شرح حائية ابن أبي داود 4

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 4، الدرس الرابع:من( وقل غير مخلوق كلام مليكنا*بذلك دان الأتقياء وأفصحوا ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إثبات صفة الكلام لله تعالى وبيان كونها صفة كمال

يوضح الدليل أن صفة الكلام لله جل وعلا صفة كمال ذاتية، مستدلاً بإبطال عبادة العجل لعجزه عن الكلام. ويؤكد أن الإله المستحق للعبادة يجب أن يتصف بصفات الكمال ومنها الكلام، وأن كلام الله غير مخلوق بخلاف كلام المخلوقين.

صفة الكلام لله تعالى وإثبات أن القرآن غير مخلوق

يبين أن صفة الكلام لله صفة ذاتية وفعلية متعلقة بمشيئته، مستدلاً بالآية ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وحديث الاستعاذة بكلمات الله. فيستنتج أن القرآن من أمر الله لا من خلقه، فيكون غير مخلوق، ويحذر من ضلال القائلين بخلقه.

الطوائف الضالة في صفة كلام الله ورد أهل السنة عليها

يستعرض ثماني طوائف ضلت في صفة كلام الله كالاتحادية والحلولية والصابئة والفلاسفة والجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والسالمية والماتريدية والكرامية. ويبين قول كل طائفة ومخالفته لعقيدة السلف القائلة بأن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.

خاتمة الدرس والإشارة إلى الرد على الطوائف الضالة

يختتم الشيخ الدرس بذكر الطوائف التي ضلت في الباب، ويؤجل الرد على شبهاتهم إلى الدرس القادم. ويختتم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فكان الكلام في درس الماضي في قول المؤلف رحمه الله: «ودن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله تنجو وتربح، وقل غير مخلوق كلام مليكنا، بذلك دان الأتقياء وأفصح». ذكرنا أن المؤلف رحمه الله أراد بذكر هذه الأبيات بيان معتقد أهل السنة والجماعة في إثبات صفة الكلام لله جل وعلا، وأن القرآن من كلام الله جل وعلا ليس مخلوقاً. وذكرنا قوله رحمه الله: «وقل غير مخلوق كلام مليكنا». ذكرنا الأدلة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، التي فيها بيان هذه الصفة، صفة الكلام لله جل وعلا. صفة الكلام هي صفة ذاتية باعتبار، وصفة فعلية باعتبار آخر. فصفة الكلام صفة ذاتية باعتبار اتصاف الله جل وعلا بها أزلا، فهي الصفة الذاتية؛ إن الله جل وعلا يتكلم، والكلام صفة ذات له جل وعلا، فهو متكلم؛ لأن الإله هو الذي اتصف بصفات الكمال، هذا الذي يستحق الألوهية، والذي يستحق أن يعبد، هو من اتصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها. صفة الكلام من صفات الكمال، فكل معبود عُبد لا يتكلم، فهذا إن دل على شيء إنما يدل على بطلان عبادته؛ لأنه ناقص بسبب أنه لا يتكلم. فكيف يستحق أن يكون إلهاً وهو لا يتكلم؟ عدم الكلام، وهو الخرس، هذه صفة نقص، والكلام صفة كمال. فالذي يستحق أن يعبد وأن يكون إلهاً هو من اتصف بصفات الكمال، ومن صفات الكمال الكلام، أن يتكلم. أما إذا كان عاجزاً عن الكلام ولا يتكلم، كيف يكون إلهاً وهو لا يتكلم؟ هل يستحق أن يكون إلهاً وهو لا يتكلم؟ لا، لا يستحق، لا يستحق أن يكون إلهاً ورباً وهو لا يتكلم. ولذلك أبطل الله جل وعلا عبادة العجل الذي اتخذه قوم موسى. لماذا؟ لماذا أبطل عبادة العجل؟ لأنه لم يتصف بصفة الكلام، وهو عاجز أن يتكلم. فكيف يكون إلهاً هذا العجل؟ ألم يروا أنه لا يكلمهم؟ قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾، يعني: كيف يتخذونه إلهاً؟ يجعلون هذا العجل الذي اتخذوه من حليهم، جعلوه إلهاً ورباً لهم، وهو لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا. فانظروا كيف أبطل الله جل وعلا عبادة هذا العجل الذي عبده أصحاب موسى وقوم موسى، بأنه لا يتكلم. فكيف يتخذونه إلهاً؟ كان يكفيهم على بطلان عبادته، يعني عبادة العجل هذا، أنه لم يتصف بهذه الصفة من صفات الكمال، وهو أنه لا يتكلم. وفي الآية الأخرى في سورة طه: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾، ﴿مَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَرُدُّ قَوْلَهُمْ﴾. فكيف يكون إلهاً؟ هذا كلام رب العالمين في القرآن. وماذا نستفيد من هذا؟ نستفيد من هذا أن الكلام صفة كمال، وأن الرب والإله هو الذي اتصف بصفات الكمال، ومنها صفة الكلام. فالذي لا يتكلم هذا عاجز، وربنا جل وعزا -عز وجل- تنزه عن العجز والنقص. فهذا يدلنا على أن صفة الكلام لله جل وعلا صفة كمال، ليس كما يظن هؤلاء المعطلة والممثلة؛ أنهم إذا أثبتوا صفة الكلام لله جل وعلا قالوا: جعلناها مثل المخلوق. لا، كلام المخلوق شيء، وكلام الخالق شيء آخر. فهذا كلام سعيد، وفلان ابن فلان، وهذا كلام رب العالمين. كيف تماثل بين كلام فلان وكلام رب العالمين؟ كيف تماثل بين كلام مخلوق وكلام خالق؟ هذا كلام مخلوق، كلام صدر من مخلوق، وهذا كلام صدر من خالق. الخالق والمخلوق عندك سواء؟ لا، هذا خالق وهذا مخلوق. إذن هذا مخلوق وله صفة الكلام وهي مخلوقة لأنه مخلوق، وهذه صفة الخالق، صفة الكلام، والخالق هو الذي خلق جل وعلا. فإذن تبين أن صفة الكلام صفة كمال لله عز وجل. كما سمعتم، أبطل الله جل وعلا آلهة تلك الآلهة، وهي العجل، وذمها وأنها لا تستحق أن تعبد بسبب أنها لا تتكلم. وهذا كذلك ذم الآلهة الأخرى بأنها لا تسمع ولا تبصر: ﴿يَا بُنَيَّ مَا تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾. كيف تعبد من لا يسمع؟ وكيف تعبد من لا يبصر؟ الذي لا يسمع والذي لا يبصر لا يستحق أن يعبد. ﴿يَا بُنَيَّ مَا تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾. فإذن الإله المعبود الذي يستحق العبادة هو الذي اتصف بصفات الكمال، ومنها أنه يتكلم، ومنها أنه يسمع، ومنها أنه يبصر. فهذه الصفات كمال. أما الذي لا يسمع، والذي لا يتكلم، والذي لا يبصر، فهو عاجز لا يستحق أن يكون إلهاً. فإذا أراد المؤلف رحمه الله هنا أن يبين أن الله جل وعلا متصف بصفة الكلام، وأن هذه الصفة غير مخلوقة لأنها صفة تابعة للخالق جل وعلا، والذي قال: «وقل غير مخلوق كلام مليكنا»، أي كلام ربنا. وباعتبار صفة الكلام الصفة الفعلية هي ما تعلق بمشيئته جل وعلا، فالله جل وعلا متى شاء تكلم. هو متكلم، وهي صفة ذات له جل وعلا، ليس بأخرس، ربنا تنزه عن ذلك، بل هو متكلم. صفة الكلام صفة ذات، وباعتبار آخر هي صفة فعل لله جل وعلا تتعلق بمشيئته جل وعلا، أي متى شاء تكلم. لما شاء أن يكلم آدم كلمه، ولما شاء أن يكلم نوحاً كلمه، ولما شاء أن يكلم أنبياء كلمهم. وهذا الكلام كلام متعلق بمشيئة الله جل وعلا، التي ما شاء تكلم. ويوم القيامة يكلم عباده، كل هذا متعلق بمشيئته. فنقول في صفة الكلام: هي باعتبار صفة ذات لله جل وعلا لأنه متصف بها جل وعلا، وباعتبار صفة فعل لأنها تعلقت بمشيئته جل وعلا. وقوله رحمه الله: «وقل غير مخلوق كلام مليكنا»، فيه بيان أن كلام الله جل وعلا غير مخلوق. والدل على هذا كثيرة في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة النبي صلى الله عليه وعلا. وما يدل على أن صفة الكلام وكلام الله جل وعلا غير مخلوق، قوله جل وعلا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. ففي هذه الآية بيان أن الله جل وعلا له خلق وله أمر. له خلق وله أمر. الخلق هو ما خلقه الله عز وجل في ملكوته، فهو له جل وعلا. والأمر هو أمره سبحانه وتعالى، أمره سبحانه، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. فلله جل وعلا الخلق، ولله جل وعلا الأمر. هل الخلق والأمر شيء واحد وسواء؟ لا، الخلق شيء والأمر شيء آخر. فالأمر غير الخلق، الأمر غير الخلق. ولذلك غاير الله بينهما في الآية: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. والواو هنا هي واو المغايرة، واو المغايرة: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، أي الخلق له والأمر له، الخلق له والأمر له. فإن الله جل وعلا خلق، ولله جل وعلا أمر. نأتي إلى القرآن وهو كلام الله جل وعلا، هل هو من الخلق أم هو من الأمر؟ نجد في كتاب الله جل وعلا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾، ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾، وهو القرآن. فجعل الله عز وجل القرآن من الأمر، ولم يجعله من الخلق، ولم يجعله من الخلق. إذن القرآن هو من أمر الله، ومن كلام الله. فالقرآن أوامر ونواهي وكلام رب العالمين سبحانه وتعالى، ليس هو من الخلق، ليس هو من الخلق. الشمس من الخلق، والقمر من الخلق، والبشر من الخلق، والجبال من الخلق، والهواء من الخلق، والماء من الخلق، لكن القرآن ليس من الخلق. القرآن من الأمر، من أمر الله جل وعلا الذي أوحاه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾. وهكذا الذي أوحاه إلى موسى، وأوحاه إلى عيسى، وإلى إبراهيم، وإلى داود، وإلى غيره من أنبياء الله، فذلك من أمره جل وعلا. فالقرآن غير مخلوق لأنه من أمر الله جل وعلا، ليس من خلق الله، كما دلت الآية: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، والقرآن من أمر الله جل وعلا. وما يدل على أن كلام الله غير مخلوق، أن النبي عليه الصلاة والسلام استعاذ بكلمات الله، كما جاء في حديث خولة بنت حكيم رضي الله تعالى عنها، رواه الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَاكَ». فالنبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى الاستعاذة بكلمات الله، والاستعاذة لا تكون بمخلوق. الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز فيما لا يقدر عليه إلا الله. فإذا استعاذ أحد بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، فقد أشرك بالله جل وعلا شركاً أكبر مخرجاً عن ملة الإسلام؛ لأن الاستعاذة عبادة، ولا تكون إلا بالله جل وعلا، أو بأسمائه وصفاته. فإرشاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الاستعاذة بكلمات الله التامات يدلنا على أنه عليه الصلاة والسلام أرشدنا إلى الاستعاذة بصفة من صفات الله جل وعلا، ولم يرشدنا إلى الاستعاذة بمخلوق، وحاشا عليه الصلاة والسلام. فدلنا هذا على أن كلام الله غير مخلوق. لو كان مخلوقاً لما أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى الاستعاذة بمخلوق؛ لأن الاستعاذة عبادة لا تكون إلا بالله أو بأسمائه وصفاته. فهذا يدل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. وقد ضلت طوائف في هذا الباب فيما يتعلق بصفة الكلام لله عز وجل، فيما يتعلق بالقرآن، هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ ضلت طوائف كثيرة. قد ذكر شارح الطحاوية رحمة الله تعالى عليه ثماني طوائف ضلت في باب صفة كلام الله عز وجل، ذكر ثماني طوائف ضالة، ثم ذكر قول أهل السنة والجماعة، الذي تقدم ذكره، وهو أن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهو منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين، إلى أن ظهرت هذه البدعة، وهي القول بخلق القرآن، في أواخر القرن الثاني تقريباً ظهرت هذه البدعة. قد نقل شيخ الإسلام تيمية رحمة الله تعالى عليه في الفتاوى عن عمرو بن دينار رحمه الله أنه قال: «أدركت الناس منذ سبعين سنة»، هذا عمرو بن دينار يقول هذا الكلام: «أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله هو الخالق وما سواه مخلوق، إلا القرآن، الله هو الخالق وما سواه مخلوق، إلا القرآن، فإنه كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود». هذا كلام هذا العالم السني السلفي، ينقل لنا ما أدرك السلف الصالح عليه من اعتقاد فيما يتعلق بكلام الله، والذي منه القرآن، أنهم يثبتونه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. الفرق التي ضلت في هذا الباب: ضلت في هذا الباب الاتحادية الحلولية. هذه الطائفة، طائفة الحلول والاتحاد، والتي يتزعمها ابن عربي ومن كان على شاكلته. فهؤلاء عندهم كل كلام في الوجود هو كلام الله، الحسن والقبيح، والشتم والسباب، كل هذا عندهم من كلام الله. اللعن والشتم والسب والكلام القبيح كله من كلام الله، يقولون: هذا كله من كلام الله. وهذه عقيدة وحدة الوجود والاتحاد والحلول. ولذلك قال ابن عربي وهو يبين هذه العقيدة الفاسدة: «وكل الكلام في الوجود كلام مليكنا» أو كلام الله. «كل الكلام في الوجود هو كلامه، أي كلام الله، سواء علينا نثره ونظامه». كل الكلام في الوجود كلامه، أي كلام الله، سواء علينا نثره ونظامه، الكل. فهذه عقيدة الاتحاد والحلول، أصحاب وحدة الوجود، وهذا ظاهر الباطل وظاهر البطلان. ومن الطوائف التي ضلت في هذا الباب: الصابئة والمتفلسفة. الصابئة والفلاسفة ضلوا في باب صفة الكلام لله عز وجل، وأنه غير مخلوق، ومنه القرآن. فالصابئة هؤلاء والفلاسفة يقولون: كلام الله هو ما يفيض على النفوس من المعاني، ومن الذي يفيض هذه النفوس؟ منهم من يقول: العقل الفعال، ومنهم من يقول: غير العقل الفعال. هؤلاء أصحاب الفلسفة، عندهم أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من المعاني، يفيضها العقل الفعال عند الإنسان. وهذا باطل، وهؤلاء هم الذين تأثروا، تأثر بهم ابن سينا وغيره. وممن ضل في هذا الباب: الجهمية والمعتزلة. فالجهمية والمعتزلة يقولون: القرآن كلام الله مخلوق. بل ما يقولون: كلام الله، وإنما يقولون: القرآن مخلوق، وكلام الله مخلوق. يقولون بأن كلام الله مخلوق، وأن القرآن مخلوق، وهو لهم. الجهمية والمعتزلة. ومن ضل في هذا الباب: الكلابية والأشاعرة. الكلابية، أتباع عبد الله بن كلاب، فهؤلاء يقولون في كلام الله، في صفة الكلام، وفي القرآن: يقولون الكلام لفظي ومعنوي، منه ألفاظ ومنه معاني. المعاني قائمة بذات الله جل وعلا، والألفاظ مخلوقة. فالألفاظ مخلوقة، وعند الكلابية هذه الألفاظ التي منها القرآن، ومنها التوراة، ومنها الإنجيل، حكاية عن كلام الله. من الذي حكاه؟ حكاه جبريل. يعني كأن الله... كأن جبريل اطلع على ما في ذات الله وفي نفس الله من معاني، فعبر بها. وهكذا الأشاعرة يقولون: عبارة الأشاعرة والكلابية سواء، بينهما اختلاف في هذا فقط، وهو أن الكلابية يقولون: حكاية عن كلام الله، يعني هذه القرآن والتوراة والإنجيل هذه حكاية عن كلام الله، وهي مخلوقة. والأشاعرة يقولون: عبارة، عبر جبريل عنها. يقولون: إذا عبر جبريل عنها بالسريانية صار إنجيلاً، وإذا عبر عنها بالعبرانية كان توراة، وإذا عبر عنها بالعربية كان قرآناً. فإذا عندهم التوراة والإنجيل والقرآن هذه حكايات حكايات، وعبارات عبر بها جبريل، والله لم يتكلم بها، وإنما الكلام هو معنى قائم بذات الله جل وعلا. هكذا يقول الكلابية والأشاعرة. وإحنا نستعرض أقوالهم قبل الرد عليهم، نستعرض أولاً أقوال هذه الفرق التي ضلت، ثم نبدأ في الرد على كل طائفة من الكتاب والسنة. ومن ضل في هذا الباب كذلك: السالمية والماتريدية والكرامية. إذن ذكرنا: أهل الحلول والاتحاد، والصابية والمتفلسفة، والجهمية والمعتزلة، ثم الكلابية والأشاعرة، ثم السالمية والماتريدية. السالمية يقولون في كلام الله جل وعلا: أنه لا يتعلق بمشيئته جل وعلا، كلام غير متعلق بمشيئته. وهذا باطل، ترده الأدلة الكثيرة، أي تدل على أن الله عز وجل كلامه بمشيئته جل وعلا. الكرامية يقولون: كلام الله جل وعلا حادث بعد أن لم يكن، يعني أن الله عز وجل لم يكن متكلماً، وإنما تكلم بعد ذلك، أحدث الكلام. وهذا باطل. وبقية الماتريدية، وهم أتباع أبي منصور الماتريدي، وهم يقولون: القرآن أو كلام الله خلقه في غيره، خلقه في غيره. هذه يعني أظهر الطوائف التي ضلت في هذا الباب. وإن شاء الله سنذكر الرد على ما ذكروه في درسنا اللاحق إن شاء الله. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر