الدرس في خلق التواضع، خطبة جمعة في مسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 4 صفر 1430هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
توضح الخطبة مكانة التواضع العظيمة في الإسلام مستندة إلى آيات وأحاديث تصف المتواضعين باللين والرفق، وتؤكد أن الله يحبهم ويحرم النار عليهم ويرفع درجاتهم. ويبين أن ترك التواضع يؤدي إلى البغي والظلم.
يسرد المقطع مظاهر تواضع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في حياته اليومية كقضاء حوائجه ومجالسة المساكين وخدمة أهله، ويذكر أمثلة من تواضع الصحابة كالخليفة عمر بن الخطاب وأبي هريرة وسلمان الفارسي. كما يستعرض تواضع علماء السلف كأحمد بن حنبل وعمر بن عبد العزيز الذين قبلوا الحق من أي مصدر واحتقروا أنفسهم اقتداءً بهدي الأنبياء.
يحدد المقطع ثلاث درجات للتواضع: الانقياد التام لأدلة الكتاب والسنة دون معارضتها، والرضا بما رضي الله من الأخوة الإيمانية وقبول المسلم أخاه، وعلم العبد أن طاعاته وفضائله منة من الله لا حق له عليه. ويؤكد أن الله أوجب على نفسه الرحمة تفضلاً لا استحقاقاً من العباد.
يشدد المقطع على أنه ليس للعباد حق واجب على الله، وأن كل ما يصيبهم من عذاب أو نعمة هو بعدله وفضله. ويختتم بالدعاء بأن يجعل الله المؤمنين من المتواضعين الخاضعين المستسلمين لأمره وشرعه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، اعلموا أن من المقامات العظيمة والمنازل والدرجات العالية الرفيعة عند الله عز وجل، وهو من منازل العبودية لله سبحانه وتعالى التي رضيها الله عز وجل لعباده، منزلة التواضع في الإسلام. هذه المنزلة العظيمة لا يبلغها إلا من وفق بإذن الله رب العالمين، فإنها منزلة عظيمة أثنى الله عز وجل على أصحابها وأضافهم إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، وأخبر في كتابه الكريم أنه يحبهم، يحب هؤلاء المتواضعين المتصفين بهذه الصفة العظيمة، وحرم الله عز وجل النار على المتواضعين وأوجب لهم الجنة فضلًا منه سبحانه وتعالى ومنه على عباده الذين اتصفوا بهذه الصفة العظيمة التي هي من أخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. "هونًا" أي برفق ولين. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: أي علماء حلماء. وقال محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى: أي بوقار ورفق، ليسوا بأهل سفة، وإذا سفه عليهم حلموا. هذه أوصاف عباد الله المؤمنين الذين إذا مشوا على الأرض إنما يمشون بسكينة ووقار، ويمشون كذلك برفق ولين، ليسوا متكبرين ولا مختالين ولا مفتخرين، وإنما متواضعين لله سبحانه وتعالى. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قال عطاء رحمه الله تعالى: "أذلة على المؤمنين" أي كالوالد على ولده. هذه صفات عباد الله المؤمنين أنهم يتواضعون، يتواضعون لله جل وعلا، ويتواضعون مع خلق الله جل وعلا. ولهذا فإن منزلة... فإن منزلة التواضعين عند الله عز وجل منزلة عالية يا عباد الله ورفيعة جدًّا، أثنى الله سبحانه وتعالى على أصحابها. يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو قال: بمن تحرم عليه النار؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «كل قريب هين لين سهل». رواه الترمذي من حديث ابن مسعود، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة. انظر يا عبد الله إلى وصف عباد الله الذين حرم الله عز وجل أجسادهم على النار، أنهم هينون لينون، وأنهم كذلك ليسوا بأهل شدة وإنما رفقاء، وهم رحماء، اتصفوا بالصفات العظيمة بالأخلاق والآداب الإسلامية الكريمة التي عليها أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما صح عنه في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمنون هينون لينون كالجمل الألف»، وفي رواية: «كالجمل الأنف، إن قيد قاد، وإن سيق ساق، وإن أناخ على صخرة استناخ». يدل ذلك عباد الله على أن المؤمن يتصف باللين، ويتصف بالرفق، ويتصف كذلك بأنه هين، ليس عنده ذل إلا لعباد الله المؤمنين، أي أنه ينقاد لهم، ينقاد لعباد الله كما أنه ينقاد لله عز وجل. فلقد جاء في تعريف التواضع عند العلماء أنه خضوع العبد للحق، خضوع العبد للحق وانقياده له. فإذا خضع العبد للحق فإن هذا الخضوع يقوده إلى أن يتواضع لله سبحانه وتعالى كما يتواضع مع عباد الله عز وجل، فلا يتكبر عليهم ولا يفتخر عليهم، لا بجاه ولا بمال ولا بسلطان ولا بعلم ولا بنحو ذلك مما آتاه الله عز وجل، بل يزداد بكل ما آتاه الله سبحانه من فضله يزداد تواضعًا لله سبحانه وتعالى. يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد». أوحى الله عز وجل إلى نبينا عليه الصلاة والسلام بهذه المنزلة العالية التي يحبها الله سبحانه وتعالى ويحب أصحابها، أن يتواضعوا فيما بينهم حتى يقودهم هذا التواضع إلى رضوان الله سبحانه وتعالى. فإذا تركوا التواضع فإنهم والعياذ بالله ينقادون إلى البغي، وينقادون إلى الظلم، وينقادون إلى العدوان. ولهذا رفع الله عز وجل المتواضعين، رفعهم الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، كما صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «ما نقصت صدقة من مال، ولا زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله». عز وجل. من تواضع لله سبحانه بأن قبل الحق وانقاد واستسلم له، وكذلك يا عباد الله تواضع مع عباد الله بخفض الجناح ولين الجانب، فإن الله سبحانه وتعالى يرفعه درجات في الدنيا والآخرة، يرفعه بذكره سبحانه وتعالى بين الناس في الدنيا، ويرفعه المنازل العالية في الجنات. هكذا عباد الله، اتصف نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذه الصفة العظيمة، كما اتصف من قبله من أنبياء الله ورسله بصفة التواضع، فهم أعظم الناس تواضعًا لله سبحانه وتعالى، كما أنهم كذلك أكثر الناس تواضعًا مع الخلق. ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يذهب إلى الأسواق ويقضي حاجته بنفسه، كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يذهب إلى الأسواق يقضي حاجته بنفسه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾. أثر عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يجلس مع المسكين، وكان كذلك يمشي مع الأرملة واليتيم، وكان يقبل صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعوة من دعاه إلى طعام ولو كان على كراع عشاء، وكان يبدأ من لقيه بالسلام، وكان صلى الله عليه وسلم إذا لقي صبيانًا بدأهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالسلام، وكان يلعق أصابعه بعد الطعام، وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخدم أهله، فكان يحلب شاته، وكان يرقع ثوبه، وكان يخصف نعله، وكان يعلف بعيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ركب الحمار، وركب الدابة، ركب البعير، وركب غيرها من المركوبات صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كان هينًا لينًا سهلًا، وكان رحيمًا رقيق القلب بكل مسلم. اتصف نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بصفة التواضع لله سبحانه وتعالى حتى قال عن نفسه: «إن الله بعثني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا». عبدًا كريمًا ينقاد لأوامر الله سبحانه وتعالى، كما كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتواضع مع الخلق فلا يتكبر عليهم، وهو سيد المرسلين وأشرفهم، صلوات الله وسلامه عليه، ولم يفتخر عليهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخذ عنه هذا أصحابه، أصحابه تربوا على يديه فأخذوا هذه المنزلة العالية الرفيعة، منزلة التواضع يا عباد الله، فكانوا يقبلون الحق ولو كان ممن كان أصغر منهم، فإن الحق ينبغي قبوله، ووجوب قبوله عند المتواضعين. من اتصف بصفة التواضع فإنه يقبل الحق يا عباد الله. ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقبل الحق إذا جاءه ولو كان ممن أصغر منه، فقد قبل الحق من ابن عباس في مسائل كثيرة، رجع إليها عمر رضي الله تعالى عنه... رضي الله تعالى عنه لقول ابن عباس فيها. وهكذا أيضًا قبل ابن عباس قول زيد بن ثابت في مسألة من مسائل الربا. وهكذا أيضًا يا عباد الله قبل عمر قول أبي موسى وقول أبي سعيد في مسألة الاستئذان. هكذا يا عباد الله ينقادون تواضعًا لله سبحانه وتعالى. وهذا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه كان أميرًا خليفة لمروان في أحد البلاد، كان يذهب إلى السوق رضي الله تعالى عنه ويشتري حاجياته بنفسه ويحملها على ظهره، ثم يمشي ويقول: «أوسع الطريق للأمير، أوسع الطريق للأمير». أمير من الأمراء يخرج إلى السوق ويقضي حاجياته بنفسه ويحملها على ظهره، لا يجعل أحدًا يحملها له، وهذا من التواضع يا عباد الله. وهكذا كان سلمان الفارسي، كان أميرًا بالمدائن، وكان كذلك يشتغل بيديه تواضعًا، مع أنه قد كفي ذلك من بيت المال، ولكنه يعمل بيديه، وهكذا يحمل على ظهره. فكم من... من أجر نفسه... كم من... من أجر نفسه من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام أجروا أنفسهم، يشتغلون ويعملون، كل هذا تواضعًا لله سبحانه وتعالى وكسرًا لهذه النفس عن الطغيان وعن البغي وعن التجبر وعن الافتخار. أنبياء الله عز وجل كانوا يعملون، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنه ما من نبي قبلي إلا وقد رعى الغنم». قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: «حتى أنا، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة». وهذا نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام، فإنه أجر لنفسه لذلكم الرجل الصالح من أهل مدين، لما طلب منه أن يعجره ثماني حجج على أن يزوجه إحدى ابنتيه، فأجر نفسه موسى عليه الصلاة والسلام، يشتغل لذلكم الرجل الصالح عشر سنين أو عشر حجج حتى بلغ المقدار، ثم زوجه بذلكم الذي أجره له، زوجه لابنته. هكذا أنبياء الله، وهكذا صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كانوا يتواضعون لله وكانوا يتواضعون لعباد الله. يقول الإمام يحيى بن معين رحمه الله تعالى: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل رحمه الله، ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، لقد صحبناه خمسين سنة وما افتخر علينا بشيء، ما افتخر علينا بشيء مما آتاه الله عز وجل من خير، ما كان يفتخر على أصحابه بشيء من الخير الذي أعطاه الله عز وجل، فما كان يقول لهم: أنا أفضلكم علمًا أو أكثركم مالًا أو فعلت لكم كذا وكذا، وإنما كانوا يتواضعون، يتواضعون لعباد الله جل وعلا كما يتواضعون لله سبحانه وتعالى. يقول كذلك صالح بن أحمد رحمه الله تعالى: كان أبي إذا دعا له رجل يقول له: «إنما الأعمال بالخواتيم»، تواضعًا لله سبحانه وتعالى، وقاله الإنسان بالخير، ومع ذلك يحتقر نفسه ويقول: ما أدري ماذا يختم لي، إنما الأعمال بالخواتيم. وقال رجل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: جزاك الله عن الإسلام خيرًا، جزاك الله عن الإسلام خيرًا. قال: «ومن أنا، بل جزا الله الإسلام عني خيرًا، بل جزا الله الإسلام عني خيرًا»، تواضعًا لله عز وجل. هكذا يحتقرون أنفسهم رحمهم الله، فلم يكونوا يفتخرون على الناس، ما كانوا يفتخرون بجاه ولا بسلطان ولا بمال ولا بعلم ولا بشيء قدموه لله ولا للإسلام، وإنما كانوا يتواضعون لله فلا يروا لأنفسهم حقًا. هذا هو لين الجانب، هذا الذي وصفهم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بأنهم أذلة على المؤمنين. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لمرضاته. أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم، فاستغفروه. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. أيها المسلمون، عباد الله، اعلموا أن هذا المقام لا ينال إلا بتحقيق ثلاث درجات، ثلاث درجات، فمقام التواضع له ثلاث درجات عظيمة، من حققها فإنه يحقق هذا المقام العظيم ويصبح عند الله عز وجل من المتواضعين. أما الدرجة الأولى فهي أن لا يعارض هذا الدين، لا بعقل ولا بقياس ولا بذوق ولا بسياسة، ولا يتهم هذا الدين، ولا يخالف الأدلة الشرعية. هذا المقام الأول أو الدرجة الأولى من درجات التواضع، فإن أهل العلم ذكروا أن المعارضات للأدلة الشرعية أربعة: منها العقل، ومنها القياس والرأي، ومنها الذوق، ومنها السياسة. فهذه أربعة إذا تعارضت مع الأدلة الشرعية فإنه ينبغي على المتواضع أن يقدم الأدلة الشرعية، يقدم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ما تعارض عنده من هذه الأمور الأربعة. فأما الأولى وهي معارضة الأدلة الشرعية بالعقل، فإن هذا سلكه جماعة من المنتسبين إلى علم الكلام، وهذا من الكبر والعياذ بالله. قالوا: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل على النقل، أو فوضناه، أو أولناه. فإنهم يعارضون ويصادمون الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة بعقولهم، فإذا قبلت ذلك عقولهم قبلوه، وإذا عارضت عقولهم ردوا الأدلة الشرعية تكبرًا منهم والعياذ بالله. فلا ينبغي للعبد أن يتصف بهذه الصفة ويكون من هؤلاء الأقوام الذين يحكمون العقول في النصوص الشرعية. وهكذا الأمر الثاني عباد الله، وهي منزلة القياس التي تصادم النصوص وتعارضها، فإن هذا سلكه جماعة من المنتسبين إلى الفقه، قدموا القياس وقدموا الآراء بعقولهم على الأدلة الشرعية، إذا تعارضت معهم فإنهم يقدمون القياس. وهكذا الأمر الثالث وهو مسألة الذوق، فإنه سلكه جماعة من المنتسبين إلى التصوف، فإنهم لا يقبلون إلا ما وافق أذواقهم، ولا يقبلون الأدلة الشرعية، بل إنهم يأخذون كما يقولون: يأخذون علمهم عن الله عز وجل مباشرة، ويتركون ما أنزل الله سبحانه في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما الأمر الرابع وهي منزلة السياسة إذا تعارضت مع الأدلة الشرعية، فإن هذا سلكه جماعة من الأمراء وولاة الأمور، كثيرًا ما يقدمون أمر السياسة على الأدلة الشرعية إذا تصادمت معها. فلا ينبغي لعبد من عباد الله اتصف بهذه الصفة العظيمة، صفة التواضع، أن يقبل هذه الأمور الأربعة التي تخالف الأدلة الشرعية. وأعلم يا عبد الله أن أمرًا من هذه الأمور الأربعة إذا عسر عليك وصعب عليك فهمه، فاعلم أنه لعظمه استعصى عليك، فلذا ينبغي أن تعلم أن تحت هذا كنزًا من كنوز العلم لم يؤتك الله عز وجل مفتاحه بعد، فينبغي أن تستسلم وأن تنقاد للأدلة الشرعية من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا تجعل العقل أو تجعل الذوق أو تجعل القياس والسياسة تجعلها يا عبد الله حاكماً لك وقائداً يقودك في حياتك، بل اجعل الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة هي القائد دائماً وأبداً، وحكمها في نفسك وأهلك وفي مجتمعك. وهكذا يا عباد الله، لا ينبغي للمتواضعين أن يتهموا الأدلة الشرعية بالنقصان أو بقصر الدلالة، أن هذه الأدلة الشرعية لو كانت كاملة لكان الأولى منها كذا وكذا، لا ينبغي ذلك يا عباد الله، بل ينبغي أن يقال: إن الأدلة الشرعية كاملة لأنها أنزلت من لدن حكيم خبير لا يخفى عليه شيء من أحوال العباد، فهو العليم سبحانه بما أنزل على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. المنزلة الثالثة من هذه المنازل... وهي الدرجة الأولى... أن الإنسان لا يخالف الأدلة الشرعية، لا يخالفها لا بلسان الحال ولا بلسان المقال، ولا في الظاهر ولا في الباطن، لا بقول ولا بفعل. بل المتواضع يا عباد الله هو من انقاد واستسلم للأدلة الشرعية لأنها من عند الله سبحانه وتعالى. وأما الدرجة الثانية من درجات التواضع يا عباد الله، أن المسلم يرضى بما رضيه الله عز وجل لنفسه، أن المسلمين إخوانه، لأن الله عز وجل قد رضيهم له إخوانًا، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم». فينبغي يا عبد الله أن تقبل أخاك المسلم الذي جعله الله سبحانه وتعالى مسلمًا في هذه الحياة، لأن الله عز وجل رضيه مسلمًا، فينبغي علينا أن نرضى بما رضيه الله عز وجل لنفسه. ومن خالف ذلك فقد أعرض وقد أبى عن قبول أمر سيده سبحانه وتعالى. وهكذا يا عباد الله، المنزلة أو الدرجة الثالثة وهي الدرجة الأخيرة، أن المتواضع يعلم أن ما آتاه الله عز وجل من فضله فلا يوجب على الله عز وجل حقًا بعمله، لا يوجب على الله عز وجل حقًا بعمله، بل يعلم أن ما وفق إليه من العبادات ووفق إليه من الطاعات والقربات كلها فضل من الله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه وتعالى لو شاء ما آتاه ذلك، ولا يوجب أحد من الخلق شيئًا على الله عز وجل، بل سبحانه وتعالى أوجب على نفسه، على نفسه سبحانه تفضلًا منه جل وعلا وتكرمًا على عباده، وإلا فإن العباد لا يوجبون شيئًا على الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لو أن الله عز وجل عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظلم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم». رواه أحمد. نعم يا عباد الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد وحق العباد على الله؟» قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله... قال الله... وهذا الحق أوجبه على نفسه سبحانه وتعالى، لم يوجبه عليه أحد من خلقه، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً. متفق عليه. وقد أحسن من قال: ما للعباد عليه حق واجب *** كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله وإن نعموا *** فبفضله وهو الكريم الواسع نسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه وإحسانه أن يجعلنا وإياكم من عباده المتواضعين الخاضعين المستسلمين المنقادين له ولشرعه سبحانه وتعالى، إنه ولي ذلكم القادر عليه، والحمد لله رب العالمين.