الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 24، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح معنى التوسل بالرحم وأنه تذكير بالصلة بين الأشخاص وليس إقسامًا أو توسلًا بحق الشخص ذاته، مستدلًا بقصة عبد الله بن جعفر مع علي بن أبي طالب. هذا الفهم يوضح الفرق بين التوسل بالرحم والتوسل بحق النبي أو الأولياء.
عبد الله بن جعفر توسل برحمته لعلي بن أبي طالب، أي من باب الصلة بينهما، وليس بحق جعفر ذاته. هذا يختلف عن توسل المبتدعة بحق النبي أو الأولياء عند الله، حيث إن الأول كان بسبب القرابة.
يناقش شيخ الإسلام حكم التوسل ويحذر من الروايات الضعيفة، مشيرًا إلى عدم جواز الاحتجاج بقصص الأنبياء من كتب التفسير دون تأكيد من النبي أو الآيات، والاعتماد على نقل أهل الكتاب. كما يشكك في صحة روايات توسل الأنبياء بذات الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذكرنا فيما مضى ما ذكره شيخنا في مسألة التوصل بالذات، وأنه لا يمكن وليس بجائز عند العلماء، قد ذكر كلام العلماء، كلام السلف في هذا، ولم يأت على أحد من السلف أنه فعل هذا. قال رحمه الله تعالى: وأما قول بعض الناس: أسألك بالله وبالرحم، وقراءة من قرأ: ﴿وَالسَّائِلِينَ بِالْأَرْحَامِ﴾، فهم باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره يتوسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، هو من باب التذكير، ولا هو من باب الإقسام، ولا من باب التوسل، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب، كالتوسل بدعاء الأنبياء وطاعتهم، لأنه طاعة. فإذا قال: أسألك بالله وبالرحم، فليس هو توسلًا بالرحم، ولا إقسامًا بها، ليس حلفًا، وإنما مثل ما يقول: بالرحم التي بيننا، أو بالصلة التي بيننا، أو التي توجب الصلة. فالذي تساءلون به والأرحام، أنا تساءلون بالله وبالرحم معًا، كما قلنا، يقول الإنسان لآخر: أسألك بالرحم التي بيننا ألا تفعل كذا. فهنا ليس هذا إقسامًا بالرحم، لا، هذا من باب التذكير بأن هذا الشخص، أو أنت مثلًا، يذكر هذا الشخص رحمًا بأن له صلة عليه، فلا يقطع هذه الصلة، فيذكره فيقول: بالرحم التي بيننا، أنك يجب عليك أن تراعي هذه الرحم التي بيننا. فلهذا فليس هي من باب الإقسام، ولا من باب التوسل. قال رحمه الله: إن هذا الباب ما يروى عن عبد الله بن جعفر أنه قال: كنت إذا سألت عليًا شيئًا فلم يعطنيه، قلت له: بحق جعفر ألا ما أعطيتنيه، فيعطينيه -أو كما قال-. فإن بعض الناس ظن أن هذا الباب الإقسام عليه بجعفر، ومن باب قولهم: أسألك بحق السائلين، ونحو ذلك، وليس كذلك، بل جعفر هو أخو علي، وعبد الله ابنه، وله على علي حق الصلة، فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر. ومعلوم أن عبد الله بن جعفر تربى عند علي، يعني علي الذي رباه، لما مات جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، تزوج زوجته أسماء بنت عميس أبو بكر الصديق، ثم لما مات أبو بكر تزوجها علي، يعني كانت زوجة أخته، فكان عبد الله بن جعفر صغيرًا، تربى عند علي، رباه علي، فلهذا كان مثل ابنه. فيقول: أنه كان إذا سأل عليًا شيئًا فلم يعطني، قلت له: بحق جعفر، فأنا أذكر الحق الذي عليك لأخيك جعفر. قال رحمه الله: له عليه حق الصلة، فصلة عبد الله صلة لأبي جعفر، كما في الحديث: «إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي». وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم، حديث عبد الله بن عمر، لما أعطى ابن عمر ذاك الأعرابي أعطاه عمامة وأعطاه كذا، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إنما هؤلاء العرب يرضون باليسير. فقال: هذا كان أبوه كان صديقًا لعمر، أبوه كان صديقًا لعمر، ثم قال: سمعته رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي»، يصلهم بالهدايا أو بكذا. قالوا: لو كان من هذا الباب الذي ظنوه، لكان سؤاله لعلي بحق النبي عليه الصلاة والسلام، وإبراهيم الخليل، ونحوهما أولى من سؤال بحق جعفر، أنا لو كان المراد الحق بالسؤال وبذاته بذات جعفر، لكان أولى أن يقول له: بحق النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لم يقصد هذا، لم يقصد ما يقصده هؤلاء المبتدعة في التوسل بحق فلان عليك يا رب، وإنما يقصد بحق جعفر، أي من الصلة التي بينه وبين علي لأنه أخاه. قال: ونحوهما أولى من سؤال بحق جعفر، ولكان علي إلى تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبته وإجابة السائل به أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره. فهذا كله من كلام شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم، وهو كلام محقق ومدقق في النصوص، وأيضًا عنده اطلاع عظيم في معرفة مذاهب السلف. قال رحمه الله: وأما قول القائل، فقد أخرج الحاكم في مستدركه وصححه أن آدم توسل بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهو من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال أحمد بن حنبل: ضعيف، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وضعفه ابن المديني جدًا، وقال أبو داود: أولاد زيد بن أسلم كلهم ضعيف، أولاد زيد بن أسلم: عبد الله وأسامة وعبد الرحمن، وأضعفهم عبد الرحمن. قال: وأما قول القائل: قد توسل به الأنبياء آدم وإدريس ونوح وإيوب، كما هو مذكور في كتب التفسير وغيرها. فيقال: مثل هذه القصص لا يجوز الاحتجاج بها بإجماع المسلمين، فإن الناس لهم في شرع من قبلنا قولان، أحدها: أنه ليس بحجة، والثاني: أنه حجة ما لم يأت شرعنا بخلافه، بشرط أن يثبت ذلك بنقل معلوم، كإخبار النبي عليه الصلاة والسلام. هذا إذا أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، أو جاء في الآيات، فإن كان من شرع من قبلنا، فالأصل أنه يقبل ما لم يخالف شرعنا، هذا قول جماعة من أهل العلم. القول الثاني: أنه لا يقبل، وليس بحجة إلا إذا أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ومدحه، ولم يخالف ولم يخالفه شيء في الشريعة. قال: فأما الاعتماد على نقل أهل الكتاب، وهذا من كلام شيخ الإسلام أيضًا، وأما الاعتماد على نقل أهل الكتاب أو نقل من نقل عنهم، فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين، لأن في الصحيح -أي في صحيح مسلم- عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم»، وجاء في البخاري: «لا تصدقوا أهل الكتاب بما يحدثونكم عن الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا». قالوا: هذه القصص التي ذكروا فيها توسل الأنبياء بذاته، ليس فيها شيء من كتب الحديث المعتمدة، ولا لها إسناد معروف عن أحد من الصحابة، وإنما تذكر مرسلة كما تذكر الإسرائيليات التي تروى عن من لا يعرف. قال: والقرآن قد أخبر بأدعية الأنبياء وتوباتهم واستغفارهم، وليس فيها شيء من هذا.