خطر اللسان على بني الإنسان

خطر اللسان على بني الإنسان

الخطبة بعنوان خطر اللسان على بني الإنسان، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 19 صفر 1446هـ الموافق 23 أغسطس 2024م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل اللسان وخطر الكلمة

يستهل الخطيب الحديث بنعمة اللسان العظيمة، مبيناً أن الكلمة الواحدة قد تكون سبباً للرفعة عند الله أو الهوى في النار، داعياً إلى مراقبة اللسان والتفكر قبل النطق.

أحاديث وقصص في خطورة اللسان

يسرد الخطيب أدلة نبوية وقصصاً تبرز خطر اللسان: امرأة دخلت النار لإيذاء جيرانها، ورجل أحبط عمله بقسمه، ونصيحة النبي لمعاذ بكف اللسان، وقصة لقمان الدالة على أن اللسان والقلب أطيب الأعضاء إذا طابا وأخبثهما إذا خبثا.

آفات اللسان وفضيلة الذكر

يستعرض المقطع آفات اللسان من غيبة ونميمة وكذب، وأن الأعضاء تشكو إلى الله من فحشه، مقابل فضيلة إبقاء اللسان رطباً بذكر الله وقراءة القرآن والأذكار، داعياً لحبسه عما يغضب الله وإطلاقه في طاعته.

أسباب النجاة: حفظ اللسان والانكفاء والبكاء

يختم الخطيب بسبيل النجاة المتمثل في كتمان اللسان، والاكتفاء بالبيت، والبكاء على الذنوب، محذراً من أن إطلاق اللسان قد يؤدي إلى الهلاك، ومؤكداً على حفظ اللسان لتجنب الخسارة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الرَّحْمَانُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. فالله جل وعلا امتن على هذا الإنسان بأن علمه البيان، أن يبين ما في نفسه بما جعل الله جل وعلا له من جارحة اللسان التي بها ينطق، وبها يتكلم، وبها يبين ما أراد. قال جل وعلا: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. هكذا يمن الله جل وعلا، امتن الله جل وعلا على هذا الإنسان بهذه الجارحة العظيمة، جارحة اللسان، التي هي صغيرة الحجم ولكنها عظيمة الشأن. نعم عباد الله، لربما رفعت صاحبها إلى أعلى الدرجات، أو ربما أوبقته في أسفل الدركات. ولذلك قال الإمام أبو حاتم رحمه الله في كتابه «روضة العقلاء»: «إن الله جل وعلا امتن على الإنسان بهذه الجارحة، جارحة اللسان، فإنها مع صغر حجمها فإن أمرها عظيم، إن أمرها عظيم، إن استعملها العبد في طاعة الله سبحانه وتعالى كانت سببًا في نجاته وفلاحه، وإن استعملها في معصية الله كانت سببًا في خسارته وهلاكه». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا، تكون من رضوان الله، يرفعه الله جل وعلا بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالًا، تهوي به في النار». انظروا يا عباد الله، كلمة يتكلم بها الإنسان وينطق بها بلسانه، لا ينظر في هذه الكلمة، ولا يتفكر، ولا كذلك أيضًا يقف عندها: هل هذه الكلمة تقربه إلى الله أم تبعده من الله سبحانه وتعالى؟ هل يحل له أن ينطق بها أم يحرم عليه التكلم بها؟ لا يلقي لها بالًا، فإن كانت من رضوان الله ومما يحبه الله رفعته عند الله جل وعلا الدرجات العظيمة، وإن كانت من سخط الله ومما يغضب الله كانت سببًا في أن تهوي به في النار سبعين خريفًا، كلمة تخرج على لسانه بكل سهولة وبكل يسر وعدم عسر، ولكنها يكون لها شأن عظيم عند الله سبحانه وتعالى. وانظروا عباد الله ما جاء في صحيح الترغيب والترهيب، لما ذكر للنبي عليه الصلاة والسلام امرأة من صلاتها كذا وكذا، ومن صيامها كذا وكذا، أي أنها كثيرة الصلاة وكثيرة الصيام وكثيرة الصدقة، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا خير فيها، هي في النار، لا خير فيها، هي في النار». هكذا كان مصيرها بسبب لسانها. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين أوصاه كما عند الترمذي: «ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟» قال: بلى يا رسول الله. قال: «كف عليك هذا» -أي اللسان-. قال: يا رسول الله، أو إنا لمؤاخذون بما نتحدث به؟ قال: «فكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟» أي: هل يدخل الناس النار، وكذلك يكبون فيها على وجوههم، إلا بسبب هذه الألسن وما اقترفته من الكلام والحديث الذي لا يبالي به صاحبه. وفي صحيح الإمام مسلم عن جندب رضي الله عنه: ذاك الرجل الطائع المستقيم الذي كان ينصح صاحبه الذي كان يقع في المعصية، فلما أكثر عليه أبى أن يستجيب له، فما كان من هذا المطيع إلا أن قال: «والله لا يغفر الله لك، والله لا يغفر الله لك». قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي أن يحلف علي أن لا أغفر لفلان؟ لقد غفرت له وأحبطت عملك، لقد غفرت له وأحبطت عملك». قال أبو هريرة رضي الله عنه: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. انظروا يا عباد الله، مع أنه ما أنزل هذه الكلمة إلا غيرة على محارم الله، وكذلك رجاء في الأجر والثواب من الله، ولكنه أخطأ في هذه الكلمة وفي هذه العبارة، وتألى على الله وما كان له ذلك، فكان ذلك سببًا في حبط أعماله. فلذلك عباد الله، إن شأن هذه الجارحة شأن عظيم، شأن عظيم. كيف لا وهي أطيب ما في الإنسان أو أخبث ما في الإنسان؟ هو اللسان والقلب. هاتان الجارحتان: إذا طاب القلب طاب اللسان، وإذا خبث القلب خبث اللسان. لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده، فلم يبق إلا صورة اللحم والدم. روى الإمام أحمد في الزهد أن لقمان قيل له -قال له سيد-: «اذبح شاة». فذبحها. قال: «ائتني بأطيب مضغتين فيها». قال: فأتاه بالقلب واللسان. ثم أمره أن يذبح شاة أخرى، فذبحها. قال: «ائتني بأخبث مضغتين». قال: فأتاه بالقلب واللسان. فقال: «أمرتك أن تأتيني بأطيب ما فيها فجئتني بالقلب واللسان، وأمرتك أن تأتيني بأخبث ما فيها فأتيتني بالقلب واللسان». قال: «نعم، فلا أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا». جميع هذه الجوارح في جسم الإنسان تخضع وتذل لهذه الجارحة. جاء عند الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أصبح ابن آدم فإن الجوارح كلها تكفر اللسان» -أي تخضع وتذل له- «تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن عوججت عوججنا». انظروا كيف تخضع هذه الجوارح لهذه الجارحة. بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن ما من شيء في هذا الجسد إلا وهو يشكو إلى الله ذرب اللسان -أي فحشه-، رواه البيهقي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه. جميع ما في جسد الإنسان من الجوارح والأعضاء تشكو إلى الله جل وعلا ذرب اللسان، أي فحش اللسان. هذا يدلنا عباد الله على خطورة هذه الجارحة، إن لم يصنها صاحبها عما حرم الله وعما يغضب الله، لكان سببًا كما سمعتم في خسارته وهلاكه، خسارة عظيمة. فلذلك عباد الله، ربنا جل وعلا يقول مبينًا ومخبرًا أن ما يتلفظ به الإنسان مسجل عليه ومحاسب عليه عند الله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. ويقول جل وعلا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. من تأمل في كثير من الذنوب وكثير من المعاصي التي تكون سببًا في هلاك صاحبها، يراها من جارحة اللسان: الغيبة، والنميمة، والكذب، وشهادة الزور، واللمز، والهمز، والاستهزاء، والسخرية، والسب، والشتم، واللعن، إلى آخر ذلك من آفات هذه الجارحة. انظروا كيف يخرج كل ذلك من جارحة اللسان. وهكذا إذا استعملها العبد في طاعة الله فإنها ترفعه الدرجات العالية. إن كان مسخرًا هذا اللسان في ذكر الله جل وعلا، فلا شيء أفضل من ذلك وأعظم قربة إلى الله. لما قال عبد الله بن بسر رضي الله عنه: «يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به ولا تكثر علي فأنسى». قال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله، لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله». أي: كثير الذكر لله جل وعلا، حتى يجري الذكر على اللسان من غير تكلف، ومن غير كذلك مشقة. فإذا كان اللسان كذلك ذاكرًا لله، ذاكرًا لله من قراءة للقرآن، وتسبيح، وتكبير، وتحميد، وتهليل، واستغفار، وغير ذلك من الأذكار التي يحبها الله، فلا شك أن أعمال هذا العبد ستكون عظيمة، وذنوبه ستحط بما له من ذكر لله سبحانه وتعالى. فانظر يا عباد الله إلى الفارق العظيم بين من سخر لسانه في طاعة الله، ومن سخر لسانه في معصية الله، وفي غضب الله، وفي أسباب سخط الله سبحانه وتعالى. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن المسلم ينبغي أن يأخذ بلسانه إلى ما فيه مرضاة الله سبحانه وتعالى، فيكون محاسبًا له، وآخذًا بزمامه إلى ما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى، وحابسًا له عما يغضب الله. روى الإمام وكيع في الزهد عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «والله الذي لا إله غيره، ما شيء أحق بطول حبس من اللسان، ما شيء أحق بطول حبس من اللسان». فاللسان يحتاج إلى حبس، أن يحبسه صاحبه، وذلك بالسكوت والصمت، وأن لا يتكلم إلا بما يحب الله جل وعلا. وفي سنن الترمذي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه قال: «يا رسول الله، من نجاة؟» -أي: ما هو السبيل إلى النجاة والفوز والفلاح؟- قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك». أول ما ذكر له من أسباب النجاة هو أن يمسك لسانه، أن يحبس هذا اللسان عن الكلام وعن النطق. ولذلك لأنه كما سمعتم إذا أطلق الإنسان لسانه لربما كانت سببًا في خسارته وهلاكه. ولذلك كما قيل: احفظ لسانك أيها الإنسان لا يلد