الخطبة بعنوان تذكير البرية بحياة الكافر البرزخية، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 جمادى الآخر 1446هـ الموافق 6 ديسمبر 2024م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
تصف الخطبة مشهد موت الكافر كما ورد في حديث البراء بن عازب، حيث تنزل ملائكة الموت سود الوجوه ويبشر ملك الموت الروح الخبيثة بسخط الله وغضبه. ثم تنتزع الروح بعنف شديد كانتزاع السفود من الصوف المبلول، مما يسبب ألماً مبرحاً وتخرج منتنة كريهة الرائحة كجيفة متعفنة.
ترفض الملائكة صعود روح الكافر لنتنها وتغلق أبواب السماء دونها، فيُكتب كتابها في سجين وتُعاد إلى الجسد. ثم يأتي الملكان منكر ونكير فيسألانها عن ربها ودينها ونبيها، فلا تستطيع الجواب فتهان وتعذب في القبر بفرش من النار وفتح باب إليها.
يصف المقطع أهوال عذاب القبر التي تنتظر الكافرين والفجار، من ضيق القبر وضرب بالمرازب الحديدية، ومجيء ملك قبيح يمثل أعمالهم السيئة. يستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تثبت عذاب البرزخ، مؤكداً الفرق العظيم بين حال المؤمن المنعم والكافر المعذب محذراً من الغفلة.
يتضمن المقطع دعاءً شاملاً يطلب فيه العبد من الله إصلاح دينه ودنياه وآخرته، وأن يجعل الحياة زيادة في الخير والموت راحة من الشر. ويختتم بالصلاة على النبي محمد ودعوة المصلين للقيام إلى الصلاة.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾، ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا ﴾، ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، « وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ». عباد الله، كنا ذكرنا في خطبة مضت أحوال المؤمنين عند موتهم واحتضارهم وقبض ملائكة الموت لأرواحهم، وما يكون لهم من البشرى برضوان رب العالمين، هو الفوز بجنات النعيم، وما يكون لهم من الطمأنينة والراحة والأمن، فيكون العبد المؤمن في حياته البرزخية منعما في روضة من رياض الجنان، ويفتح له باب من الجنة، ويأتيه من نعيمها وروحها وطيبها. ونذكر في هذا المقام حال الكافر عند موته واحتضاره مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده وأهل السنن، في قوله عليه الصلاة والسلام: « وأما الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة نزلت إليه ملائكة من السماء سود الوجوه ». نعم عباد الله، هذه الملائكة ملائكة الموت على هذا الوصف المخيف وعلى هذا الحال المفزع، فهم سود الوجوه لأن هذا الكافر قد اسود قلبه وسودت أعماله وخبث في ظاهره وباطنه، فتجلس منه مد البصر معهم المسوح، وهو كساء غليظ من شعر، ويجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه، فيقول: « يا أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب ». هكذا ينادي ملك الموت روح هذا الكافر بقوله: « يا أيتها الروح الخبيثة »، فهي خبيثة في اعتقادها، وخبيثة في أقوالها وأعمالها، وخبيثة في ظاهرها وباطنها، فقد خبثت فنوديت بهذا النداء ووصفت بهذا الوصف، يبشرها ملك الموت بغضب الله جل وعلا وسخطه: « أخرجي إلى غضب من الله وسخط »، قال: « فتتفرق في جسده »، أي خوفا من الخروج لما لها من هذا الوعيد الشديد وما ينتظرها من العذاب الأليم، قال: « فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول »، والسفود هي الحديدة ذات القوائم المنعطفة التي يشوى بها اللحم، كما ينتزع هذا السفود من الصوف المبلول كيف يقطعه ويمزقه، وهكذا تنتزع روح هذا الكافر فتتقطع العروق والأعصاب، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى: « فينتزعها بشدة وقوة »، ولذلك يرى من أحوال الكافرين ما يجدون من ألم عظيم عند موتهم وعند احتضارهم، إذ أن أرواحهم تنزع بشدة وقوة فيتألمون ألما شديدا، قال: « فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول »، فإذا أخذها فلم يدعها في يده طرفة عين، فيضعها في ذلك المسوح، فيخرج منها كأن نتن جيفة وجدت على ظهر الأرض، يخرج من روح هذا الكافر كأن نتن جيفة وجدت على ظهر الأرض، فلك أيها المسلم أن تتخيل أعظم جيفة وأعظم جيفة ميتة لها رائحة نتنة ورائحة خبيثة كريهة، كيف لا يستطيع الإنسان أن يقترب منها، هكذا تكون رائحة هذا الخبيث، لما خبثت أعماله وخبث كذلك في أحواله كلها كانت روحه خبيثة وكانت نتنة ريحه كأخبث ريح جيفة وجدت على ظهر الأرض. قال: « فيصعدون بها إلى السماء فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: هذه روح فلان ابن فلان بأخبث أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، لأنه لا كرامة له ولا شرف له ولا منزلة، لأنه كفر برب العالمين ولم يؤمن بالله ولا برسوله عليه الصلاة والسلام »، قال: « فيصعدون به حتى ينتهون به إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له، فلا يفتح له، ويقول الله جل وعلا: اكتبوا كتابه في سجين وأعيدوه إلى الأرض السفلى »، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين ﴾، لا ترفع أرواح الكفار والفجار إلى رب العالمين سبحانه، لأن الله عز وجل لا يصعد إليه إلا ما كان طيبا، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، فترفع الكلمات الطيبة والأعمال الصالحة وأهلها كذلك يرتفعون ويسمح لهم بالصعود إلى السماوات العلا كما مر معنا في حال المؤمن، أما هذا الكافر فلا يؤذن له بالصعود ويؤمر بإنزاله إلى الأرض السفلى، قال عليه الصلاة والسلام: « فتطرح روحه طرحا »، وفي رواية: « فيرمى بها من السماء »، ثم قرأ عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ﴾. هكذا عباد الله يعامل هذا الكافر والفاجر بهذه المعاملة ويهان بهذه الإهانة العظيمة، فتعاد روحه إلى جسده، فيأتيه الملكان وهما منكر ونكير، فيسألانه ويختبرانه ويمتحنانه بتلك الأسئلة العظيمة عن أصول هذا الدين: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وما أسهلها من أسئلة، ما أسهلها من أسئلة، ولكن الجواب عنها لا يوفق له إلا من وفق لتحقيق القيام بها في هذه الدنيا، فيثبت الله جل وعلا أهل الإيمان ويخذل أهل الكفر، أهل الكفر والفسوق والعصيان. قال: « فيأتيه الملكان فيسألانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، لا أدري، يا سبحان الله، لا يدري من ربه ولا يدري من إلهه، لأنه لم يؤمن بالله رب العالمين ولم يستجب لرب العالمين سبحانه، لم يكن مطيعا لله ولم يكن قائما بما أمر الله سبحانه وتعالى، لم يكن مستعدا للقاء رب العالمين بالأعمال الصالحة وبالطاعات والقربات، ولكن كان منهمكا في شهوات هذه الدنيا ولذاتها غافلا عن الآخرة وأهوالها، فيقول: آه، آه، لا أدري، فيقولان له: وما دينك؟ فيقول: آه، آه، لا أدري، لا يدري ما هو دينه، لم يدري ما هو دين الإسلام لأنه لم يتعلمه ولم يسأل عنه ولم يطبق أحكامه، ولم يطبق ويقوم بأوامره ويجتبي ويجتني ويجتني بنواهيه، فيقول: آه، لا أدري، فيقال له: من هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: آه، لا أدري، لا يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يؤمن به ولم يصدقه ولم يتبعه، فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ». هكذا يعامل هذا الكافر بهذه المعاملة، ويعجل بهذه العقوبة وبهذا العذاب، ربما كان في الدنيا يلبس أحسن الثياب وينام على أحسن الفرش ويأكل أحسن الأطعمة، وهو في غفلة عظيمة وفي بعد عظيم عن الإيمان بالله ورسوله، فانقلبت عليه الأحوال وتغيرت عليه الأوضاع، وكان هذا مصيره وهذه عاقبته: الجحيم والنار والعذاب الأليم، فينقلب من تلك الحياة الدنيوية إلى تلك الحياة البرزخية التي يعذب فيها وينكل بها. قال عليه الصلاة والسلام: « ويلتأم عليه قبره حتى تختلف عليه أضلاعه »، وفي رواية: « يقال له: لا دريت ولا تليت »، فيما يضرب بمرزبة من حديد، أي بمطرقة عظيمة، جاء في بعض أوصافها فيما ذكره الإمام عبد الرزاق في مصنفه: أن تلك المرزبة لو اجتمع أهل منا ليحملوها لم يستطيعوا ذلك، فيضربه ضربة فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ولو سمعوا لصعقوا. نعم عباد الله، ثم يأتيه رجل خبيث المنظر، خبيث اللون، ذو رائحة كريهة، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، يبشر، يبشر بمظهره بما لهذا الكافر من الشر والعذاب والعقوبة، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك السيء، أنا عملك السيء، أنا تضييعك للصلوات، أنا ارتكابك للمنكرات، أنا فعلك للزنا وشربك للخمر والمسكرات وغير ذلك مما حرم الله سبحانه وتعالى، فيقول: أنا عملك السيء، فما علمتك إلا سريعا في معصية الله، بطيئا عن طاعة الله، فجازاك الله شرا. أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، هكذا يكون الفرق العظيم بين حال المؤمن في احتضاره وموته وما يبشر به من الرضوان والرحمة والنعيم، وحال هذا الكافر والفاجر عند موته واحتضاره وما يبشر به من النكال والعذاب الأليم، وما يكون في أحواله وحياته البرزخية من عذاب ونكال وخزي، كذلك، وكذلك ما يكون فيه من ذلة وهوان. ولذلك عباد الله ينبغي للمسلم أن يعلم علم اليقين الذي لا شك فيه ولا ارتياب أن الإنسان إذا انتقل من هذه الدنيا ومن هذه الحياة إلى الحياة البرزخية التي هي وسط بين الدنيا والآخرة وهي من أوائل أحواله الأخروية، أنه إما أن يكون منعما وإما أن يكون معذبا، إما أن يكون قبره روضة من رياض الجنان وإما أن يكون حفرة من حفر النيران. وقد أخبر ربنا جل وعلا في كتابه الكريم، ونبينا عليه الصلاة والسلام في سنته في أحاديث كثيرة في إثبات عذاب القبر ونعيمه، وأجمع على ذلك أهل السنة والجماعة، وربنا جل وعلا يقول: ﴿ النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾، فأخبر الله عز وجل بعذاب آل فرعون في حياتهم البرزخية بقوله: ﴿ النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ﴾، أي في حياتهم البرزخية، بدليل قوله بعد ذلك: ﴿ ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾، ولهذا الإمام البخاري رحمه الله استدل بهذه الآية على إثبات عذاب القبر، فقال في صحيحه: باب من عذاب القبر، ثم ذكر هذه الآية واستدل بها، واستدل بها غير واحد من أهل العلم، وهكذا كذلك آيات كثر وأحاديث كثيرة أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولعلنا نذكر شيئا من ذلك في مقام آخر بإذن الله رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وقوموا إلى صلاتكم.