شرح حائية ابن أبي داود 14

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 14، الدرس الرابع عشر:من( وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... وكلتا يديه بالفواضل تنفح ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إثبات صفة اليدين والرد على الجهمية واليهود

يستعرض الدليل القرآني والسني على ثبوت صفة اليدين واليمين لله تعالى، ويرد على شبهات الجهمية المنكرين للصفات. يوضح أن إنكار الله على اليهود في قوله {يد الله مغلولة} منصب على وصفهم اليد بالغل لا على إثبات اليد ذاتها، مؤكداً أن يداه مبسوطتان تنفقان كيف يشاء.

تكريم آدم بخلقه بيدين حقيقيتين والرد على التأويل

يبين أن خلق الله لآدم بيده حقيقة تكريم واختصاص له، ويرد على من يؤول اليد بالقدرة أو النعمة بأن ذلك يعم المخلوقات فلا يكون مزية. يستدل بالآيات والأحاديث الواردة بلفظ المفرد والتثنية والجمع على إثبات يدين حقيقيتين تليقان بجلال الله.

الدلالة اللغوية والحديثية على ثبوت اليدين والانتقال لصفة النزول

يقرر أن ورود اليد في القرآن بلفظ المفرد أو الجمع لا ينافي ثبوت اليدين الحقيقيتين، مستدلاً بقواعد اللغة والأحاديث الصحيحة. يرد تأويلات الجهمية الباطلة القائلة بأنها القدرة أو النعمة، ثم ينتقل لذكر صفة النزول كصفة فعلية ثابتة بالأحاديث المتواترة.

نزول الرب في الثلث الأخير وإجابة الداعين والمستغفرين

يروي حديث أبي هريرة عن نزول ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل. يبرز هذا النزول عظيم رحمة الله واستجابته لعباده حيث ينادي: هل من مستغفر فأغفر له، وهل من داع فأستجيب له.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله ورحمة الله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فنواصل في ذكر أبيات الحائية لابن أبي داود رحمه الله. وكان آخر الكلام فيما يتعلق برؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة. ثم ذكر بعد ذلك رحمه الله فقال: "وقد ينكر الجهمي أيضا يمينه، وكلت يديه بالفواضل تنفح"، وفي نسخة: "تنبح". وكلت يديه بالفواضل تنبح. ففي هذا البيت أراد أن يبين رحمه الله إثبات صفة اليمين لله جل وعلا، وإثبات صفة اليدين لله عز وجل، هذا الذي ينكره الجهمية. فقال: "وقد ينكر الجهمي"، و"قد" هنا للتحقيق، أي أن هذا الأمر ينكره الجهمية، فلا يثبتون صفة اليمين لله عز وجل، ولا صفة اليدين لله سبحانه وتعالى. وصفة اليمين ثبتت لله عز وجل في القرآن والسنة. قد جاء في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67]. ففي هذه الآية إثبات صفة اليمين لله جل وعلا، وأن السماوات مطويات بيمينه جل وعلا. وفي صحيح مسلم في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يدي ربي يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا». ففي هذا الحديث إثبات صفة اليمين لله جل وعلا، وقوله عليه الصلاة والسلام: «كلتا يدي ربي يمين»، دفع لتوهم النقص في اليد الأخرى. فالله جل وعلا يداه يمين مباركة، لا يتوهم الإنسان النقص في يدي ربه العالمين جل وعلا، فيقول: هذه يمين، وهذه شمال، واليمين ليست كالشمال، هذا في حق المخلوق. أما الله جل وعلا فیداه یمین کلها مبارکة. وجاء في بعض الروايات إثبات صفة الشمال في بعض الأحاديث في اليد الأخرى. والحاصل أن ربنا جل وعلا ثبت في حقه صفة اليمين في القرآن والسنة، وصفة اليدين لله عز وجل ثابتة في الكتاب والسنة. قد قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64]. اليهود وصفوا يد الله جل وعلا بالغل، فرد الله جل وعلا عن نفسه هذا العيب الذي وصفه به اليهود. بخلاف ما يقول أهل التعطيل، يقولون: الله جل وعلا رد قول اليهود الذين أثبتوا اليد لله عز وجل وأنكر عليهم. وهذا ليس بصحيح. الإنكار من رب العالمين جل وعلا على اليهود لوصفهم يد الله جل وعلا بالغل، وليس إنكارًا لأنهم أثبتوا اليد. لكن أهل التعطيل يجعلون الإنكار من رب العالمين على اليهود أنهم أثبتوا اليد لله عز وجل، قالوا: فأنكر عليهم. لا، وإنما الإنكار على وصفهم ليد رب العالمين بالغل. وقالت اليهود: يد الله مغلولة. أنكر الله عز وجل عليهم ماذا؟ هل أنكر عليهم أنهم أثبتوا لله جل وعلا اليد، أو أنهم وصفوا يد الله جل وعلا بالغل؟ هذا الثاني. وإلا لم ينكر ربنا عز وجل عليهم ماذا؟ وصفه جل وعلا باليد. ولكن لما وصفوها بهذا العيب، رد الله جل وعلا هذا العيب، وأثبت جل وعلا لنفسه اليدين: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. فنفى الغل الذي وصفه به اليهود: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وكذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾، قال لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]. ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. فالله جل وعلا أمر إبليس أن يسجد لآدم، وآدم شرفه الله جل وعلا من بين سائر المخلوقات بأنه خلقه بيده جل وعلا. فآدم ميزه الله وشرفه بهذه الفضيلة وهذه الخصيصة أنه خلقه بيده جل وعلا. ولذلك في حديث الشفاعة، حين يأتي الناس للأنبياء ويذكرون المحاسن والمحامد التي جعلها الله جل وعلا لهم، يذكرون من محاسن آدم التي شرفه الله جل وعلا بها أنه خلقه بيده، فيقول له: «يا آدم، أنت خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته». خصوه بهذا الفضل لأنه خص عليه الصلاة والسلام بهذا الفضل، وأن الله جل وعلا خلقه بيده جل وعلا. وليس كما يقول أهل التعطيل: أي بقدرته. خلقه بيده يعني بقدرته. هذا ليس فيه ماذا؟ خصيص لآدم عليه الصلاة والسلام، لأن الخلق خلقوا جميعًا بقدرة الله عز وجل، خلقوا جميعًا بقدرة الله عز وجل. ولو كان المعنى بقدرتي، لقال إبليس: وأنا خلقتني بقدرتك. لكن المعنى أن الله عز وجل خلقه بيده سبحانه وتعالى، لا بقدرته، ولا بإرادته، كما يقولها هؤلاء الضلال من أهل التعطيل. وأيضًا تفسيرهم اليد بالثواب باطل. كيف يكون المعنى بيده يعني بثوابي؟ فهذا باطل. أو بنعمتي؟ فكل الناس خلقوا بنعمة الله عز وجل. الخلق نعمة من الله جل وعلا، الخلق نعمة من الله سبحانه وتعالى، فكل الناس أنعم الله جل وعلا عليهم بهذه النعمة وهو أنه خلقهم جل وعلا. إذا كان المعنى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يعني بنعمتي، فهذا أي مزية فيه لآدم؟ فكل الناس خلقوا بنعمة الله جل وعلا. وأيضًا يقال: هل لله عز وجل نعمة واحدة أو نعمتان؟ أو فيه كذلك القدرة؟ إذا فسروا اليدين بالقدرة، هل المعنى بقدرتين؟ هل لله جل وعلا قدرتان أو نعمتان؟ فهذا كله باطل. هذا باطل. فهذا يدل على ضلال أهل التعطيل في تفسير اليدين بالنعمة أو بالقدرة. وإن كان يطلق على اليد بالنعمة، لكن هذا يدل عليه السياق، يدل عليه السياق. فيقال مثلًا لفلان: علي يد، أي نعمة، نعمة له علي، نعمة. ولكن السياق يبين أن المراد هنا النعمة، وليس المراد يد حقيقية حقيقية حقيقية. فلذلك إذا نظرنا في آيات القرآن تدلنا على أن المراد باليد يد لله سبحانه وتعالى على ما تليق به جل وعلا، يدان، يدان على ما يليق بالله سبحانه وتعالى. أما تفسير اليد بالقدرة، أو بالثواب، أو بالنعمة، فهذا كله باطل. هذا كله باطل لدلالة الأحاديث أيضًا على ما جاء في القرآن في إثبات اليدين لله سبحانه وتعالى. «وكلتا يدي ربي يمين»، قال النبي صلى الله عليه وسلم. وقد جاء وصف ربنا عز وجل بهذه الصفة مرة مفردًا، كما قال جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، مفرد: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾. وجاءت بالتثنية، كما في الآية التي سمعتم: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. وفي الحديث: «وكلتا يدي ربي يمين». وجاء بالجمع، جاءت هذه الصفة كذلك بالجمع، كما في قوله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: 71]، كما في سورة يس. فهنا جاء بلفظ الجمع. فهل ما جاء بلفظ المفرد ينافي ما جاء بلفظ التثنية، أو ما جاء بلفظ الجمع ينافي ما جاء بلفظ التثنية؟ لا. الثابت لله عز وجل يدان، الثابت لله عز وجل يدان. وأما ما جاء بلفظ المفرد، فلا ينافي التثنية، لأن هذا سائغ في لغة العرب، سائغ في لغة العرب. لأن اليد الثابتة في القرآن جاءت مضافة، جاءت مضافة إلى الله جل وعلا: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، قالت اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾. فاليد هنا مضافة، فهي مفرد مضاف، والمفرد المضاف لا ينافي التثنية، لا ينافي التثنية. هذا سائغ في لغة العرب. ألا ترى أنك تقول: سمعت بأذني، وكذلك نظرت بعيني؟ فهل معنى ذلك أن لك عينًا واحدة أو أذنًا واحدًا فقط، أذنًا واحدة؟ لا. فإذا ذكرتك هذا الكلام: رأيت بعيني، أو سمعت بأذني، فهذا المفرد المضاف لا ينافي التثنية. فهذا سائغ في لغة العرب. وهكذا جاء في القرآن: أضيفت اليد لرب العالمين سبحانه وتعالى، فلا ينافي ما جاء في وصف الله جل وعلا باليدين. وأما ما جاء بلفظ الجمع، فهو إما أن يقال على قول من يقول: إن أقل الجمع اثنان، أقل الجمع اثنان، أو أن لفظ الجمع جاء للتعظيم، جاء للتعظيم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، فهذا للتعظيم، للتعظيم، يعظم الله جل وعلا نفسه، وليس المراد أن لله جل وعلا أيديًا، أي أكثر من يدين. تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوًا كبيرًا. وما يدل على هذا ما جاء في الأحاديث الأخرى من القبض والبسط: «يقبض بيده اليمنى، وبالآخرة». هذا يدل على أن لله جل وعلا يدين. فما جاء بلفظ المفرد، وما جاء بلفظ الجمع في إثبات صفة اليدين لله جل وعلا، لا ينافي ما ثبت بلفظ التثنية. والأدلة دلت على أن لله عز وجل يدين سبحانه وتعالى، وهما يدان حقيقيتان تليقان بالله جل وعلا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. وما يدل على ذلك أن الله جل وعلا وصف يديه بالقبض والبسط والأخذ، كل هذا يدل على إثبات صفة اليدين لله جل وعلا على ما يليق، على قاعدة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فكما أن لله جل وعلا السمع والبصر وهذا يليق به جل وعلا، فهكذا نثبت الصفات الأخرى، ومنها اليدان لله جل وعلا، ونقول: على ما يليق به سبحانه وتعالى. وإذا قال المؤلف رحمه الله في هذا البيت: "وقد ينكر الجهمي أيضًا يمينه، وكلتا يديه بالفواضل تنضح"، يعني أن ربنا سبحانه وتعالى ينعم على عباده، فخزائنه ملأى، ويمينه جل وعلا ملأى، يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار، يعني دائمة العطاء. فالله سبحانه وتعالى ينعم على عباده بالعطاء العظيم، فوصف ربنا جل وعلا يديه بالعطاء سبحانه وتعالى. وما يدل هذا على حقيقة الصفة على ما يليق بالله سبحانه وتعالى. ليس المعنى الثواب، وليس المعنى النعمة، وليس المعنى القدرة. كل هذه تفاسير باطلة، تأباها النصوص، ولا يستقيم معنى النصوص بتفسير ما جاء فيها بهذه التفاسير الباطلة من الثواب، أو المعنى، أو النعمة، أو القدرة، أو الإرادة، أو غير ذلك. فهذا مما يتعلق بإثبات هذه الصفة العظيمة لله سبحانه وتعالى. ثم قال رحمه الله: "وقل ينزل الجبار كل ليلة، بلا كيف، تعالى الواحد المتمدح"، أو "جل الواحد المتمدح". في هذا البيت ذكر رحمه الله صفة أيضًا من صفات الله جل وعلا الفعلية. صفة اليدين التي تقدم ذكرها هي من الصفات الذاتية لله سبحانه وتعالى التي لا تنفك عن ذاته، فهي لازم لذاته سبحانه وتعالى. وهنا ذكر صفة النزول، وهي من الصفات الفعلية الثابتة لله جل وعلا. قد جاءت الأحاديث في صفة النزول له عز وجل متواترة. من ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ينزل ربنا، ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأستجيب له؟» إلى آخر الحديث. صلاة طيب، صلى الله وسلم بارك علينا، شكرًا.