الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 110، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
لم يسعَ أبو بكر الصديق للخلافة بل قبلها دفعاً للفتنة وحفظاً لوحدة المسلمين، مرشحاً عمر وأبا عبيدة في السقيفة. وقد أبرزت أحداث الردة والنفاق حكمة توليه الخلافة في تثبيت أركان الدين.
تناول المقطع موقف الأنصار في السقيفة وصلابة أبي بكر، مفسراً قول أبي هريرة: "لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله". وبين أن "لولا" قد تكون للإخبار الجائز أو للشرك الأصغر إن نُسبت النعمة لغير الله، مستدلاً بقول النبي عن عمه أبي طالب.
أصر أبو بكر على إرسال جيش أسامة بن زيد إلى الشام امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم رغم ارتداد القبائل ومطالبة الصحابة برده. وقد أدى انتصار الجيش إلى ثبات المرتدين على الإسلام، دليلاً على تعظيم الصحابة لسنة النبي.
أعلن المتحدث انتهاء الدرس الحالي مع تأجيل تفصيل قصة الردة للدرس القادم. وأشار في الختام إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": "قال: فضيلة أبي بكر الصديق وخلافته الراشدة. قال: وعن ربيعة أحد الصحابة رضي الله عنهم قال: قلت لأبي بكر رضي الله عنه: ما حملك على أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين؟ قال: لم أجد من ذلك بداً، خشيت على أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الفرقة". وفي رواية: "تخوفت أن تكون فتنة تكون بعدها ردة". وهذا فيه أن المسلم إذا رأى في تأمره وولايته مصلحة للإسلام والمسلمين، ودفعاً للفتن، وأنه أولى من غيره بهذا المنصب أو بتلك الخلافة، فإنه يقبل هذا الأمر ولا يتركه لغيره حتى لا تتشتت الأمة ولا تدب فيها الفتن ونحو ذلك. فلا شك أن الصحابة من أبعد الناس عن الإمارة بما علموا من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أنها حسرة وندامة يوم القيامة، إلا من أخذها بحقها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم إن أبا بكر لم يطلب الإمارة، فكما مر معنا في حديث السقيفة أن أبا بكر لما ذهب إلى الأنصار قال لهم: «بايعوا»، ومن ومن؟ هل قال: بايعوني؟ قال لهم: «بايعوا عمر»، ومن الآخر أبو عبيدة بن الجراح. فلم يذكر نفسه، وإنما الذي يعني اختاره هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فبايعه عمر، فقبل أبو بكر درءاً للفتنة ونزعاً للخلاف، أو كذلك، نعم، حتى لا تقع الأمة في الخلاف والشقاق. قالوا: عن عائشة... وهذا فيه فضيلة لأبي بكر إذ أن بتوليه اجتمع أمر المسلمين ورضي الجميع، وبقيت شوكة الإسلام والمسلمين. قالوا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اشرأب النفاق». اشرأب يعني: بدأ يظهر، بدأ يظهر وينشط النفاق. وكما تقدم معنا في حوادث كثيرة أن النفاق يظهر في وقت الفتن، في وقت الفتن. قال: «وارتدت العرب، وانحازت الأنصار». وارتداد العرب كما سيأتي معنا يعني على صور: منهم من امتنع من أداء الزكاة، ومنهم من ادعى النبوة فتبعه بعض العرب، ونحو ذلك. الحمد لله، أهديكم الله. قال: «وارتدت العرب، وانحازت الأنصار» يعني في السقيفة، يعني اجتمعوا ويريدون هذا الأمر. «فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها» أي: كسره ودقها، لأنه هاضه أي: كسره ودقه. وهذا يدل على صلابته وقوته وحنكته وفضله رضي الله تعالى عنه. قالت: «لهاضها فمختله في نقطة إلا طار أبي بفضلها». وهذا لم تقله على سبيل الفخر والتعالي، وإنما على سبيل ذكر الفضائل، وكذلك من باب كذلك معرفة فضله وقدره بين الصحابة. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «والذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله». ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة. وهذا كلمة «لولا» يعني فيها تفصيل. قولك مثلاً: «لولا الكلب أخذ متاعنا السارق»، و«لولا مثلاً الحارس لدخل السارق إلى بيتنا»، ونحو ذلك. هذا فيها تفصيل: إن قالها على سبيل الإخبار، ليس على سبيل نسبة ذلك إلى غير منعمها ومسببها وهو الله، وإنما قال ذلك على سبيل الإخبار. يأتي يسألك إنسان عن شيء، ما شاء الله أنت في خير وأنت في نعمة في مال، فتقول له مثلاً: «لولا أبي وما كان عليه من التجارة والبيع والشراء لصرت فقيراً». هذا من باب الإخبار، إن كان من باب الإخبار فهذا لا شيء فيه. لكن إذا كان من باب نسبة ذلك إلى غير المسبب والمنعم، وفي ذلك تناسٍ للمنعم، فهذا من الشرك الأصغر، نعم، وهذا من الشرك الأصغر. نعم، وعلى هذا يحمل قول أبي هريرة في هذا «لولا»: لأن أبا بكر استخلف ما عبد الله. ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن عمه أبي طالب، وكان يمنعه وكان ينصره، فقال له: «ما أغنيت عن عمك؟» قال: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». ما معنى «لولا أنا»؟ يعني: لولا شفاعتي. فهذا قالها عليه الصلاة والسلام إما من باب الإخبار، وإما من باب نسبة ذلك إلى نفسه لكنه غير متناسٍ، نعم، غير متناسٍ نسبتها إلى المنعم وإلى المسبب وهو الله سبحانه وتعالى. وهذا كثير في عبارات العلماء. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «والذي لا إله إلا هو، ولولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله». ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة. فقيل له: «مه يا أبا هريرة». فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم...» يعني «مه» كأنه يقال له: «لما قلت هذا الكلام» فبين السبب. قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب... وذو خشب موضع بالقرب من المدينة من المدينة، فلما نزل بذي خشب قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتدت العرب، واجتمع إليه الصحابة» أي: إلى أبي بكر، «فقالوا: أرد هؤلاء؟» يعني: أسامة والجنود الذين معه، «خلاص ألغي» يعني: إمرته، «ألغي إمرته وارجع جيشه». نعم، فقالوا له: «رد هؤلاء، توجه، ارجع، ارجع، أو رد هؤلاء». توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة، يعني: ابدأ أولاً بمن هم قريب منك. فقال: «أي أبو بكر، والذي لا إله إلا هو، لو جرت الكلاب بأرج لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشاً وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حللت لواء عقده». فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبائل بقبائل يريدون الارتداد إلا قالوا: «لولا أن لهؤلاء قوة نخرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم». فلقوا الروم فهزموهم، ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام، ولله الحمد. وهذا معناه ورد في الصحيحين، يعني: امتناع أبي بكر من عزل أسامة أو رد جيش أسامة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وفي هذا دليل على تعظيم الصحابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حياته وكذلك بعد مماته، فمن شدة اتباعهم لنبيهم عليه الصلاة والسلام امتنع أبو بكر من أن يرد جيش أسامة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وكان في ذلك، وكان في ذلك الخير الكثير. وهذا فيه أيضاً أن العمل بسنة النبي عليه الصلاة والسلام فيها الفوز، وفيها النصر، وفيها الخير. نعم. فانظر إلى هؤلاء المرتدين الذين نووا الارتداد عن الدين، فلما رأوا معسكر المسلمين يمشي ويزحف إلى الروم قالوا: كيف نخرج على هؤلاء؟ هؤلاء غاية في القوة، لو لم يكونوا أقوياء لما أخرجوا هذا الجيش والناس قد ارتدت، وكذلك خرجت عن الإسلام. فإذن هذا دليل قوتهم. لكن نحن ننظر هذا الآن كفيصل لنا: هل نستمر في ارتدادنا أو نثبت على ديننا وعلى ما كنا عليه من الإسلام؟ فإن انتصر أسامة وجيشه على الروم فهذا دليل على قوة الإسلام وأنه الدين الحق، وإن هزموا فهذا دليل على ضعفهم، فحق لنا أن نرتد. فكان نصر المسلمين على الروم فثبتوا على الإسلام. وهذا بعضهم، وإلا فبعض من ارتد استمر على ارتداده حتى قاتلهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. طيب، نكتفي بهذا لأن قصة الردة طويلة، فلعلنا إن شاء الله نقرؤها في الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر