تسوية الصفوف صلاح للظاهر والباطن

تسوية الصفوف صلاح للظاهر والباطن

الخطبة بعنوان تسوية الصفوف صلاح للظاهر والباطن، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة بتاريخ 22 شوال 1447هـ الموافق 10 أبريل 2026م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية تسوية الصفوف ووحدة القلوب

تؤكد الخطبة على أن تسوية الصفوف من تمام الصلاة وإقامتها، مستشهدة بأحاديث نبوية تحذر من أن اختلاف الصفوف يورث اختلاف القلوب. وتوضح أن الحرص على هذه السنة يصلح الظاهر والباطن، ويؤلف بين قلوب المصلين، بينما التهاون بها يوقع في الضلالة والفرقة.

الأدلة النبوية في تراص الصفوف وتشبيه الملائكة

يؤكد المقطع على وجوب تسوية الصفوف وإتمامها استناداً إلى نصوص نبوية متعددة، مبيناً أن تراص الصفوف سبب لمحبة الله ووحدة القلوب. كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التأخر عن الصفوف الأول، وشبه صفوف المؤمنين بصفوف الملائكة في الكمال والاستواء.

هدي الصحابة في إقامة الصفوف ومحاذاة الأعضاء

يستعرض المقطع حرص الصحابة والخلفاء الراشدين على التراص في الصفوف بمحاذاة الأكتاف والأقدام والكعبين اقتداءً بالملائكة وسنة النبي ﷺ. ويحذر من التهاون في ذلك لكونه سببًا للخلل والفرجة في الصفوف، داعيًا إلى الأخذ بهدي السلف في إقامة الصلاة.

الدعاء الختامي بالهداية والنصر للمسلمين

يختم المتحدث بدعاء إلى الله أن يوفق للخير ويجعلهم هداة مهتدين، ويسأل الله أن يؤلف بين قلوب المسلمين ويصلح ذات بينهم. ويختتم الخطبة بطلب النصر على الأعداء والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، أحمده تعالى، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾، أي: ادخلوا في الإسلام بكافته وعامته، لا تتخلفوا عن شيء منه، ولا تفرقوا بين ما أوجب الله عز وجل وما أحبه وما سنه. فالمؤمن الحق لا يفرق بين فرائض الإسلام وسننه، أي أنه يعمل بما استطاع، وكذلك أيضًا لا يتهاون بالسنن فيسميها جزئيات، أو يسميها قشورًا، أو يسميها من هذه التسميات التي سماها بعضهم، بل يعمل ويذعن لدين الله جل وعلا. قل لهذا أيها الإخوة الكرام، فإن هذا الدين مرتبط بأعماله، فإن أعمال هذا الدين مرتبط بعضها ببعض. فأعظم أعمال الإسلام الصلاة، ولها أركان وفرائض وسنن كثيرة جدًا قد يرتبط بعضها ببعض، وكذلك ترتبط هذه الصلاة بالقلوب بصلاحها وفسادها، فإن صلاح القلوب بصلاح الأعمال، وفساد القلوب بفساد الأعمال. وقد قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾، والصلاة تنهى عن الفحشاء وعن المنكر وعن البغي، أي: إذا أقامها الإنسان على ما أرادها الله سبحانه وتعالى. وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقول: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، كما أخرج ذلك البخاري عن مالك بن الحويرث، حتى تكون الصلاة صحيحة، وتكون الصلاة تامة، وتكون الصلاة التي أرادها الله سبحانه وتعالى. فإذا كانت كذلك فهي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. ولهذا في حديث عبد الله بن مسعود: «أول ما يحاسب العبد على صلاته، فإن صلحت صلحت سائر أعماله، وإن فسدت فسدت سائر أعماله». فلهذا أيها الإخوة الكرام، الصلاة لها سنن كثيرة جدًا، ولها أحكام كثيرة، وفي هذا الوقت وهذه الخطبة نذكر سنة من سنن الصلاة التي هي تربط القلوب بعضها ببعض، وكذلك لها أثر في صلاح القلوب وفسادها، وإن تهاون بها كثير من المسلمين، تهاون بهذه السنة كثير من المسلمين، بل أكثرهم، أكثرهم إلا من رحم الله جل وعلا. هذه السنة، عباد الله، هي تسوية الصفوف. لتسوية الصفوف أهمية عظيمة في الصلاة، بل وفي القلوب، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة، ومن إقامة الصلاة، كما أخرج ذلك البخاري ومسلم عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «قاربوا بين الصفوف»، وقال: «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة». وفي رواية البخاري: «من إقامة الصلاة»، وفي رواية مسلم: «من حسن الصلاة». أيها الإخوة الكرام، هذه تسوية الصفوف لها أثر في القلوب، لها أثر في صلاح القلب وفساده، لا يستهين بها العبد، فإن تسوية الصفوف من الأمور المهمة التي تؤلف بين قلوب المسلمين، وكذلك تصلح قلوبهم. فإن العبد إذا أصلح ظاهره أصلح الله عز وجل باطنه. فإن العبد الذي يهتم بهذه السنن ويفعلها ابتغاء وجه الله جل وعلا ويحرص عليها، فربنا جل وعلا يصلح قلبه، ويجعل قلبه على هذا الدين، وكذلك على سنة رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، فيتفق مع أصحابه وتأتلف قلوبهم. ولهذا أيها الإخوة الكرام، كما تعلمون قد جاءت أحاديث كثيرة في تسوية الصفوف، وبالأخص أنها جاءت أن اختلاف هذه الصفوف اختلاف للقلوب، اختلاف هذه الصفوف اختلاف للقلوب. فمن هذه الأحاديث أيها الإخوة الكرام ما أخرج الإمام البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير أنه قال: كان نبي الله صلى الله عليه وعليه وسلم إذا أراد أن يكبر مسح مناكبنا وسوى صفوفنا، قال: حتى رأى أننا قد عقلنا ذلك، أي: فقهنا هذا الأمر وتعقلناه. قال: فأراد أن يكبر فرأى رجلًا صدره باديا، رأى رجلًا صدره باديا، أي: متقدم على الصف، فقال: «عباد الله، لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم». لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم. وفي رواية أبي داود من حديث أبي القاسم الجذلي عن النعمان بن بشير أنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا لتسون صفوفكم، أو لا يخالفن الله بين وجوهكم». قال النعمان: فرأيت الرجل يلزق كتفه بكتف صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، قال: وكعبه بكعب صاحبه أيضًا. أيها الإخوة الكرام، هذا الحديث يبين لنا أن تسوية الصفوف هي وفاق القلوب وصلاح القلوب، لأن العبد إذا حرص على هذه السنة وفقه الله عز وجل، فإن إقامة السنن إقامة للقلوب وتآلفها. ولهذا تجد في بعض السنن يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها إقامة الدين وظهوره، كما جاء في إفطار الصائم: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»، وقال صلى الله عليه وعلى الله عليه وسلم كما عند أبي داود: «لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر». فلهذا أيها الإخوة الكرام، فلا نستهين بهذه السنن، ولا نحرص عليها ونختلف بعضنا بعضًا في هذه الصفوف، فإن الله عز وجل يحب هذه الصفوف أن ترص، كما ذكر ربنا جل وعلا في القتال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾. ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الصلاة برص الصفوف، كما جاء في حديث أنس: «رصوا صفوفكم». وأيضًا كذلك من الأحاديث التي جاءت في هذا الباب ما أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي مسعود البدري عقبة بن عمرو رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى الله وسلم يقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وليَلِنِي منكم أولو الأحلام والنهى، وأتموا الصف الأول فالأول». ثم قال أي: عقبة بن عمرو رضي الله تعالى عنه: «وأنتم اليوم أشد اختلافًا، وأنتم اليوم أشد اختلافًا»، أي: بسبب اختلافكم في هذه الصفوف. فإن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لتسون صفوفكم، أو لا يخالفن الله بين وجوهكم»، المراد أنها تختلف القلوب وتتفترق القلوب، حتى يعبس الإنسان بوجهه على أخيه فينصرف عنه إذا رآه، وهذا انصراف القلوب، انصراف الوجوه وهو قبل ذلك انصراف القلوب. ولهذا جاء في حديثي، في حديثي هذا الحديث الذي ذكرناه، حديث عقبة بن عمر أبي مسعود البدري قال: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم». وجاء كذلك عند أحمد والنسائي وأبي داود وابن ماجه من حديث البراء بن عازب قال النبي عليه الصلاة والسلام: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم». وجاء في رواية: «استووا ولا تخاءوا، وإلا اختلفت قلوبكم، وإلا اختلفت قلوبكم». انظروا إلى هذا الأمر العظيم. وكذلك جاء من حديث البراء رضي الله عنه في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم». فلهذا أيها الإخوة الكرام، فالتسوية الصفوف أمر عظيم، حث عليه الشرع، وبين أنه في وفاق القلوب وصلاحها. فإذا صلح الظاهر برص هذه الصفوف في هذه الصلاة العظيمة، فإنه ترتص هذه القلوب وتتوافق هذه القلوب وتتوحد هذه القلوب. ولهذا كما ذكرنا أن الله عز وجل يحب رص الصفوف في القتال، وكذلك في هذه الصلاة التي هي عماد الدين. فإذا تراصت الصفوف، والمراد بالتراص أي: التصاق البعض بالبعض، لا يتركون خللًا ولا فرجات في الصف، فإن هذا يحدث بعد ذلك أمورًا كثيرة من الاختلاف، وأعظمها اختلاف القلوب. أيها الإخوة الكرام، فلهذا فإن تسوية الصفوف أمر مهم جدًا، وقد أمر به النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة في الصحيحين من حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري، أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري». قال أنس: فكان أحدنا يلصق كتفه بكتف صاحبه، وقدمه بقدمه، يلصق كتفه بكتف صاحبه، وقدمه بقدمه. وأيضًا هذا الوعيد الذي فيه اختلاف القلوب يدل كذلك على وجوب الاستواء وتسوية الصفوف وإتمامها. وقد ذكر الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه قال: «باب إثم من لم يسو الصفوف ويتمها»، باب إثم من لم يتم الصفوف، أو قال: «من لم يتم الصفوف». فذكر حديث سعيد القدري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تقدموا في الصفوف، وليتقدم من بعدكم، وأتموها، ولا يزالوا ناس يتأخرون حتى يؤخرهم الله يوم القيامة». فلا يجوز للمسلم أن يبتعد عن الصفوف ويصلي بعيدًا عن أخيه، بل يقارب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قاربوا بينها»، أي: قاربوا بين الصفوف، وكذلك بين الأفراد. فلا ينبغي للإنسان أن يقطع الصفوف، فإن هذا من الأمر المنكر الذي فيه أن الله عز وجل يقطع العبد، ومعنى قطع الله عز وجل للعبد أي: أنه فساده وخسارته. ولهذا جاء في حديث عبد الله بن عمر عند أحمد وأهل السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «رصوا صفوفكم، وحاذوا بين الأعناق، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، فإني والله أرى الشيطان يدخل من الخلل بين صفوفكم، كأنها الحذف، كأنها الحذف». والمراد بالحذف قالوا: هي أغنام صغيرة سود، غالبًا تكون في اليمن. قال: «كأنها الحذف»، أي: هذه الشياطين. وجاء في رواية النسائي أنه قال: «حاذوا أو سووا صفوفكم، فإني أرى الشيطان في الخلل، أرى الشيطان في الخلل أن يدخل من هذه الأماكن فيوسوس للناس». ولهذا أيها الإخوة الكرام، هذه الصفوف لها أهمية عظيمة، لها أهمية عظيمة في هذه الأمة. قد ميزت هذه الأمة بصفوفها كصفوف الملائكة، كما أخبر بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث جابر بن سمرة في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وعلي وسلم، فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟» قالوا: وكيف تصف عند ربها يا رسول الله؟ قال: «يتمون الصفوف ويرصونها». وجاء في الصفوف ويرصون الصف بالصف، يتمون هذه الصفوف، أي: الأول فالأول، ثم بعد ذلك ترص الصفوف. هكذا كانت الملائكة عند ربها، كما ذكر الله عز وجل عن الملائكة أنهم يفتخرون بذلك: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ﴾. والله عز وجل بدأ بتسمية الملائكة بالصافات في سورة الصافات: ﴿ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ﴾. وجاء: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾، كما ذكر الله عز وجل. فلهذا عباد الله، فهذه الصفوف تكون كصفوف الملائكة. فلهذا الله الله في تسوية هذه الصفوف وإتمامها. نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا لمرضاته سبحانه وتعالى، وأن يفقهنا في دينه، ويجعلنا من أهل مرضاته سبحانه وتعالى، والعاملين بسنة نبيه عليه الصلاة والسلام. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، فتسوية الصفوف لها أهمية عظيمة كما قد سمعتم. فلهذا يحرص العبد على هذه التسوية والإتمام، ولا يتهاون، فإن هذه النصوص جمعت أمورًا كثيرة في كيفية التسوية وفي هيئتها. فأولًا: إتمام الصفوف، أن لا يصف في الصف المؤخر إلا بعد إتمام الصف الأول، كما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليَلِنِي منكم أولو الأحلام والنهى»، أو قال: «أتموا الصفوف الأول فالأول، وليَلِنِي منكم أولو الأحلام والنهى، وإياكم وهيشات الأسواق». وكذلك جاء نحوه من حديث عقبة بن عمر أنه قال: «أتموا الصف الأول فالأول». وقد سمعنا أن من صفوف الملائكة أنهم أولًا يتمون الصفوف الأول فالأول. فلا ينبغي للمسلم أنه يصف في مؤخرة في الصف الذي يلي الصف الذي لم يكتمل، أولًا يكملون الصف، أتموا الصف الأول فالأول، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا أتمت الصفوف تراص الناس، يرص بعضهم بعضًا. وقد كانت سلف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم يهتمون بهذا الأمر أشد الاهتمام، حتى أنهم يلصق أحدهم كتفه بكتف صاحبه، وقدمه بقدم صاحبه، وركبته بركبة صاحبه. وكان الخلفاء كعمر وعثمان وعلي وغيرهم من خلفاء المسلمين يهتمون بالصفوف، فكان عمر وعثمان لا يكبران حتى يرسلان من يسوي هذه الصفوف. وكان علي إذا أراد أن يكبر يقول رضي الله عنه: «استووا تستووا، استووا تستووا، وتراصوا تراحموا». استووا تستووا، أي: تستوي قلوبكم وتستوي جوارحكم. قال: «وتراصوا تراحموا»، أي: إذا ارتصصتم ولم تجعلوا بينكم خللًا فإنكم تتراحمون. وهكذا الخلفاء من بعدهم، كما قال الإمام ابن عبد البر: كان الخلفاء الراشدون يهتمون بتسوية الصفوف، وكذلك من بعدهم من الأمراء. وكان أمراء مكة يلزمون الناس التسوية في الصفوف. وجاء عند ابن أبي شيبة، وكذلك رواه أحمد، أن أنسا جاء إلى المدينة فقالوا: يا أبا حمزة، ماذا أنكرت من صلاتنا منذ عهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ ما الذي أنكرته من صلاتنا منذ عهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: «ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تسوون صفوفكم». قال: «ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تسوون صفوفكم». وكان عمر رضي الله عنه يسوي الصفوف بنفسه، حتى قال عمر بن ميمون: ما كنت أكون في الصف الأول من شدة مساواة عمر للصفوف. وقال غيره: قال معرور بن سويد: لقد ضربني عمر في قدمي حتى أستوي في الصف. وهكذا وهكذا كان أبو هريرة وغيرهم من علماء الصحابة رضي الله عنهم، ومن بعدهم كانوا يهتمون بهذه الصفوف وتسويتها. فلهذا لا ينبغي أن نفرط في هذا الأمر العظيم، لا ينبغي أن نفرط في هذا الأمر العظيم، ولا نتساهل فيه. فالآن صفوفنا مقطعة، وفيها الخلل، وهذا رجله كذا، وهذا رجله كذا. ينبغي علينا أن نتراص في الصفوف، مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تراصوا»، وفق ذلك الصحابة، أنه يرص القدم بالقدم. لا شك أن الأقدام تختلف، فالعبرة بالمؤخرة، أن يجعل كعبه بكعب صاحبه. إذا كانت رجل طويلة ورجل قصيرة يتحاذوا في الكعب، كما قال العلماء: تكون المحاذاة بالكعب. وكذلك إذا حاذ الكعب حاذت الأكتاف. وأما هذا يتقدم وهذا يتأخر، وهذا يأخذ مكانًا كبيرًا، وهذا يأخذ مكانًا صغيرًا، فهنا تختلف هذه الصفوف. والواجب علينا أننا نرص هذه الصفوف، وننظر قبل الصلاة في الأقدام. أما إذا صلى الإنسان فلا ينبغي له أن يشتغل بالصف عن الصلاة، إلا إن كان شيئًا يسيرًا. فإذا كان من عنده يبتعد عنه لا ينشغل به. كثير من الناس إذا جئت ومسسته برجليك أخر رجله، وكأنه به حساسية أو وسوسة. وقد كان حصل هذا في زمن أنس، حتى قال رضي الله عنه: «فإنك إذا جئت تمس أحدهم يفر منك كأنه حمر»، أو كما قال رضي الله عنه. معنى يفر ويبتعد. فمثل هذا لا تشغل نفسك، ولا تأخذ مسافة كبيرة حتى لا يكون فيها بعد ذلك الانقطاع. إن بعض المصلين تجد إذا ابتدأ في الصلاة أخذ مسافة كبيرة، ثم تلاشى بعد ذلك، فيكون بينه وبين أخيه مسافة طويلة. والفرجة أحيانًا حتى قدر الفرجة، والفرجة هي قدر الإنسان. والخلل هو الشيء اليسير الذي يكون، أو الفرقة اليسيرة التي تكون بين الأرجل. فهذا الخلل الذي قصده النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا ينبغي أن المسلم يأخذ على قامته حتى يرص كتفه بكتف صاحبه، ورجله برجل صاحبه. هذه التمية التي كان عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى الله وسلم، ولا يصلح هذه الأمة إلا بما صلح أولها. فنسأل الله جل وعلا أن يوفقنا للخير، وأن يجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين. ونسأل سبحانه وتعالى أن يؤلف بين قلوب المسلمين، ويصلح ذات بينهم، وأن ينصرهم على عدوهم، يا رب العالمين. الحمد لله رب العالمين.