الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 77، ألقاها
يشرح المقطع اعتقاد أهل السنة في محبة الله تعالى، ويبين أن الله يحب ويُحب. يُناقش أيضًا أصول الإيمان المتفق عليها بين الأنبياء.
يناقش إنكار الجهمية لمفهوم المحبة الإلهية وتأثيرهم على المعتزلة، حيث زعموا أن المحبة تتطلب مناسبة بين المحب والمحبوب.
يتناول أصول الإيمان المتفق عليها بين الأنبياء والاختلاف حولها بينهم وبين أعدائهم، مع التركيز على موقف الفلاسفة والمعتزلة.
تتناول الأصول الخمسة للمعتزلة وهي التوحيد والعدل والنبوة والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله: ونقول إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما، إيمانا وتصديقا وتسليما. قال الشارح رحمه الله: قال الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾، وقال تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾، الخلة كمال المحبة، وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين، زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة، وكذلك أنكروا حقيقة التكليم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: ونقول إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وكلم الله موسى تكليما إيمانا وتصديقا، هذا شروع منه في ذكر بعض صفات الرحمن جل وعلا، وذكر من هذه الصفات صفة الخلة من الله رب العالمين لإبراهيم عليه السلام، وكذلك صفة الكلام لله رب العالمين. قال رحمه الله: قال الشارح رحمه الله، وقال الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾، وهذه آية تدل على هذا المعنى لذكره الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى، وقال تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾، وهذا كذلك يدل على ما ذكره الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى من قوله: وكلم الله موسى تكليما. وقوله: الخلة كمال المحبة، قد دار الكلام على الخلة، وكذلك على غيرها من مراتب المحبة. وقوله رحمه الله تعالى: وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين، معناه أن الجهمية أنكروا المحبة من جهة الرب جل وعلا ومن جهة العبد، فقالوا: إن الله جل وعلا لا يحب ولا يحب، والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، والله عز وجل في آيات كثيرة ذكر خصالا من الخصال المحمودة، ثم أخبر الله جل وعلا بأنه يحبها. وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد، وجاء كذلك من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنهما جميعا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، فهذا فيه دلالة على أن الله جل وعلا يحب وأنه جل وعلا يحب. وهل السنة والجماعة يقولون بهذه العقيدة ويعتقدونها ويعتقدون صدق هذا الأمر وأنه حق على حقيقته ويؤمنون بهذا المعنى؟ وفي المقابل، الجهمية المحضة أنكرت المحبة من الجهتين، كما ذكرنا: من جهة الرب جل وعلا ومن جهة العبد، ومنهم ومن طوائف أهل البدع من سلك طريقا وسطا، فقال بأن الله جل وعلا يحب ولا يحب، كالأشاعرة ومن كان على شاكلتهم، يقولون بأن الله جل وعلا يحب، ولكن الله جل وعلا لا يحب، لماذا؟ قالوا: لأن حقيقة الحب الميل إلى الغير، وحقيقة الميل إلى الغير هو معنى الحاجة إلى الغير. فأنكروا المحبة من جهة الرب جل وعلا كالجهمية، وأثبتوا من جهة العبد، فقالوا بأن الله جل وعلا يحب، بأن العباد يحبونه. وما ذكر في الآيات المذكورات في أن الله جل وعلا يحب، قالوا: معنى يحب أن يريد ثوابا، يريد إثابة المتقين الصابرين إلى غير ذلك مما ذكر الله جل وعلا بأنه يحب تلك الأعمال، بمعنى أن الله جل وعلا يثيبهم أو يريد إثابتهم. وهذا الكلام باطل، فهذا لازم المحبة، وأما المحبة من حيث هي فهي محبة لائقة بالله جل وعلا، لا يلزم منها نقص من وجه من الوجوه. قال رحمه الله: وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين، زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، كما تقدم، وأنه لا مناسبة بين القديم أي بين الله جل وعلا والمحدث أي المخلوق توجب المحبة. فلأجل هذا المعنى نفوا المحبة عن الله رب العالمين. قال: وكذلك أنكروا حقيقة التكليم كما تقدم. قال رحمه الله: وكان أول من ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن درهم في أوائل المئة الثانية، فذبحه خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط، خطب الناس يوم الأضحى، فقال: «أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما»، ثم نزل فذبحه. وكان ذلك بفتوى أهل زمانه من علماء التابعين رضي الله عنهم، فجزاه الله عن الدين وأهله خيرا. وقصة خالد القسري رحمه الله تعالى وذبحه للجعد مشهورة، وذبحه للجعد بن درهم مصطورة ومع هذا، يعني بحسب الأسانيد الذي رأيناها وقفنا عليها، لا يخلو شيء منها مما قال، إلا أن العلماء رحمهم الله تعالى يتداولونها في كتبهم، الأئمة رحمهم الله تعالى يتداولونها في كتبهم دون نكير، فشهرتها كما قيل تغني عن الإسناد، والله أعلى وأعلم. قال رحمه الله: وأخذ هذا المذهب عن الجعد الجهم بن صفوان، فأظهره وناظر عليه، وإليه أضيف قول الجهمية، فقتله سلم بن أحوز، سلم بن أحوز أمير خراسان بها. وكذلك الجهم بن صفوان هو الذي أخذ المقالة عن الجعد وأظهرها ونشرها، يعني أسسها الجعد وأظهرها ونسبت إليه الفرقة الجهمية إلى الجهم، لماذا؟ لأنه هو الذي أظهرها وأشهرها. قال رحمه الله: ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة في أتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم في أثناء خلافة المأمون، حتى امتحن أئمة الإسلام ودعوهم إلى الموافقة لهم على ذلك. وهذا حينما صنع المأمون العباسي رحمه الله، يقولون بأنه كان شغفا بالإطلاع والقراءة، فكان حوله من كان من أهل الأهواء من المعتزلة وغيرهم، فرغبوا له بترجمة كتب اليونان والعجم، فترجمت تلك الكتب، وانكب الناس على تلك الكتب. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين. قال الشارح رحمه الله: هذه الأمور من أركان الإيمان، قال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾ الآيات، وقال تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ الآية. فجعل الله سبحانه وتعالى الإيمان هو الإيمان بهذه الجملة، وسما من آمن بهذه الجملة مؤمنين، كما جعل الكافرين من كفر بهذه الجملة في قوله: ﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا﴾. وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المستفيض على صحته حديث جبرائيل وسؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، فهذه الأصول التي اتفقت عليها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه. ولم يؤمن بها حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل. قوله: فهذه الأصول التي اتفقت عليها الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، يدلنا على أن هذه الأصول متفق عليها بين الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، متفقون على هذه الأصول: على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، هذه أصول الإيمان التي يدور الإيمان عليها. قال رحمه الله: وأما أعداؤهم ومن سلك سبيلهم من الفلاسفة وأهل البدع، فهم متفاوتون في جحدها وإنكارها، وأعظم الناس لها إنكارا الفلاسفة المسمون عند من يعظمهم بالحكماء، فإن من علم حقيقة قولهم، علم أنهم لم يؤمنوا بالله ولا رسله ولا كتبه ولا ملائكته ولا باليوم الآخر، فإن مذهبهم أن الله سبحانه موجود لا ماهية له ولا حقيقة. فلا يعلم الجزئيات بأعيانها، وكل موجود في الخارج فهو جزئي، ولا يفعل عندهم بقدرته ومشيئته، وإنما العالم عندهم لازم له أزلا وأبدا. وإن سموه مفعولا له، فمصانعة ومصالحة للمسلمين في اللفظ، وليس عندهم بمفعول ولا مخلوق ولا مقدور عليه. وأول من عرف عنه هذا القول هو أرسطو، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال رحمه الله: وأما كتبه عندهم، فإنهم لا يصفونه بالكلام، فلا يكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول، والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر زاكي النفس طاهر، متميز عن النوع الإنسان بثلاث خصائص: قوة الإدراك وسرعته لينال من العلم أعظم ما يناله غيره، وقوة النفس ليؤثر بها في هيولى العالم ويقلب صورة إلى صورة، وقوة التخيل ليخيل بها القوة العقلية في أشكال محسوسة، وهي الملائكة عندهم. قال رحمه الله: وأما اليوم الآخر، فهم أشد الناس تكذيبا وإنكارا له في الأعيان، وعندهم أن هذا العالم لا يخرب ولا تنشق السماوات ولا تتفطر ولا تنكدر النجوم ولا تكور الشمس والقمر ولا يقوم الناس من قبورهم ويبعثون إلى جنة ونار، كل هذا عندهم أمثال مضروبة لتفهيم العوام، لا حقيقة لها في الخارج كما يفهم منها أتباع الرسل. قال رحمه الله: وقد أبدلتها المعتزلة بأصولهم الخمسة التي هدموا بها كثيرا من الدين، فإنهم بنوا أصل دينهم على الجسم والعرض الذي هو الموصوف والصفة عندهم، واحتجوا بالصفات التي هي الأعراض على حدوث الموصوف الذي هو الجسم، وتكلموا في التوحيد على هذا الأصل، فنفوا عن الله كل صفة تشبيها بالصفات الموجودة في الموصوفات التي هي الأجسام. ثم تكلموا بعد ذلك في أفعاله التي هي القدر، وسموا ذلك العدل، ثم تكلموا في النبوة والشرائع والأمر والنهي والوعد والوعيد، وهي مسائل الأسماء والأحكام التي هي المنزلة بين المنزلتين. فعلى هذا، تكون الأصول الخمسة للمعتزلة هي: التوحيد، والعدل، والنبوة، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والله أعلم.