الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 5، الدرس الخامس:من( وقل غير مخلوق كلام مليكنا*بذلك دان الأتقياء وأفصحوا ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع مذاهب الفرق المنحرفة في باب كلام الله كالحلولية والفلاسفة والجهمية والمعتزلة والكلابية والأشعرية والماتريدية والسالمية والكرامية. ويبين آراءهم المخالفة لعقيدة أهل السنة مع ذكر توبة الإمام الأشعري.
يبيّن المقطع عقيدة أهل السنة في أن القرآن كلام الله غير مخلوق بحرف وصوت، ويرد على شبهة المعتزلة والجهمية المستدلين بعموم "الله خالق كل شيء". ويوضح أن هذا العموم يُحمل على المخلوقات دون الذات والصفات مستدلاً بتناقضهم في إخراج الذات وأفعال العباد.
يناقش المقطع استدلال الجهمية بعموم "الله خالق كل شيء" على خلق القرآن مبيناً أن العموم مخصوص بالمخلوقات بدليل فصل الخلق عن الأمر. ويرد شبهة تسمية عيسى كلمة الله ويختم ببيان خطورة قول خلق القرآن وتعطيل صفة الكلام مستدلاً بقول السلف.
يبيّن المقطع أن نفي صفات الله ومنها صفة الكلام يؤدي إلى تعطيل صفات الرب وأوامره محذراً من عواقب هذا المنهج المخالف للعقيدة الصحيحة. ويختتم الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فكان آخر الكلام عند قول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وقل غير مخلوق كلام مليكنا، لذلك دان الأتقياء وأصح". وذكرنا أن هناك فرقا ضلت في هذا الباب، في باب كلام الله جل وعلا والقرآن. ومن هذه الفرق وهذه الطوائف: أهل الحلول والاتحاد، الذين يتزعمهم ابن عربي ومن سار على نهجه. وهم يقولون: إن كلام الله جل وعلا هو كل كلام في الوجود، كل كلام في الوجود قاله، وقبيحه وحسنه وسيئه، إلى آخر ذلك. كما قال ابن عربي: "وكل كلام في الوجود كلامه، سواء علينا نثره ونظامه". كل كلام في الوجود كلامه، أي: كلام الله، سواء علينا نثره ونظامه. فهذا اعتقادهم في كلام الله جل وعلا، وهو أن كل كلام في الوجود هو كلام الله. وهذا من أبطل الباطل، تعالى الله عز وجل عن قولهم علوا كبيرا. هو مذهب الفلاسفة الصابئة فيما يتعلق بكلام الله جل وعلا، أنهم يقولون: هو ما يفيض على المعاني، أو على النفوس، ما يفيض على النفوس من معاني يفيضها العقل الفعال. عند بعضهم يقولون: العقل الفعال، ويفيض هذه المعاني على النفوس، هذا هو كلام الله. وهذه فلسفة وهي باطلة؛ لأنهم لا يثبتون أن الله جل وعلا يتكلم بكلام يسمع، وبكلام حروف وأصوات. كل هذا لا يثبتونه، وإنما كما يقولون: فيضان معاني، معاني تفاض على النفوس من العقل. وهذا باطل. ومذهب الجهمية والمعتزلة في كلام الله جل وعلا: أنهم يقولون: كلام الله مخلوق، ولا يقوم بذاته، لا يقوم بذات الله جل وعلا، وإنما كلام... وإنما كلام خلقه الله، كلامه جل وعلا خلقه سبحانه وتعالى حيث هناك كلاما... كلاما قائما بذات الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا لا يتكلم، وإنما هذا الكلام خلقه الله، ومنه القرآن. هذا مذهب الجهمية والمعتزلة. وأما مذهب الكلابية والأشعرية: الكلابية أتباع ابن كلاب، والأشعرية أتباع أبي الحسن الأشعري -الذي كان يقول بهذا القول ثم تاب عنه رحمه الله-. أبو الحسن الأشعري الذي تنتسب إليه طائفة الأشاعرة، قد تاب من المنهج الذي كان عليه. أبو الحسن الأشعري مر بمراحل، رحمه الله: اعتنق مذهب المعتزلة، تركه، واعتنق بعد ذلك مذهب الأشعرية، هذا المذهب الذي نسب إليه، تركه في آخر أمره، وأنه كان على مذهب أهل السنة والجماعة، حتى أنه مات رحمه الله وصحيح البخاري على صدره، وألف كتابه العظيم "الإبانة" الذي بين فيه معتقده في كلام الله عز وجل، والذي منه القرآن، وأنه كلام الله غير مخلوق. بل كفر رحمه الله من يقول: إن القرآن مخلوق، كفر من يقول: إن القرآن مخلوق. وهؤلاء بقوا على ما ذهب إليه أبو الحسن الأشعري، على ما كان عليه في أول الأمر. وأبو الحسن الأشعري تاب من ذلك، بل نقل عنه أنه خطب الناس من على المنبر، وقال: "إني أبرأ من ذلك المعتقد الذي كنت عليه، وأخرج منه، وأن خلع... وأن خلع من ذلك المذهب كما أن خلع من ثوب هذا، وخلع ثوبه". هكذا قال لهم، يعني: أن خلع من هذا المذهب الذي كنت عليه وتبرأ منه، كما أن خلع من ثوب هذا، وخلع ثوبه. فهذا الإمام تراجع رحمه الله إلى مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب، فيما يتعلق بكلام الله عز وجل. الأشاعرة والكلابية: الكلابية يقولون: كلام الله ألفاظ ومعاني. وهكذا الأشاعرة: كلام الله ألفاظ ومعاني. المعاني هي القائمة بذات الرب جل وعلا، والألفاظ هي التي عند الكلابية حكاها جبريل، وعند الأشاعرة عبر عنها جبريل. الكلابية والأشاعرة متفقون على أن كلام الله جل وعلا: القرآن والتوراة والإنجيل مخلوقة. وإنما جبريل عبر، تقول الأشاعرة. وهذا الفرق بينهما: الأشاعرة تقول: جبريل عبر عن المعاني التي في ذات الله، أي: كأنه اطلع على ذات الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، عبر عن المعاني القائمة بذات الله عز وجل، عبر عنها بالسريانية فكانت إنجيلا، وعبر عنها بالعبرانية كانت توراة، وعبر عنها بالعربية وكانت قرآنا. الكلابية يقولون: جبريل حكى. وهذا الفرق بين الأشاعرة والكلابية: الأشاعرة يقولون: جبريل عبر عن المعاني التي في ذات الله، والكلابية يقولون: جبريل حكى المعاني التي في ذات الله. فإذا عند الكلابية والأشاعرة: الكلام على نوعين: ألفاظ ومعاني. المعاني قائمة بذات الله عز وجل، حكاها جبريل للرسل، وهذا قول الكلابية، أو عبر عنها جبريل للرسل، وهذا قول الأشاعرة. والنوع الثاني: أنها ألفاظ، وهي مخلوقة. وهكذا طائفة في هذا الباب: الماتريدية، أتباع أبي منصور الماتريدي، وهم الذين يقولون أيضا بأن كلام الله مخلوق، خلقه الله في غيره، خلقه الله في غيره. ومن الطوائف: السالمية، الذين يقولون: إن كلام الله لا يتعلق بمشيئته، لا يتعلق بمشيئته ولا بقدرته. والكرامية، أتباع ابن كرام، يقولون: كلام الله حادث، أي: تكلم بعد أن لم يكن متكلما. وإنما الكلام حادث، أي: أن الله عز وجل لم يتصف بصفة الكلام أزلا، وإنما هو حادث، تكلم الله بعد أن لم يكن متكلما، يعني: أحدث هذا الكلام. وهذه الطوائف كلها على ضلال. والحق: مذهب أهل السنة والجماعة، الذي أجمع عليه السلف، قرروه في كتب الاعتقاد: أن القرآن كلام الله، تكلم به جل وعلا، يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء كيف شاء، وهو بحرف وصوت. أن القرآن حروف، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود: "لا أقول: الم حرف، وإنما ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف". فالقرآن حروف: ألف، لام، ميم، كاف، هاء، يا، عين، صاد، قاف، صاد، هذه حروف. فالقرآن حروف وأصوات تسمع. موسى سمع الله عز وجل لما كلمه، وآخر الأنبياء لآخروون، ونحن سنسمع كلام ربنا عز وجل يوم القيامة حين يكلمنا، ليس بيننا وبينه ترجمان، كما في البخاري في حديث عدي بن حاتم. فهذا معتقد أهل السنة والجماعة، مبني على نصوص الكتاب والسنة، غير مبني على العقل ولا على الفلسفة، وإنما اعتقاد مستنبط مما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأجمع عليه السلف الصالح. فهكذا منهج أهل السنة والجماعة. أهل الضلال في باب الكلام لهم شبه استدلوا بها، ولذلك قالوا: القرآن مخلوق، وكلام الله مخلوق. منها: قالوا: إن الله عز وجل قال: "الله خالق كل شيء". الله خالق كل شيء، والقرآن شيء، وكلام الله شيء، فإذا القرآن مخلوق لأنه داخل في هذا العموم. "الله خالق كل شيء": "كل" من ألفاظ العموم، "شيء" نكرة تفيد العموم هنا في السياق، فقالوا: القرآن شيء، وكلام الله شيء، فهو مخلوق. وهذا باطل، لماذا؟ لأن عموم "كل" في كل موضع بحسبه. عموم "كل" في كل موضع بحسبه، يدل على ذلك السياق والقرآن. ومن ذلك قول الله جل وعلا: "وأوتيت من كل شيء" في وصف ملكة سبأ، بلقيس: "وأوتيت من كل شيء، ولها عرش عظيم". فهل ملكة سبأ، ملكة سبأ قد ملكت كل شيء؟ هنا "شيء" في هذا السياق... تقدمت "كل" من ألفاظ العموم، نقول: لا، هنا "كل" في هذا الموضع بحسبها، على ما دلت عليه القرآن والسياق. "وأوتيت من كل شيء": المعنى يؤتاه الملوك، وليس معنى ذلك أنها قد أوتيت من كل شيء. هذه عندها سماء، سماء شيء، هل عندها سماء؟ هل عندها أرض؟ هل عندها ملك سليمان؟ ما عندها، عندها الملك الذي هو لها. ومع هذا جاء في الآية: "وأوتيت من كل شيء". فعموم "كل شيء" بحسبه. "كل" في موضعه على ما تدل القرآن والسياق. وهكذا في قول الله عز وجل: "الله خالق كل شيء". "كل شيء" ماذا؟ مخلوق. الله خالق... الله خالق كل شيء مخلوق. ومما يرد به على هؤلاء: أنهم، أي الجهمية والمعتزلة، يثبتون ذاتا لله عز وجل. يقال للجهمية والمعتزلة: هل تثبتون ذات الله عز وجل؟ يقولون: نعم. يقال: الذات شيء، أم ليست شيء؟ يقولون: شيء. يقال: إذن لماذا لم تدخلوه في العموم؟ يقولون: لا. فإذن: كما أخرجتم الذات من هذا العموم، وأنها خارج من هذا العموم، عموم "كل" هنا، فهكذا أخرجوا الصفات، ومنها القرآن. فإذا أخرجتم الذات، وأنها ليست مخلوقة، مع أن الآية فيها عموم دلت عليه: "كل"، "الله خالق كل شيء"، فقلتم: لا، كأنكم تقولون: لا إلا ذات الله. فنقول: إذن كذلك، وإلا الصفات، بما أن الأدلة دلت على أن صفات الله جل وعلا تابعة لذاته، غير مخلوقة. ومن تناقض هؤلاء المعتزلة: وهذا يدلنا على صدق من قال: إن من ابتعد عن الحق تناقض. وهذا من أعظم الدلالات التي تدل على بطلان المذاهب، أن الإنسان يتناقض مع نفسه. فإذا تناقض الإنسان مع نفسه، فيعلم أنه قد ابتعد عن الصواب، ابتعد عن الحق. فهؤلاء المعتزلة يتناقضون مع أنفسهم: هم يقولون: أفعال العباد مخلوقة... أفعال العباد مخلوقة، العبد يخلق فعل نفسه، هكذا يقول القدرية المعتزلة: العبد يخلق فعل نفسه، يعني: ما خلق الله عز وجل أفعال العباد. ولماذا يقولون هذا؟ يقولون هذا لأن أفعال العباد فيها شر، منها الشر، منها شرب الخمر، ومنها الزنا، إلى آخر ذلك. فإذا كان الله يخلق ذلك، إذن الله يحب ذلك. فهذا باطل، وليس هذا موضع بسط هذا. فإذن: كيف تجعلون أفعال العباد مخلوقة للعباد، وتخرجونها من عموم "كل" في قول الله جل وعلا: "الله خالق كل شيء"؟ وهنا أفعال العباد، يقولون: لا، ما خلقها الله. "الله خالق كل شيء". طيب، أفعال العباد خلقها الله؟ أولا، هم يقولون: خلقها العباد، العبد يخلق فعل نفسه. ولذلك قال النبي عليه وسلم فيهم: "القدرية مجوس هذه الأمة". حديث حسن، حسنه العلامة الألباني رحمه الله: "القدرية مجوس هذه الأمة". لما لا؟ لأنهم يقولون بأن العباد يخلقون أفعال أنفسهم. وقد رد الإمام البخاري رحمه الله في رسالته العظيمة "خلق أفعال العباد" على هذه الطائفة. وهكذا كذلك: الله جل وعلا قال في كتابه الكريم في وصف رياح عاد: "تدمر كل شيء بأمر ربها، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم". قال الله عز وجل: "تدمر كل شيء بأمر ربها". هل رياح عاد دمرت كل شيء؟ عندنا عموم: "تدمر كل شيء بأمر ربها". الجواب: لا، بدليل قوله جل وعلا: "فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم". فإذن: هي لم تدمر المساكن، ولم تدمر السماء، ولم تدمر الأرض. إذن ما معنى العموم هنا؟ العموم: عموم "كل" هنا فيما جاءت عليه هذه الريح، وفيما أتت عليه. ما من شيء أتت عليه إلا دمرته. وأما الذي... وأما الذي لم تأته الريح فلم يدمر، كما قال جل وعلا: "ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم". "ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم". إذن فتدمير رياح إنما كان للأشياء التي أتت عليها. فإذن: عندنا يختلف العموم من موضع إلى آخر، حسب القرائن وحسب كذلك السياقات. فاستدلالهم بقول الله عز وجل: "الله خالق كل شيء"، أن القرآن مخلوق لأنه شيء، هو الباطل. بل إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه شيء. هل تقولون: الله مخلوق؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال جل وعلا: "قل أي شيء أكبر شهادة، قل الله". "قل أي شيء أكبر شهادة، قل الله". وصف الله جل وعلا نفسه بأنه شيء، والآية: "الله خالق كل شيء". هل معنى أنه خلق نفسه؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فاستدلالهم باطل بهذا العموم في هذه الآية. والمراد بالعموم هنا في هذه الآية: "الله خالق كل شيء"، أي: كل شيء مخلوق. أما الأشياء غير المخلوقة، فلا يقال: هي مخلوقة، وداخل في هذا العموم. ألا له الخلق والأمر، والأمر: أمره جل وعلا بشيء أن يكون فيكون، وذلك بكلام، فهو ليس من الخلق، وإنما هو من الأمر. بدليل التغاير بين الخلق والأمر في هذه الآية التي دلت عليه واو المغايرة: "ألا له الخلق والأمر". وهذا يستدل به الجهمية بأن كلام الله مخلوق. قالوا: عيسى مخلوق، عيسى مخلوق، وهو كلمة الله. عيسى هو كلمة الله، وعيسى مخلوق، فإذا القرآن مخلوق. نقول: باطل هذا، لأن عيسى ليس هو كلمة، إنما سُمّي... سُمّي كلمة الله لأنه كان بكلمة "كن". أما عيسى فهو عيسى، بشر، يأكل ويشرب وينام، وهو رسول ونبي، ليس هو كلمة، وإنما سُمّي بكلمة. وجعلون عيسى كلمة، كأن عيسى كلمة، لا، عيسى كلمة الله، أي: سُمّي بهذا، سُمّي كلمة الله. لماذا؟ لأنه كان بكلمة "كن". فـ"كن" من الله جل وعلا، ومن جبريل النفخ في فرج مريم بإذن الله جل وعلا وبأمر الله. "ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا، وصدقت بكلمات ربها وكتبه، وكانت من القانتين". فالله جل وعلا قال: "كن"، فكان عيسى، وأمر جبريل بأن ينفخ. فإذا عيسى ليس هو كلمة، وإنما هو كلمة الله، أي: سُمّي كلمة الله، وإنما هو مخلوق. عيسى مخلوق، ولدته مريم، ولدته أمه مريم من غير أب، بقدرة الله جل وعلا، والله على كل شيء قدير. ويستدلون كذلك بأن حقيقة الكلام أنه في النفس. الكلام الحقيقي، يقولون: إنما هو كلام النفس، وأما اللفظ فهو دال، دال على ما في النفس. وإلا فحقيقة الكلام أنه في النفس. ويستدلون بقول الأخطل، وهو نصراني: "إنما الكلام في الفؤاد، وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا". "إنما الكلام في الفؤاد": يعني حقيقة الكلام إنما يكون في الفؤاد، بالنفس. "وإنما جعل اللسان على الفؤاد": أي: فيما في القلب دليلا. وهذا باطل، لأن حقيقة الكلام أنه يتضمن اللفظ وما في النفس. وبهذا أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كما في الفتاوى: قال: "الكلام إذا أطلق فهو يتضمن اللفظ وما في النفس". إذا أطلق، لكن إذا أريد التقييد ببيان الكلام النفسي، فإنه يقيد، يقيد بأن المراد النفسي. وذكر قول الله عز وجل: "ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم"، وسماه قولا. ما في النفس، وما في اللسان. لكن لما أراد تقييد الكلام النفسي، قال: "ويقولون"، أو أراد الكلام اللفظي، قال: "ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم". وهكذا يحمل ما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه، وهو أيضا استدل به بعض من ضل من هؤلاء، أن عمر قال: "فزورت في نفسي كلاما"، "فزورت في نفسي كلاما". قال: فعمر أطلق على الكلام على ما في النفس كلاما. نقول: نعم، ولكن قيده، على صحة هذا وعلى ثبوته عن عمر، قيده، قال: "في نفسي". فإذا أراد الكلام من نفسي. لكن الله عز وجل حين أطلق الكلام في القرآن، أبين كلامه جل وعلا، أطلقه. ما وجه الانحراف العقدي، وجانب الخطورة في قولهم: القرآن مخلوق؟ وإلى ماذا يريدون؟ وجه الانحراف العقدي: أنه تعطيل، تعطيل لصفات الرب جل وعلا. فالجهمية والمعتزلة، حين يقولون: الله لا يتكلم، عطلوا الله عز وجل عن هذه الصفة. هذا تعطيل للأوامر والنواهي: إذا، من الذي أمرنا في القرآن؟ "أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة"، لأنه ليس هو كلام الله عز وجل تكلم به وأمر به. فهذا يؤدي إلى التعطيل. ولذلك: الصدق من قال من أهل السنة: الجهمي يعبد عدما، يعبد عدما. لأن نفي الصفات، ومنها صفة الكلام، فيها تعطيل، فيها تعطيل لصفات الرب جل وعلا، تعطيل للأوامر، وغير ذلك يطول الكلام لهذا. وهذا خلاصته. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.