الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ذكر المؤلف أنواع البدع عند القبور مثل سؤال الميت حاجته، وأوضح أنها من فعل الشياطين وليست من الدين. كما ناقش حكم الدعاء عند القبور واعتقاد استجابة الدعاء فيها.
النوع الثالث من أنواع الزيارة المذمومة هو قصد القبور معتقدا أن الدعاء عندها مستجاب، وهذا اعتقاد منكر بإجماع أئمة الدين. يعتبر ابن القيم هذا الاعتقاد منكرا ولا يعلم فيه نزاعا.
يشرح المقطع خطورة عبادة الأصنام وانتشارها، ويوضح أن التوسل بذات الشخص عند قبره يعتبر بدعة بالإجماع كما ذكر ابن القيم. يستدل على ذلك بأن الله لم يشرع مثل هذه الأمور في الإسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف الشيخ حمد بن معمر رحمه الله: قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "غاثة اللهفان في مكايد الشيطان": قالوا: هذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع، أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته، كما يفعل كثير من الناس، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام. لا يذكر كلام الإمام ابن القيم رحمه الله أن المبتدعة عند القبور أنواع، فبعضهم أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته، يطلب الحاجة من الميت، وهذا من فعل عباد الأصنام. قالوا: لهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت، كما يتمثل لعباد الأصنام، وهذا حاصل؛ لأن كل صنم عنده جن يكونون خدما له. ولهذا لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد أن يهدم العزى فهدمها، وجاء فقال له: ماذا فعلت؟ قالت: هدمتها. قال: ما فعلت شيئا. فرجع خالد رضي الله عنه. وكذلك فسمعهم يقولون: يا عزة، خبليه، يا عزة، عوريه. فلما أقبل خالد، رأى امرأة عارية ناشرة شعرها -معنى جنية- فلما قرب منها خالد قتلها بسيفه. فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يبين للناس أن هذا من فعل الشياطين؛ فالشياطين هم الذين يزينون للعباد القبور وعباد الأصنام هذه الأمور. فلهذا كذلك تجد الشياطين أيضا عند القبر، فأحيانا يتكلم الجني كأنه يكلم صاحب القبر، وأحيانا يحضر لهم بعض الأشياء وهكذا، وكل هذا من فعل الشياطين. قال: النوع الثاني أن يسأل الله به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة بإجماع العلماء؛ أن يأتي إلى القبر ويسأل الله بهذا المقبور "أسألك بفلان" -أي هذا المقبور- كذا وكذا، هذا بدعة بإجماع العلماء؛ لأنها لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعلها الصحابة. قال: النوع الثالث أن يظن الدعاء عنده مستجابا، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد القبر لذلك، فهذا أيضا من المنكر إجماعا؛ أن يظن أن الدعاء عند القبر الفلاني مستجاب، وهذا يعتقده كثير من الناس، فلهذا يدعو الله، ما يدعو صاحب القبر، إذا دعا صاحب القبر فهو مشرك، لكن يدعو الله، لكن يظن ويعتقد أن الدعاء عند هذا القبر مستجاب. بل بعضهم يعتقد أن الصلاة -صلاة ركعتين- عند القبر الفلاني أفضل من صلاتها في المسجد، يعني ما يعتقد أنه يحل الصلاة للقبر، وإنما يعتقد أن الصلاة عند القبر أفضل، وهذا محادة لله عز وجل ولرسوله ولدين الله. وأيضا بعضهم يعتقد أن الدعاء مستجاب عند القبر الفلاني أفضل من الدعاء في المسجد وأفضل من الدعاء في الأماكن الفاضلة، وهذا أيضا يعتبر كما قال الإمام ابن القيم منكرا إجماعا. قال: وما علمت فيه نزاعا، أي يقول ابن القيم رحمه الله: وما علمت فيه نزاعا بين أئمة الدين. وإن كان كثير من المتأخرين يفعله، حتى ممن عنده علم يفعل مثل هذا الفعل أو يعتقد أو يظن، ومعهم ليس معهم حجة إلا ما يتداوله بعضهم بقولهم "ترياق مجرب"، معنى أن هذا شيء مجرب ودعاء استجيب له. فيقولون: الترياق -والترياق هو العلاج والدواء- مجرب؛ أنه قد جرب هذا الشيء وأنه دعي عند القبر الفلاني فاستجيب له، فلهذا فيظن أن الدعاء في ذلك المكان يستجاب، وهذا باطل. قالوا: بالجملة، يقول ابن القيم: وبالجملة، فأكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام، ولم يتخلص من ذلك إلا الحنفاء أتباع ملة إبراهيم. وعبادتها في الأرض من قبل نوح -أو من قبل نوح- وهياكلها ووقوفها وسدنتها وحجابها، والكتب المصنفة في عبادتها قد طبقت الأرض -أي قد صارت في الأرض أكثرها أو جميعها- أو أن الناس الذين يفعلون ذلك هم كثر في كل مكان. قال إمام الحنفاء عليه الصلاة والسلام -أي إبراهيم نبي الله-: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، ربي إنهن أضللن كثيرا من الناس، مع أنه هو الذي كسر الأصنام، كما قال الإمام محمد بن عبدالوهاب: مع أنه هو الذي كسر الأصنام، إلا أنه يدعو بهذا الدعاء "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام". قال: وكفى بمعرفتي أنهم أكثر أهل الأرض. ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن ﴿نبعث من النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين﴾، معنى أن أهل النار أكثر. في الحديث: حديث أبي هريرة في الصحيحين "يا آدم، ابعث بعث النار". قال: ما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. قال: وقد قال الله تعالى: ﴿فأبى أكثر الناس إلا كفورا﴾. وكما تقدم قلنا: أن الله عز وجل جعل هذه الأمة ثلثي أهل الجنة، ثلثي أهل الجنة من هذه الأمة وثلث من الأمم الأخرى، مع هذا إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "ما أنتم في الأمم قبلكم إلا كشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كشعرة البيضاء في الثور الأسود"، أنا أنظر إلى قلة هذه الأمة بالنسبة للأمم السابقة، مع هذا إلا أنه يدخل الجنة ثلثي هذه الأمة وثلث من الأمم الأخرى، معنى أن أهل النار كثيرون. قالوا: كفى بمعرفة أنهم أكثر أهل الأرض -أي هؤلاء المشركون-. قال الله عز وجل: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾. قالوا: ولو لم تكن الفتنة في عبادة الأصنام عظيمة لما أقدم عبادها على بذل نفوسهم وأموالهم وأبنائهم دونها، وهم يشاهدون مصارع إخوانهم وما حل بهم، ولا يزيدهم ذلك إلا حبا لها وتعظيما، ويوصي بعضهم بعضا بالصبر عليها. انتهى كلامه رحمه الله. ولأن هذه الفتنة فتنة عظيمة قد يبدل الرجل ماله. انظروا إلى قول الله عز وجل: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب﴾؛ أن الله عز وجل ما جعل هذه الأمور وما شرعها، لكن تجد أن هؤلاء أهل الشرك يفعلون هذا، يبدلون من أموالهم؛ الرجل يسيب ناقته التي يحبها والتي أيضا تكون من أنفس أمواله، فيسيبها، يجعلها للآلهة -أن يتركها لا يذبحها لأهله ولا يأكلها وإنما يسيبها للآلهة كما يقولون للأصنام- ثم يستفيد منها السدنة وغيرهم. قال رحمه الله: المقصود أنه حكى الإجماع على أن التوسل إلى الله بصاحب القبر بدعة إجماعا؛ أن هذا من مقصود كلام ابن القيم رحمه الله: أن التوسل بذات الشخص بدعة إجماعا، وخاصة إذا كان جاء إلى قبره. فإن شاء الله نكتب بهذا والله تعالى أعلم. شكرا لكم.