شرح مختصر سيرة الرسول 120

شرح مختصر سيرة الرسول 120

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 120، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

دواعي إطالة المؤلف في ذكر حروب الردة وبدء تحركات خالد

يوضح المتحدث أن المؤلف أطال في تفصيل حروب الردة لربطها بواقع دعوة التوحيد في عصره، مبيناً أن التوحيد يتطلب اعتقاداً وعملاً لا مجرد لفظ. ثم ينتقل لذكر تقديم خالد بن الوليد طلائعه من البطاح وإرساله كشافة لاستطلاع أرض بني تميم قبل المواجهة.

أسر مجاعة بن مرارة وموقفه من مسيلمة الكذاب

أرسل خالد بن الوليد مئتي فارس فأسر مجاعة بن مرارة وثلاثة وعشرين من قومه، ولما شهدوا أن مسيلمة رسول الله ضرب خالد أعناقهم. ادعى مجاعة إسلامه السابق فحبسه خالد ولم يقتله، واحتج بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى فرد عليه خالد بأن سكوته ورضاه بأمر مسيلمة يعد إقراراً به.

حجة خالد بن الوليد على مجاعة وإثبات كذب مسيلمة

يوضح المقطع كيف احتج خالد بن الوليد على مجاعة بأن من عاش بين أهل الباطل ولم ينكر عليهم ولا تبرأ منهم فهو منهم. استدل بقراءة القرآن مقابل رجز مسيلمة ليبين الفرق، معتمداً على ثقته بنصر الله رغم كثرة عدد العدو.

ختام الدرس والإعلان عن استكماله لاحقاً

يعلن المتحدث عن انتهاء الجزء الحالي من الدرس، ويشير إلى أن ما تبقى سيتم استكماله في درس قادم إن شاء الله. مختتماً بالبسملة والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا فيما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من ذكر قتال أهل الردة، وقد أطال المؤلف في ذلك وفصل هذه الأحداث تفصيلاً دقيقاً ومطولاً. فإذا سألنا سؤالاً: لماذا اعتنى المؤلف بهذه الأحداث وأطال فيها؟ فماذا يكون الجواب؟ هل أحد عنده جواب لماذا أطال المؤلف في هذه الأحداث وفي ذكر تفاصيلها؟ نعم، عندك. نعم، يريد أن يربط هذه الأحداث بواقعه الذي يعيشه، فإن في زمنه كثر أهل الشرك ممن يدعون غير الله، يستغيثون بغير الله، بل قرى بأكملها ما تجد فيها موحداً، كلهم نشأوا على الوثنية وعبادة القبور. فلما وفقه الله رحمه الله مع أمير البلاد لإقامة دعوة التوحيد، كانوا يدعون أهل هذه القرى إلى التوحيد، فمن استجاب لهم تركوه، ومن أبى قاتلوه. فهذا وجه من أوجه الشبه بين قتال أهل الردة وبين قتال أهل الوثنية. ووجه آخر كما ذكر حون عائض: أن أهل الشرك لهم شبه يعارضون بها دعاة التوحيد ودعوة التوحيد. فمن هذه الشبه يقولون: نحن نقول لا إله إلا الله ونصلي، فإذن لماذا تقاتلوننا ولماذا تكفروننا وترموننا بالشرك وعبادة غير الله، وها نحن نقول لا إله إلا الله؟ فيقال لهم: لا إله إلا الله ليست كلمة تقال باللسان، بل لا بد أن يعتقدها الجنان، وأن يعمل القلب بمقتضاها، وأن تخضع الجوارح لكذلك مقتضاها. فهؤلاء أهل الردة قاتلهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وأرسل إليهم جيشه بقيادة خالد بن الوليد يتتبع قراهم قرية قرية، فمن أسلم ورجع قبل، ومن أبى وأصر قتل. وهكذا هي دعوة التوحيد، لو كان هناك حاكم من أهل التوحيد وله القوة وكذلك القدرة على طمس معالم الشرك في جميع البلاد، لا أقول الكافر بل الإسلامية، لوجب عليه ذلك كما فعل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله مع الأمير في ذاك. فأراد من هذا أن يبين هذا الأمر، وأن قتال من ترك أصلاً من أصول الإسلام يقتضي قتاله، ويقتضي منازلته، وجب القتال، ووجب كذلك الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى. قال: ذكر تقديم خالد الطلائع من البطاح. البطاح هذه تقدمت معنا في أول... في أول حرب أو عزم أبي بكر على قتال أهل الردة. فمن يذكر أين ذكر هذا الاسم "البطاح"؟ نعم، أي من أول واحد يفتش إذا ما تحفظون. أول واحد يفتش يذكرها. هل وجدتموها؟ نعم، من يقول أنا... البطاح أين مرت بنا هذه؟ أول ما عزم أبو بكر رضي الله عنه على قتال أهل الردة... البطاح أو البطاح... أبو بحيث... أبو بحيث... أبو بحيث... أبو بحيث... أبو بحيث... أبو بحيث... أبو بحيث... قصة الردة ما ذكرت هذه البلد ما ذكرت. قال: ذكر تقديم خالد الطلائع من البطاح. قال: لما سار خالد من البطاح وجاء أرض بني تميم، قدم مئتي فارس عليهم معن بن عدي، وقدم عينين له أمامه، يعني جعل استطلاع قبل أن يأتي إليهم، فقدم مئتي فارس وقدم عينين. ومعنى عينين يعني جاسوسين، تطلق العين هنا على التجسس، أرسل عينه أي أرسل جاسوساً ينظر ما عند القوم، وينظر كذلك ما مدى استعداد القوم. قال: فإن مرت معنا... أي... أي نعم، مرت معنا. نعم، مرت معنا هذه. قال: وذكر الواقدي أن خالداً لما قدم العرف... أي أيضاً بلد أو موقع، قدم مئتي فارس وقال: من أصبت من الناس فخذوه، يعني من وجدت من الناس فأسره. فانطلقوا وأخذوا مجاعة بن مرارة في ثلاثة... في ثلاثة وعشرين رجلاً من قومه، خرجوا في طلب رجل أصاب فيهم دماً، وهم لا يشعرون بإقبال خالد. يعني أن هؤلاء الذين قدمهم وجدوا مجاعة بن مرارة في ثلاثة وعشرين من قومه، فخرج مجاعة يبحثون عن رجل قتل فيهم قتيلاً، هذا معنى أصاب فيهم دماً، وهم لا يشعرون بإقبال خالد، يعني ما عندهم علم. مجاعة ومن معه ما عندهم علم بقدوم خالد. فسألوهم، أي الصحابة سألوا هؤلاء: ممن أنتم؟ فقالوا: من بني حنيفة، يعني من جماعة من مسيلمة، من جماعة مسيلمة الكذاب. فقالوا، أي الصحابة: قالوا لهم: ما تقولون في صاحبكم؟ أي في مسيلمة. فشهدوا أنه رسول الله، يعني يعتقدون فيه ذلك أن مسيلمة رسول الله. فقالوا لمجاعة: ما تقول أنت؟ فقال... أي المسلمون قالوا لمجاعة: ما تقول أنت؟ لأن الذي تكلم هو بعض قومه، أما هو لم يتكلم بالسؤال الأول. فقال: ما كنت أقرب مسيلمة، وقد قدمت على رسول الله فأسلمت، وما غيرت ولا بدلت. فضرب خالد أعناقهم، يعني الذين قالوا: نشهد أنه رسول الله، لما أتي بهم إلى خالد رضي الله عنه ضرب أعناقهم لأنهم مرتدون. قال: حتى إذا بقي ساري بن عامر، يعني رجل منهم، قال: يا خالد، إن كنت تريد بأهل اليمامة خيراً أو شراً فاستبقي مجاعة، يعني اترك مجاعة لا تقتله. وكان مجاعة شريفاً، يعني له مكان عند قومه، فلم يقتله وترك أيضاً سارية، وأمر بهما فأوثق في جوامع... في جوامع من حديد، يعني ربطا. وكان يدعو مجاعة وهو كذلك، يعني وهو مقيد، يتحدث معه، يعني خالد يتحدث معه، وهو يظن أن خالداً يقتله. فقال: يا ابن المغيرة، يعني مجاعة يقول لخالد لأن خالد من بني المغيرة، هو خالد بن الوليد بن المغيرة. فقال له: يا ابن المغيرة، إن لي إسلاماً، يعني يقول لخالد أنني مسلم، والله ما كفرت، وأعاد كلامه الأول. فقال خالد: إن بين القتل والترك منزلة وهو الحبس، يعني أنا ما سأقتلك وما قتلتك وإنما حبستك، فهذه منزلة بين القتل والترك، ما سأتركك تماماً ولا أقتلك وإنما أحبسك. قال: وهي الحبس حتى يقضي الله في حربنا ما هو قاض. ودفعه إلى أم تميم زوجته، وأمرها أن تحسن إساره، يعني أن تحسن إليه. وأم تميم هي زوجة خالد. فظن مجاعة أن خالداً يريد حبسه لأجل أن يخبره عن عدوه ويشير عليه، يعني حتى يأخذ منه أسرار قومه. فقال: يا خالد، لقد علمت أني قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس، يعني ما غيرت ولا بدلت ولا ارتددت. فإن يكن كذاب خرج فينا فإن الله يقول: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾، يعني إن كان كذاباً فما ذنب أنا؟ أنا لا أؤيده ولا أنصره، فالوزر عليه، فلا تزر وازرة وزر أخرى. فقال: يا مجاعة، تركت اليوم... أو تركت اليوم ما كنت عليه بالأمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه وأنت أعز أهل اليمامة، وقد بلغك مسيري إقراراً له ورضا بما جاء به، فهلا أبديت عذراً فتكلمت في من تكلم؟ فقد تكلم ثمامة فرد وأنكر، وتكلم ليشكري. فإن قلت: أخاف قومي، فهلا عمدت إلي أو بعث إلي رسول؟ انظر إلى قوة حجج خالد بن الوليد في إدانة هذا الرجل. وهذه قاعدة ينبغي أن يسير عليها المسلم في حياته: أي إنسان أبدى تراجعاً أو أبدى توبة، فيقال له: أين كنت من قبل وأنت بين القوم ولم تنكر عليهم ولم تلحق بأهل الحق؟ فكيف بعد ذلك تقول: أنا لست منهم؟ لا بد أولاً أن تتبرأ من طريقتهم ومن منهجهم ومن سلوكهم، ثم بعد ذلك ترجع إلى أهل الحق، ترجع إلى أهل الحق. أما أن تكون في أوساطهم وتعيش بين ظهرانيهم ثم بعد ذلك لا تبدي إنكاراً ولا تبرؤاً منهم، فهذا دليل على أنك معهم ومنهم وفيهم. فهكذا حاج خالد هذا الرجل المجاعة، وأنه في الحقيقة هو من القوم. ولذلك جاء عن السلف أنهم قالوا: إذا أردت أن تحكم على الرجل أهو من أهل السنة أو من أهل البدع، فانظر إلى مخرجه ومدخله، مع من يجلس، ومع من يذهب، ومع من يجيء، فإن الطيور على أشكالها تقع. الذي يجالس أهل البدع ويجالس أهل الضلال ويجالس أهل الأهواء ثم يقول لك: أنا لست بمبتدع ولا حزبي وإنما أنا من أهل السنة، ولا تجد له ارتباطاً بأهل السنة لا في مساجدهم ولا في مجالسهم ولا في دروسهم ولا في نصرتهم، بل تجده مغموساً بين أهل البدع، فكيف هذا يكون من أهل السنة؟ فهذا محال. فهكذا رد خالد على هذا الرجل، وبين لأن أناساً كانوا عند هؤلاء القوم، قوم مسيلمة، فأنكروا على مسيلمة كما مر معنا في ثمامة وفي اليشكر، كيف أنهم أنكروا على قومهم وبينوا كذب هذا الكذاب مسيلمة. طيب، قال: فقال: إن رأيت يا ابن المغيرة أن تعفو عن هذا كله. فقال: قد عفوت عن دمك ولكن في نفسي من تركك حرج، أنا ما سأقتلك لكن سأحبسك إلى أن يتضح الأمر وتنتهي الحرب، ويقضي الله أمراً كان مفعولاً. فقال له ذات يوم: أخبرني عن صاحبك، يعني خالد يقول لمجاعة وهو مأسور مقيد: أخبرني عن صاحبك، ما الذي يقرئك؟ ليش القرآن الذي عنده؟ يعني مسيلمة، هل تحفظ منه شيئاً؟ هل تحفظ شيئاً مما جاء به مسيلمة؟ قال: نعم، فذكر له شيئاً من رجزه. فضرب خالد بإحدى يديه على الأخرى وقال: يا معشر المسلمين، اسمعوا إلى عدو الله كيف يعارض القرآن، يعني مسيلمة. فقال: ويحك يا مجاعة، أراك سيداً عاقلاً، تسمعوا إلى كتاب الله ثم انظر كيف عارضه عدو الله. فقرأ عليه خالد: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴾، ثم قال خالد: أفما كان في هذا لكم ناهٍ ولا زاجر؟ ثم قال: هاتي من كذب الخبيث، يعني زد مما يقول لكم هذا الخبيث، يعني مسيلمة. فذكر له بعض رجزه. فقال خالد: وقد كان عندكم حقاً وكنتم تصدقونه. فقال: لو لم يكن عندنا حقاً لما لقيك غداً أكثر من عشرة آلاف سيف، يعني أنهم كانوا مع مسيلمة وجمع له من قومه من يقاتلون من أجله. قال: لو لم يكن عندنا حقاً لما لقيك غداً أكثر من عشرة آلاف سيف يضاربونك حتى يموت الأعجل، يعني الأول. فقال خالد: إذا يكفيناهم الله ويقر دينه، فإياه يعبدون ودينه يؤيدون. وهذا فيه ثقة خالد بربه. نعم، فلم يهب... أو فلم يهب كثرة عدد مسيلمة ولا نصرتهم له، وإنما علق قلبه بالله. إذن يكفيناهم الله، أي حسبنا الله وكافينا شرهم، والله عز وجل ينصر دينه ويقر دينه، فإياه يعبدون ودينه يؤيدون. نعم، طيب، نكتفي بهذا ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا والله تعالى.