الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 6، الدرس السادس:من( وقل غير مخلوق كلام مليكنا*بذلك دان الأتقياء وأفصحوا ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح الدرس أن عموم آية "الله خالق كل شيء" لا يشمل صفات الله الذاتية ككلامه، مستدلاً بتخصيص العموم في نصوص قرآنية أخرى. ويرد على دعوى المعتزلة بأن الكلام ذاتي فقط، مستشهداً بقصة موسى عليه السلام التي تثبت أن كلام الله مسموع حساً لا معنى نفسياً محضاً.
يبطل القول بأن كلام الله نفسي لا لفظي، مستدلاً بسماع موسى للكلام مباشرة والفرق الشرعي بين الكلام اللفظي والنفسي في أحكام الصلاة. كما يرد على استدلالهم بقوله تعالى "إنا جعلناه قرآنا عربياً" موضحاً أن "جعل" المتعدية لمفعولين تفيد التصيير لا الخلق.
يفصل الفرق اللغوي بين "جعل" بمفعول واحد الدالة على الخلق، وبمفعولين الدالة على التصيير والتحويل، مبطلاً استدلال المعتزلة بآية "إنا جعلناه قرآنا عربياً". ويقرر أن الكلام ينسب لمتكلمه الأصلي وهو الله تعالى، ونسبته للرسول أو جبريل كفر صريح.
يختتم الشيخ الدرس بالحمد لله والثناء عليه، معلناً عن استمرار سلسلة الدروس في لقاء قادم. ويختم الجلسة بالتكبيرات وشهادة التوحيد.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي بعض شبه القائلين بخلق القرآن. من هذه الشبه: قولهم أو استدلالهم بقول الله جل وعلا: ﴿ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾، وقالوا: القرآن شيء، فإذا هو مخلوق، وداخل في هذا العموم. وأجبنا على ذلك بأن عموم "كل" في كل موضع بحسبه، وبحسب ما يضاف إليه. والمعتزلة يثبتون ذاتاً لله جل وعلا، فإذا قلنا لهم: هل تقولون إن الله جل وعلا مخلوق؟ قالوا: لا. هل ذات الله مخلوقة؟ قالوا: لا. نقول: لماذا أخرجتموها من العموم؟ فيجبون. فنفس الجواب يكون هنا أيضاً: صفات الرب جل وعلا لا تدخل في هذا العموم. فـ "الله خالق كل شيء" أي: كل شيء مخلوق، فالعموم هنا عموم أريد به الخصوص، أو عموم مخصوص أريد به الخصوص، أي: الله خالق كل شيء مخلوق، فهو عام أريد به الخصوص، أو عام مخصوص، خُصّ من هذا العموم أمور وأشياء، ومنها: الرب جل وعلا وصفاته سبحانه وتعالى، فلا تدخل في هذا العموم. وهذا كذلك في كتاب الله عز وجل، أي: هذا المعنى في قوله جل وعلا: ﴿ أُوتِيَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ و ﴿ أُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾. هل أوتيت من كل شيء؟ وعندها كل شيء؟ لا، عندها كل شيء يحتاجه الملوك، فليس عندها ملك سليمان، وليس عندها ملك السماوات ولا ملك الأرض أبداً. فهذا عمو أريد به الخصوص. والريح التي أرسلها الله جل وعلا على عاد، قال فيها: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾، تدمر كل شيء؟ هل دمرت كل شيء؟ الجواب: لا، لم تدمر المساكن، وذلك قال جل وعلا: ﴿ فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ﴾. لم تدمر السماء، ولم تدمر الأرض، بل ولم تدمر المساكن. إذن دمرت كل شيء أتت عليه، كما في الآية الأخرى تفسرها: ﴿ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ﴾. فهذه الآية فيها بيان ما دلت عليه الآية السابقة. وذكرنا أنهم استدلوا بأن عيسى كلمة الله وهو مخلوق، وأجبنا عن ذلك. وأنهم كذلك استدلوا بأن الكلام أصله في النفس، وحقيقة الكلام إنما هو الكلام النفسي، لا اللفظي، فيجعلون صفة الكلام في القرآن لله عز وجل أنه الكلام النفسي، وليس الكلام اللفظي، وأن الله جل وعلا تلفظ به. قالوا: إن الكلام في حقيقته إنما هو الكلام النفسي. استدلوا: هل بدليل من كتاب الله جل وعلا، أو سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان حديثاً ضعيفاً؟ الجواب: لا. وهؤلاء المعتزلة متناقضون، وهكذا أهل الباطل يتناقضون مع أنفسهم. المعتزلة يردون أحاديث كثيرة ثبتت في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر العقيدة، فيما يتعلق بالحوض والموازين والشفاعة، يردون هذه الأحاديث وهي ثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بلغت مبلغ التواتر، بحجة أنها أخبار آحاد، فيردونها، ولا يعتقدون ما دلت عليه هذه الأحاديث. وانظروا هنا في هذا الباب العظيم، وهو ما يتعلق بالعقيدة، لأن هذا الأمر يتعلق بصفة لله جل وعلا، وهي صفة الكلام. يستدلون على نفيها، وهو أن الله جل وعلا لا يتكلم بحرف وصوت وبلفظ، وإنما هو معنى قائم بالنفس، بقول الأخطل، وهو نصراني. انظروا التناقض هناك: يردون أحاديث ثابتة عن نبي صلى الله عليه وسلم بحجة أنها أخبار آحاد، ومعلوم معتقد أهل السنة والجماعة قبول ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في العقيدة وغيرها، ما دام أنه ثبت، سواء كان آحاداً أو متواتراً، يقبلون ذلك. وهنا يستدلون بقول الأخطل في إثبات هذا المعتقد الفاسد الذي اعتقدوه. هذا تناقض. ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة واسعة، إذ يقول: «قبحاً لمن نبذ الكتاب وراءه، وإذا استدل قال: قال الأخطل». قبحاً لمن نبذ الكتاب وراءه، جعل القرآن وراء ظهره، ولم يستدل به ولا بالسنة، لماذا يستدل؟ قال: وإذا استدل قال: قال الأخطل. والأخطل هو نصراني، والنصارى ضلوا في باب الكلام، ضلوا في باب الكلام، فمن شاء قول المعتزلة إنما هو من جهة النصارى. وهكذا الجهمية، أخذ ما جاءوا به فيما يتعلق كذلك بهذا المبحث من اليهود. وهذا من أبطل الباطل الذي يقع عند هؤلاء، حيث يكون منشأ اعتقادهم في هذه الأمور هو ما كان عند اليهود والنصارى. وما يدل على بطلان قولهم: أن المراد بالكلام النفسي، أو أن المراد بالكلام هو الكلام النفسي دون اللفظي، ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل قبل ذلك ما جاء في كتاب الله جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَأَنِ اصْطَفَيْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ إلى آخر الآيات. الله عز وجل يقول لموسى: ﴿ إِنَّنِي أَنَا رَبُّكَ ﴾... ﴿ إِنَّنِي اصْطَفَيْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ ﴾. هل الكلام النفسي يسمع؟ ما يسمع الكلام النفسي. والله جل وعلا يقول لموسى: ﴿ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ ﴾. فإذا هنا يدل على أن الله جل وعلا كلم موسى كلاما سمعه موسى. فإذا كان الكلام نفسيا كما يقول هؤلاء، قائماً بذات الله جل وعلا، كيف يسمعه موسى؟ والله جل وعلا يقول له: ﴿ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ ﴾. الشيخ الألباني رحمه الله ذكر هذه الآية، وذكر هذه الفائدة، وسبقه إليها العلماء، وهو كررها رحمه الله. قالوا: إن الكلام إنما هو كلام نفسي، فالكلام النفسي لا يسمع، الكلام النفسي لا يسمع، والله جل وعلا يقول لموسى: ﴿ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ ﴾. فدل هذا على أن الله جل وعلا تكلم كلاما لفظاً سمعه موسى عليه الصلاة والسلام. وأما أنهم يقولون: إن الله جل وعلا خلق هذا الكلام في الشجرة، وسمع موسى الكلام من الشجرة، فهذا باطل. هل الشجرة هي التي قالت لموسى: ﴿ إِنَّنِي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ ﴾؟ الشجرة قالت هذا؟ هذا باطل، ما يجوز أن يقول هذا الكلام إلا رب العالمين. هذا كفر أن يقول مخلوق لأحد: "إني أنا ربك". فإذن تبين بهذا أن استدلالهم بأن حقيقة الكلام إنما هو الكلام النفسي للفظي باطل. وما جاء وأريد به الكلام النفسي في الشرع، فإنه قيد. ذكرنا الفائدة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في الفتاوى: قال: «الكلام إذا أطلق فهو يتضمن اللفظ والمعنى، إذا أطلق. وإذا أريد التقييد: الكلام النفسي مثلاً، فإنه يقيد، فإنه يقيد». واستدل بقول الله جل وعلا: ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم ﴾، وذكر آية أخرى وهي قوله جل وعلا: ﴿ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ ﴾. فهنا قيد الكلام حين أريد به الكلام النفسي. فهذا أيضاً مما استدلوا به، وهذا الجواب عما قالوا. ويضاف كذلك في الرد عليهم: أن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله، من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه، لما تكلم في الصلاة، عطس أحد القوم، فقال: "يرحمك الله"، فضرب الصحابة أفخاذهم، قال: "كأنهم يصمتوني" - من آخر الحديث - شاهد فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لمعاوية بن الحكم السلمي: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ». إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. فالنبي عليه الصلاة والسلام بيّن لمعاوية أن الكلام ممنوع في الصلاة. وما المراد بالكلام؟ هل هو كلام النفس؟ لا، الكلام اللفظي. لأن الإنسان إذا كان في نفسه كلام، كما يقال: يهدر في نفسه بعد الصلاة، بروح السوق، وكذا وكذا، مع أنه ما يجوز، ما ينبغي للإنسان أن يستحضر لصلاته ويخشع، لكن هذا لا يبطل الصلاة. هذا لا يبطل الصلاة. فكلام النفس هنا لا يبطل الصلاة. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «هَذِهِ الصَّلَاةُ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ». فإذا الكلام النفسي لا يسمى كلاما حقيقة، الذي يبطل الصلاة. وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلَّمَ بِهِ». هذا متجاوز حديث النفس، وهو كلام النفس، متجاوز عنه، ما لم تعمل به أو تتكلم به. فلو كان كلام النفس كلاما، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: يفسد الصلاة، وأنه كلام حقيقي. لما جاء قال النبي عليه الصلاة والسلام هذا. فالنبي عليه الصلاة والسلام يخبر أن الله عز وجل تجاوز عن حديث النفس، وهو كلام النفس، ويؤاخذ الإنسان ويحاسب إذا عمل به أو تكلم به، عمل به أو تكلم به. فإذن استدلالهم بأن حقيقة الكلام هو الكلام النفسي، هذا باطل. بل أجمع العلماء على أن من تكلم في الصلاة عامداً لغير مصلحة الصلاة بطلت صلاته. هذا إجماع، لا خلاف فيه. من تكلم في الصلاة عامداً لغير مصلحة الصلاة، لأنه هناك خلاف فيما إذا تكلم لمصلحة الصلاة، لا إذا تكلم في الصلاة متعمداً لغير مصلحة الصلاة، فهذا مجمع عليه، وأن صلاة من تكلم عامداً لغير مصلحة الصلاة صلاته باطلة. لكن إذا تكلم في نفسه لا تبطل صلاته، وهذا بإجماع. فإذا لو كان كلام النفس كلاما، لحكم الشرع ببطلان صلاة من تكلم في نفسه. بل كما سمعتم أن هذا تجاوز الله عنه. واستدلوا كذلك بقولهم: إن القرآن مخلوق، بقول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾، ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾. وقالوا: معنى "جعلناه" أي: خلقناه، أي: إنا خلقناه قرآنا عربياً. فجعلوا معنى "جعل" في الآية بمعنى "خلق". فقالوا: القرآن مخلوق. قالوا: هذا مثل قوله جل وعلا: ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾، ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا ﴾، أي: خلقنا السماء، ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾، أي: خلق الظلمات والنور. وهنا كذلك: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾، أي: خلقناه قرآنا عربياً. ورد على هذه الشبهة: أن "جعل" في القرآن تنصب مفعولاً واحداً، وتنصب مفعولين. فإذا نصبت مفعولاً واحداً فهي بمعنى "خلق"، وإذا نصبت مفعولين فلا تكون بمعنى "خلق"، وإنما تكون بمعنى "صيّر". فهذا ضابط في الفعل "جعل" في آيات القرآن. انظر إلى لفظ "جعل" في القرآن، ولفظ "جعلنا": إذا نصب مفعولاً واحداً فهو بمعنى "خلق"، إذا نصب مفعولين فهو بمعنى "صيّر"، لا يكون بمعنى "خلق". انظر قوله جل وعلا: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾، نصبت مفعولين، فإذا هي بمعنى "صيّر"، ليس بمعنى "خلق". ﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ ﴾، نصبت مفعولين، لا تجعل الله... هاهنا معناها: لا تخلق الله؟ باطل. ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ﴾، نصبت مفعولين، هاهنا معنى "صيّر"، تسمعون "خلق"؟ ﴿ وَالَّذِينَ جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا ﴾، نصبت مفعولين، بمعنى "صيّر"، ليس معنى "خلق الملائكة" باطل. وعلى هذا فقس. ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾، نصبت مفعولاً واحداً، "جعل" فهي بمعنى "خلق". ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا ﴾، نصبت مفعولاً واحداً، فهي بمعنى "خلقنا السماء سقفاً محفوظاً". وهكذا: ﴿ وَجَعَلَ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾، ﴿ وَجَعَلَ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾، "جعل" هنا بمعنى "خلق"، تعدت ونصبت مفعولاً واحداً. ويراجع في هذا شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي رحمه الله، قد ذكر هذا، وذكره غير واحد من العلماء. فالرد على شبهة المعتزلة القائلين بخلق القرآن، مستدلين بقول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾، وأن معنى الجعل هنا بمعنى الخلق، رد كما تقدم: أن "جعل" إنما تكون بمعنى "خلق" إذا نصبت مفعولاً واحداً، أما إذا نصبت مفعولين فلا تكون بمعنى "خلق"، وإنما تكون بمعنى "صيّر". ونحوها استدلوا كذلك بما جاء في كتاب الله جل وعلا في قوله جل وعلا: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾. فقالوا: أثبت الله جل وعلا أن هذا القرآن إنما هو قول رسول كريم، فهو إما قول جبريل، أو قول محمد صلى الله عليه وسلم، وليس هو قول الله، والله لم يتكلم به، وإنما هو قول جبريل أو قول محمد عليهما الصلاة والسلام. ورد على هذا: أن الكلام إنما يُنسب إلى من قاله ابتداء، يُنسب إلى من قاله ابتداء، ويُضاف إلى من قاله مبلغاً، يُضاف إلى من قاله مبلغاً. فإضافة ربنا جل وعلا القول إلى جبريل، أو إلى محمد عليهما الصلاة والسلام، إنما هي إضافة تبليغ، إضافة تبليغ: أي بلغ جبريل كلام الله جل وعلا الذي أوحاه إليه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم بلغ كلام الله جل وعلا الناس. فالكلام يُنسب إلى الله جل وعلا ابتداء. فإذا قلت: "تبارك الله الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير"، هذا كلام من كلام الله، وأنا قلته مبلغاً، والله عز وجل هو الذي تكلم بهذا الكلام الذي سمعتم. والقرآن وما جاء في القرآن كله كلام الله جل وعلا، بلغه رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال جل وعلا آمراً النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾. إذا جاء مشرك إلى النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يسمع كلام الله، ماذا يفعل النبي عليه الصلاة والسلام؟ يقرأ عليه القرآن. فإذا قرأ النبي عليه الصلاة والسلام القرآن على هذا المشرك، فقد أسمع هذا المشرك كلام الله. سيقرأ القرآن. هل الكلام الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام هنا، ويقوله للمشرك، كلامه صلى الله عليه وآله وسلم؟ لا، كلام الله، الذي أسمعه ذلك المشرك. والنبي عليه الصلاة والسلام هذا القول الذي منه تبليغ لكلام الله جل وعلا. ما يكون قول البشر، كيف يكون النبي عليه الصلاة والسلام والقرآن قول النبي عليه الصلاة والسلام؟ هذا كفر. البشر كفر الله عز وجل من قال: القرآن قول البشر، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * إِنَّ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾، ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ﴾ الآيات. فإذا نسبة القرآن إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال هذا، باطل. وقد جاء في القرآن أن من نسب القرآن إلى البشر، أنه قال: إلى أحد من البشر أنه قال، فالله جل وعلا قد كفر من قال ذلك، ومن نسب القرآن إلى أحد من البشر. فإذا استدلالهم باطل بهذا. فالكلام كلام الله الذي يتلى، والصوت صوت القارئ، كما يقال: والكلام كلام الباري. قارئ القرآن صوته صوته، لكن الكلام هو كلام الباري جل وعلا. وإذا قال شخص: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، فإذا قلنا: كلام من هذا؟ هذا الكلام مثلاً قاله فلان بن فلان، فلان بن فلان سمعنا يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". إذا قلنا: هذا الكلام كلام من؟ هل ينسب إليه؟ وإنما ينسب إلى من قاله ابتداء، ينسب إلى من قاله ابتداء، وهو النبي عليه الصلاة والسلام. نقول: هذا الكلام كلام النبي عليه الصلاة والسلام. إذا سمعنا شخصاً يقول: «فَهَلْ لَا سَأَلْتَ الْخَيْلَ يَا بِنْتَ مَالِكِ * إِنْ كُنتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِ»، نقول: هذا الكلام كلام عنترة بن شداد، هو الذي قال هذا الكلام ابتداء، وهذا يبلغ. وهكذا نواصل إن شاء الله في درس قادم، والحمد لله رب العالمين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله.