاية البعد، ولهذا رفعهم الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة. وكذلك أتباعهم، أولياء الله جل وعلا من عباد الله الصالحين الذين رفعهم الله عز وجل في الدنيا وسيرفعهم في الآخرة، إنما ذلك بسبب أنهم عملوا بتذكية أنفسهم وطهارتها، فلم يتركوها هكذا تعيش بلا قائد ولا سائس، إنما وطنوا أنفسهم على أن يعملوا بأوامر الله سبحانه وتعالى وأن يجتنبوا ما نهى الله جل وعلا. الله سبحانه وتعلى أكبر في كتابه الكريم أنه خلق هذه النفس، وبين لها أسباب هدايتها، وبين لها أسباب رفعتها في الدنيا والآخرة، كما بين لها سبحانه وتعالى أسباب شقوتها وتعاستها وبؤسها وذلها في الدنيا والآخرة. ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله سبحانه وتعالى فرفعها بما أراد الله عز وجل أن ترتفع به في الدنيا والآخرة، وقد خاب من أهمل نفسه وترك لها العنان، وكما يقال: ترك لها الحبل على الغارب، فلم ينقدح بما أمر الله سبحانه وتعالى. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في كلام بديع: «احذر نفسك، فوالله ما أصابك بلاء قط إلا منها، فوالله ما أصابك بلاء قط إلا منها، ولا تهادنها، فما أكرمها من لم يهنها، ولا أعزها من لم يذلها، ولا جبرها من لم يكسرها، ولا فرحها من لم يحزنها، ولا أراحها من لم يتعبها، ولا أمنها من لم يخوفها». إذا أردت يا عبد الله السعادة في الآخرة وأردت الرفعة في الدنيا، فعليك أن تتعب هذه النفس وتكرمها على ما أراد الله سبحانه وتعالى، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «حُفَّتِ الجنة بالمكاره، وحُفَّتِ النار بالشهوات» متفق عليه من حديث أبي هريرة. فمن أراد الجنة فعليه أن يكرم نفسه في طاعة ربه سبحانه وتعالى، وأن يجنب هذه النفس الأمارة بالسوء شهواتها، فإذا جنبت نفسك يا عبد الله شهواتها، فإنك ستسعد في الدارين في الدنيا والآخرة بإذن الله رب العالمين. كل إنسان محتاج إلى أن يربي نفسه وأن يصفي نفسه، فيربيها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعليه أن يصفي نفسه مما علق في قلبه من الأهواء ومن الشبهات والغفلات والمحدثات، إن أراد سعادتها ورفعتها في الدنيا والآخرة. وقد بيّن الله عز وجل في كتابه الكريم أسبابًا يرتفع بها الإنسان في الدنيا والآخرة، فمن تلكم الأسباب، وهي من مجاهدة النفس الأربع التي ذكرها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: أن الإنسان يجاهد نفسه بالعلم النافع، يجاهد نفسه بالعلم النافع فيصبر نفسه على طاعة الله في بيوت الله عز وجل، فيتفقه في دين الله فيرتفع بذلك. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، والذين أوتوا العلم درجات، فالذين أوتوا العلم يرفعهم الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة. وقد أمر الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصبر نفسه في بيوت الله عز وجل مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. احذر يا عبد الله أن تترك نفسك هكذا بدون علم نافع تنتفع به في دنياك وآخرتك، فإنك والله لن تستطيع أن ترفع نفسك وتطهرها وتزكيها إلا بالعلم النافع، فالعلم النافع مفتاح لكل خير، إذا عرفت مراد الله جل وعلا ومراد رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنك ستنجح وإنك ستفوز في الدنيا والآخرة. وهكذا أكبر الله عز وجل أن من أسباب طهارة هذه النفوس وتذكية هذه النفوس الصلاة، والصلاة من ذكر الله سبحانه وتعالى، فقد قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾، لا تكن من الغافلين. فلتحذر الغفلة يا عبد الله عن ذكر الله عز وجل، فقد شرعت الصلاة وهي من ذكر الله تبارك وتعالى لأجل طهارة النفوس ولأجل رفعة النفوس، فيتقرب العبد بما أمره الله سبحانه وتعالى. ومن أسباب تذكية النفوس التي أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وأن من لم يفعل ذلك فهو على خطر عظيم، أداء الزكاة، فقد أخبر الله عز وجل عن أولئك الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، أنها يوم القيامة تأتي فتحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. هذا ما بخلت به أنفسكم فلم ترفعوها بطاعة الله عز وجل بأداء ما افترض الله جل وعلا عليكم من إخراج الزكاة الواجبة التي معناها النماء ومعناها الطهارة لهذه النفس من البخل ومن الشح. ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾. هكذا يخبرنا الله عز وجل أننا مهما أنفقنا في سبيله فإنما هو لنا، إنما هو مدخر لنا، وسيجازينا ربنا سبحانه وتعالى يوم القيامة على ما عملناه. وهكذا يخبر الله عز وجل في كتابه الكريم أن من أسباب رفعة هذه النفوس وتذكيتها التوبة والاستغفار والإنابة من سائر الذنوب والمعاصي. وقد كان أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام منيبين إلى الله عز وجل، فهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، يقول الله تعالى عنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾، أواه منيب، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾، أي راجع إلى الله سبحانه وتعالى. وانظر أيها المسلم ما وقع فيه أبونا آدم وأمنا حواء عليهما السلام، ما وقع فيه، ثم بعد ذلك تذكرا أنهما ظلموا أنفسهما، فقالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فالخاسر الذي خسر نفسه وأهله يوم القيامة، الذي ما عمل بطاعة الله وما رجع إلى الله عز وجل من ذنوبه ومعاصيه، فإن هذا هو الخاسر. ولهذا تذكر آدم وحواء عليهما السلام أنهما ظلمَا نفسيهما، وما من نفس إلا وهي ظالمة، وما من نفس إلا وتقع في الظلم، عباد الله، وتقع في الذنوب والمعاصي، كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم». ولهذا إذا وقع أحد في معصية الله عز وجل أو في ذنب، فإنه ينبغي أن يرجع إلى الله ويتوب من ذلك الذنب ومن تلك المعصية، فإن الرجوع والتوبة والاستغفار سبب لرفعة هذه النفس وطهارتها عند الله سبحانه وتعالى. قال نوح عليه الصلاة والسلام لما قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾، قال: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، قال: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، أكون من الخاسرين، ﴿إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقال موسى عليه الصلاة والسلام لما قتل ذلك الرجل: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾، فغفر له، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. فلا بد علينا عباد الله أن نطهر أنفسنا وأن نزكيها مما وضعت فيه من السيئات ومن الذنوب والمعاصي، فإن السيئات شؤمها عظيم وخطرها كبير على هذا الإنسان، إذا لم يتب منها فإنها سبب لتعاسته وشقوته وهلاكه في الدنيا والآخرة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾. انظر يا عبد الله، ربما سيئة واحدة تخذلك الله عز وجل بها ولا تشعر، ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ما أدراك يا عبد الله من الذي يصلحك في هذه الحياة الدنيا، ومن الذي لا يصلحك في هذه الحياة الدنيا؟ أنت بشر ضعيف، أنت ظلوم، أنت جهول. من عرف نفسه كما قال سفيان بن عبد الله الثوري رحمه الله تعالى: «من عرف نفسه فقد عرف ربه، من عرف نفسه فقد عرف ربه»، فإنه من عرف نفسه بالجهل والظلم والنقص والعجز والذل والمسكنة والعدم والحاجة والفقر، عرف ربه بضد ذلك، عرف ربه بضد ذلك. فانظر يا عبد الله حاجتك إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. أنت إن جاهدت نفسك وربيتها تربية إسلامية، تربية على العقيدة الصحيحة وعلى المنهج الصحيح، فإنك تعلو وإنك ترتفع، لأن الذي سيرفعه هو الله سبحانه وتعالى، الذي يعز من يشاء، والذي يذل من يشاء، فيعز أهل طاعته ويذل سبحانه وتعالى أهل معصيته. يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، ولا تعجز». ينبغي على كل مسلم أن يسعى في تذكية هذه النفس وفي طهارتها. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. *** الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، فقد كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجاهد نفسه في طاعة الله جل وعلا، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فتسأله، فتقول له: «قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر»، فيقول لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا؟ أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا؟». مجاهدة عظيمة من نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، شكرًا لنعمة ربه على ما أعطاه من النبوة والرسالة وخصه واصطفاه بذلك. وهكذا أيضًا كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقوم من الليل بسورة البقرة والنساء وآل عمران، كما ثبت ذلك في حديث حذيفة عند الإمام مسلم، يقرأ عليه الصلاة والسلام هذه السور الطوال في ركعة واحدة، إذا مر بآية تسبيح سبح، وإذا مر بآية سؤال سأل، وبآية تعوذ تعوذ، ثم جعل ركوعه عليه الصلاة والسلام قريبًا من قيامه، ثم جعل كذلك سجوده نحوًا من ركوعه، هكذا يفعل عليه الصلاة والسلام في صلاته. وجاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: دخلت مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يصلي، فأطال الصلاة حتى هممت بأمر سوء، قيل له: وما هممت؟ وما هممت به؟ قال: «هممت أن أدعه، هممت أن أدعه»، من طول صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان إذا دخل رمضان عليه الصلاة والسلام، في العشر الأواخر منه، كان صلى الله عليه وسلم يحيي ليله، ويشد المئزر، ويجتهد في عبادة الله عز وجل، لأن النفس أمارة بالسوء، كما قالت امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾. عباد الله، إن الأنفس التي قسمها ربنا عز وجل في كتابه الكريم ثلاثة أنفس، قال سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. فالأنفس الثلاثة: إما أن تكون نفس ظالمة، وهي النفس الأمارة بالسوء التي تأمر صاحبها دائمًا وأبدًا، تأمره بالشر وتأمره بمعصية الله عز وجل، وتنهاه عن طاعة الله، فهي نفس ظالمة، ظلمت نفسها بارتكاب الشهوات والمعاصي وترك طاعة الله جل وعلا. والنفس الثانية: نفس مقتصدة، اقتصدت على الواجبات ولم تفعل النوافل والقربات، وإنما اقتصدت فقط على الواجبات والفرائض. وأما النفس الثالثة، وهي أحسنها وأفضلها، فإنها النفس التي سارعت وسابقت إلى مرضاة الله جل وعلا، فهذه النفس المسارعة، وهي النفس المطمئنة، التي تأتي يوم القيامة كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. هذه النفس المطمئنة التي تأمن يوم القيامة، عباد الله، من المخاوف، تأمن يوم القيامة من الكرب العظيمة التي تكون في ذلك اليوم، لأن هذه النفس حفظت صاحبها في الدنيا، وألزمته على طاعة الله، وأكرت وأكرهت صاحبها على أن يؤدي فرائض الله عز وجل، ويؤدي كذلك القربات والطاعات الأخرى، ويجتنب معصية الله تبارك وتعالى، فهي نفس تقوده إلى الخير، ونفس تنهاه عن الشر، لأن صاحبها أدبها، وصاحبها أقامها وهذبها على طاعة الله عز وجل. ﴿فَمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. نهى نفسه أن تتمنى ما تتمنى، وتريد ما تريد، وتفعل ما تفعل من معصية الله تبارك وتعالى، فإذا ما أمرته هذه النفس بالمعصية، فإنه ينهاها، وإنه يأمرها أن تلزم نفسها بطاعة الله، ويتذكر آيات الله عز وجل دائمًا وأبدًا، ويخاف ربه سبحانه وتعالى دائمًا أبدًا، ويتذكر الله عز وجل دائمًا وأبدًا، وأنه سبحانه وتعالى مطلع عليه، وأنه مراقبه في جميع الأحوال وفي جميع الحالات. هكذا ينبغي عباد الله أن نربي أنفسنا وأن نطهرها بطاعة الله، وبكتاب الله، وسنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من قبل أن تقول كل نفس: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾. ما ينفع يا عبد الله أن تأتي يوم القيامة وتقول نفسك: يا حسرة على ما فرطت في جنب الله؟ هلا تداركت ذلك وأنت في هذه الحياة الدنيا، فتُزوم بطاعة الله جل وعلا، وتجتنب معصية الله تبارك وتعالى. يقول المولى عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. إننا في هذه العشر المباركة، العشر من ذي الحجة، ينبغي علينا عباد الله أن نسارع في طاعة الله وفي مرضاته. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وإحسانه وفضله أن يوفقنا وإياكم لطهارة أنفسنا وتذكيتها بالعمل الصالح والبعد عن معصيته، وأن يدخلنا برحمته في عباده الصالحين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.