شرح حائية ابن أبي داود 21

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 21، الدرس الحادي والعشرون:من( وإن عذاب القبر بالحق موضح ... فأنت على خير تبيت وتصبح ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الشفاعة وعذاب القبر وأحكام التكفير

يستعرض المقطع أنواع الشفاعة النبوية وأدلتها، ويثبت عذاب القبر وفرقه بين المؤمنين والكافرين، مع بيان من ينجو منه. كما يوضح موقف أهل السنة من عدم تكفير مرتكب الكبيرة من أهل الصلاة، ويفصل الخلاف حول تكفير تارك الصلاة.

حكم تارك الصلاة والشفاعة في شرح النونية

يستدل المقطع بآيات وأحاديث وأقوال الصحابة على كفر تارك الصلاة حتى لو كان تهاوناً، ويبين أن حديث الشفاعة فيمن لم يعمل خيراً مخصوص بمن أتى بالتوحيد والصلاة. ويؤكد سعة رحمة الله وتحريم اليأس منها أو تكفير مرتكب الكبيرة، مع وصف عظمة العرش وتحذير من رأي الخوارج.

منهج الخوارج والمرجئة وأهل السنة في الإيمان والعمل

يعرض المقطع معتقد الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة واستحلال دماء المسلمين مع التحذير النبوي منهم، ثم يبين مذهب المرجئة الذين يؤخرون العمل عن الإيمان. ويختتم ببيان مذهب أهل السنة والجماعة بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

زيادة الإيمان ونقصانه والتحذير من التعصب المذهبي

يقرر المقطع عقيدة أهل السنة في أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي مستدلاً بالآيات والأحاديث، ويرد على المرجئة القائلين بكمال الإيمان. كما يحذر من تقديم أقوال العلماء على حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وينهى عن السخرية بأهل الحديث والطعن فيهم، مؤكداً السلامة في اتباع الكتاب والسنة ومنهج السلف.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فكان آخر الكلام عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «وإن رسول الله للخلق شافع، وإن عذاب القبر بالحق موضح». ذكرنا فيما مضى ما يتعلق بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة، منها الشفاعة الخاصة، ومنها الشفاعة العامة. وهذه الشفاعة هي لأهل التوحيد وأهل الإخلاص، وهي كذلك لأهل المعاصي. الشفاعة لأهل المعاصي؛ فإنهم يشفع فيهم يوم القيامة، خلافا للخوارج الذين ينكرون ذلك. والشفاعة لها أسباب، أي أسباب لتحصيلها كثيرة، يطول المقام بذكرها. الشفاعة: أقسامها مثبتة ومنفية، ومسائل كثيرة تتعلق بهذا الباب. ولشيخنا مقبل الوادعي رحمه الله كتاب «الشفاعة»، كتاب عظيم فيه ذكر الشفاعة لغة واصطلاحا، وأقسام الشفاعة، وأسباب تحصيلها، وما لا يحل فيه الشفاعة، إلى آخر ذلك. فيُراجع هذا الكتاب؛ فإنه عظيم في هذا الباب. قال رحمه الله: «نعم، وإن عذاب القبر بالحق موضح». هذا فيه ما يتعلق بعذاب القبر، وهما يجري في اليوم الآخر: عذاب القبر. وعذاب القبر قد دلت أدلة الكتاب والسنة عليه. منها قوله جل وعلا: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. وقوله جل وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾، نزلت في عذاب القبر كما جاء عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما في الصحيح. وهكذا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، منها ما جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام مر بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير» الحديث. ومنها قوله عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة في الصيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «تُعَذَّبُ يَهُودُ فِي قُبُورِهَا، تُعَذَّبُ يَهُودُ فِي قُبُورِهَا». وهذا يدل على أن العذاب، أي عذاب القبر، عام يشمل أهل الكفر كذلك، وهو عذاب مستمر غير منقطع. وأما عذاب أهل التوحيد إذا عذبوا في قبورهم فإنه ينقطع، يعذبون ما شاء الله جل وعلا أن يعذبهم. وأما عذاب الكافرين فهو مستمر: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، غدوا وعشيا: استمرار في الغدو والعشي، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. فعذاب الكفار عذاب دائم، عذاب دائم غير منقطع. وهكذا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تعوذوا من عذاب القبر». وهذا كان عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». يقول هذا الدعاء في تشهده عليه الصلاة والسلام الأخير، يتعوذ من هذه الأربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال. فهذا أيضا فيه ذكر عذاب القبر، وغير ذلك من النصوص الكثيرة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام التي فيها بيان عذاب القبر. وعذاب القبر يكون على الروح وعلى الجسد، وتارة يكون على الروح وحدها، على الروح وحدها، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: عذاب القبر قد يكون على الروح والبدن عند اجتماع الروح فيعذبان، وعند افتراق الروح ربما يعذب البدن وحده. هذا الذي قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيما يتعلق بهذا الباب. وعذاب القبر من الأمور العظيمة، ولا ينجو من ذلك إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى. ومن يسلم من هذا العذاب؟ الأنبياء، وكذلك الأطفال، وهكذا المجانين الذين لم يكلفوا ورفع القلم عنهم. فهؤلاء غير مكلفين، والقلم مرفوع عنهم. وأما غير هؤلاء، فمن وفقه الله سبحانه وتعالى على الاستقامة وللشرع المستقيم، كان في هذه الدنيا بعيدا عن الذنوب والمعاصي، عن الكبائر، كان المستقيمين على شرع الله، فإنه ينجو، ينجو من عذاب القبر. وللقبر ضمة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ينجو منها أحد، ولو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الذي اهتز له عرش الرحمن حين مات، رضي الله تعالى عنه وأرضاه». فالإنسان يعمل لهذه الحفرة التي سيوضع فيها، فنحن مقبلون على هذه الحفرة اليوم أو غدا، لا بد من ذلك. فما هو العمل الذي معنا؟ ما ينفعنا إلا العمل. سيتبعك مالك، ويتبعك أهلك، وسيتبعك عملك. هؤلاء الثلاثة يبقى واحد ويرجع اثنان، يبقى عملك ويرجع أهلك ومالك. فلذلك الإنسان يعمل لهذا اليوم العظيم. وأول المنازل هذا القبر، أول المنازل. كان عثمان رضي الله تعالى عنه إذا وقف على المقابر يبكي حتى تخضل لحيته رضي الله تعالى عنه، فيقول له: يا عثمان، تذكر النار وتذكر العذاب فلا تبكي، ولما تخرج للمقابر تبكي؟ قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «القبر أول منازل الآخرة، القبر أول منازل الآخرة، فمن نجا فكان ما بعده أيسر، ومن لم ينجو فكان ما بعده أشد»، أو بهذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: «ولا تكفر أهل الصلاة وإن عصوا، فكلهم يعصي وذو العرش يصفحوا». هذا فيه تحذير من تكفير أهل الصلاة، والمراد بأهل الصلاة: أهل الإسلام، أهل الإسلام الذين حققوا التوحيد، وإن كانت عندهم كبائر وذنوب دون الشرك، عندهم معاصي دون الشرك. فهؤلاء لا يكفرون. وهذا رد عن الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي وبال كبائر. والمؤلف رحمه الله يبين منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب: «ولا تكفر أهل الصلاة وإن عصوا». وليس معنى «أي معصية»، لكن المراد «وإن عصوا» يعني المعاصي التي هي دون الشرك، التي دون الشرك والكفر بالله عز وجل. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «من صلى صلاتنا، وذبح ذبيحتنا، واستقبل قبلتنا، فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا». فالإنسان لا يكفر بالكبائر كما يفعل الخوارج. الخوارج هم الذين يكفرون بالكبائر. وأما الذي ترك الصلاة فهذا الذي يكفر. قال المؤلف: «ولا تكفر أهل الصلاة»، فيه إشارة إلى تكفير تارك الصلاة. تكفير تارك الصلاة: أما تارك الصلاة جحدا، فهذا لا خلاف فيه بين أهل السنة، الإجماع قائم على كفر تارك الصلاة جاحدا. لكن الخلاف في من ترك الصلاة من غير جحود. فمنهم من كفره، وهو رواية عن الإمام أحمد وجماعة، واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة. منها قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، فجعل إخوة الدين في إقام الصلاة. وقد يقال في إقام الزكاة. نقول: جاء النص الآخر الذي يخصص ويخرج الزكاة من هذا، وهو حديث أبي هريرة في صحيح مسلم في ذلك الرجل الذي لم يزك ماله، فإنه يعذب في ذلك اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة، ثم يرى مقعده إما إلى جنة وإما إلى نار. فهذا الحديث خصص هذه الآية فيما يتعلق بأمر الزكاة. لكن بقي أمر الصلاة، علق الإخوة الدينية على إقام الصلاة. وهكذا قال جل وعلا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. نعم، فإذا قال جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾، تاب من ماذا؟ في بداية الآية: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾، ماذا فعلوا؟ ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾، ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾، تاب من ماذا؟ تاب من تركه للصلاة، ﴿وَآمَنَ﴾، آمن من ماذا؟ آمن من ما وقع منه من كفر بتركه للصلاة. فقوله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾، ماذا فعل هو؟ هو تارك الصلاة، إلا يحتاج إلى توبة وإيمان، والإيمان إنما يكون بعد الكفر. فهذا أيضا من أقوال دالة على كفر تارك الصلاة وإن تركها تهاونا وتكاسلا. وهكذا قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾، هذا سبب وقوعهم في سقر. وحديث سنة النبي عليه الصلاة والسلام: حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما في صحيح مسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل والكفر أو الشرك ترك الصلاة». وفي حديث بريدة في السنن، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وجاء عن شقيق بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر إلا الصلاة. فهذه النصوص واضحة بينة في كفر تارك الصلاة وإن تركها تهاونا وتكاسلا. وإن كان مذهب جمهور العلماء عدم كفر تارك الصلاة ما دام عن كسل ومن غير جحود، ولكن الصحيح لدلالة عليه الأدلة أنه يكفر، أن تارك الصلاة ولو كان غير جاحد فإنه يكفر. وحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي جاء في الشفاعة: «إن الله سبحانه وتعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط»، فهذا مستثنى، وهذا الحديث مخصوص بما جاء في النصوص الأخرى. «ولم يعمل خيرا قط» يعني حتى لم يعمل بالتوحيد، حتى لم يأت بالشهادتين؟ الجواب: لا. فإذا كيف «لم يعمل خيرا قط»؟ يعني أتى بالتوحيد، أتى بالشهادتين. الجواب: نعم. يعني الحديث: «لم يعمل خيرا قط» ومن عمل الخير الإتيان بالشهادتين. ولا يقول قائل بأن هؤلاء الذين يخرجون من النار بالشفاعة أنهم لم يأتوا بالشهادتين. نقول: كذلك، وأيضا الصلاة لابد منها. «لم يعمل خيرا قط» يعني إلا الشهادتين، وإلا كذلك الصلاة، وإلا كذلك غير هذه الأعمال التي دلت الأدلة على الإتيان بها ولابد منها، وإن من تركها فإنه يكفر. فنصوص الكتاب والسنة بعضها نصوص عامة، جاءت نصوص أخرى خصصتها، فالنص يخصص، وهناك المجمل يبين، والمطلق يقيد. هذه من قواعد أهل العلم التي هم عليها، وهو الصواب والحق في فهم الكتاب والسنة الذي كان عليه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ومن تبعهم بإحسان. نعم، قال: «فكلهم يعصي وذو العرش يصفحوا». يعني الناس يعصون، والله عز وجل يصفح. بل جاء النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث أن الله سبحانه وتعالى قال: «لولا تذنبون لأتى الله جل وعلا بقوم يذنبون فيستغفرون الله». فرحمة الله جل وعلا واسعة، قد كتب كتابا عنده جل وعلا أن رحمته سبقت غضبه. فالإنسان لا يحجر رحمة الله سبحانه وتعالى، رحمة الله جل وعلا واسعة. المذنب نعم على خطر، وعليه هلكة، لا تمنعه من رحمة الله، ولا تمنعه من عفو الله. لذلك ذلك الرجل الذي قال لذلك المذنب الذي دائما يراه على ذنبه، على معصية، كما جاء في حديث أبي هريرة: «والله لا يغفر الله لك، والله لا يغفر الله لك». قال الله: «عزتي من الذي يتألى علي أن لا أغفر له لفلان؟ فقد غفرت له وأحبطة عملك». قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: قال كلمة، أوبق دنياه وآخرته. يعني أهلك بسبب كلمة واحدة. لماذا تمنع عنه مغفرة الله عز وجل؟ رحمة الله جل وعلا واسعة. عليك بالنصيحة والدعوة له، أما أن تمنعه رحمة الله، وأن الله عز وجل لا يغفر له، أو تكفره بارتكابه الكبيرة، فهذا من الذنب العظيم والجرم العظيم. ربنا سبحانه وتعالى عفوه واسع ورحمته واسعة. قال: «وذو العرش يصفحوا». وذو العرش: أي صاحب العرش، والعرش أكبر مخلوقات الله سبحانه وتعالى، وهو العرش الذي استوى عليه ربنا سبحانه وتعالى، استواء يليق بجلاله. الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى. والعرش في اللغة هو سرير الملك. في اللغة: سرير الملك. قال جل وعلا في وصف عرش ملكة سبأ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. وعرش الرحمن سبحانه وتعالى من أكبر مخلوقات الله جل وعلا، وهو كذلك أعلى المخلوقات. العرش، ووصف بأوصاف: بأنه مجيد، بأنه كذلك عظيم، ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ﴾. ومن أوصاف هذا العرش أن هذا العرش يحمله ملائكة: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. نعم. وهكذا العرش له قوائم، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «بعد الصعق، قال: فإذا موسى أخذ بقوائم العرش، فلا أدري أكان ممن شملته الصعقة فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله». أي هذا الصعق. ومن أوصاف العرش أن الملائكة حافين حول العرش: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، إلى آخر ذلك من الأوصاف. والعرش هو أول مخلوق على الصحيح، قبل القلم. أول المخلوقات هو العرش قبل القلم. دل على ذلك حديث وفد اليمن الذين جاءوا للنبي عليه الصلاة والسلام، وقال لهم: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها أهل ثقيف». فقال: يا رسول الله، نسألك عن أول هذا الأمر؟ فقال النبي عليه السلام: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء». وكان عرشه على الماء. وأما الأولية التي ذكرت في حديث القلم: «إن أول ما خلق الله القلم»، أي حين خلقه. معنى الحديث: أول ما خلق الله القلم يعني حين خلقه أمره أن يكتب، وليس أولية مطلقة. وهذا الذي قرره ابن القيم رحمه الله وجماعة من أهل العلم: في أن العرش هو أول مخلوقات، وهو قبل القلم. قال ابن القيم رحمه الله في النونية: «والناس مختلفون في القلم * الذي كتب القضاء به من الديان هل كان قبل العرش أم هو بعده * قولان عند أهل العلم بالقرآن والحق أن العرش قبله لأنه * قبل الكتابة كان ذا أركان وكتابة القلم الشريف تعقبت * إيجاده من غير فصل زماني لما براءه الله قال اكتب كذا * فجرى بأمر الله ذا جريان» أي أن العرش خلق قبل القلم، وهذا هو الصحيح. قال رحمه الله تعالى: «ولا تعتقد رأي الخوارج، إنه مقال لمن يهواه، يردي ويفضحه». هذا فيه تحذير من رأي الخوارج. الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب، سموا خوارج؛ خروجهم على علي بن أبي طالب، وهذا لأنهم خرجوا عن جماعة المسلمين، وخرجوا عن ولاة أمور المسلمين، فسموا خوارج. ويسمون كذلك حرورية، لأنهم حين خرجوا كانوا في قرية وفي بلدة يقال لها حرورة، اجتمعوا فيها. الخوارج يكفرون بالكبائر، وعندهم مرتكب الكبيرة كافر في الدنيا، خالد مخلد في نار جهنم. والمعتزلة: عندهم مرتكب الكبيرة في الدنيا في منزلة بين منزلتين، وفي الآخرة مخلد في نار جهنم. والخوارج لهم أنصار في يومنا هذا. ومن الفرق المعاصرة اليوم: الخوارج الإباضية في عمان وغيرها من هذه البلاد. وأيضا من سلك طريق الخوارج تأثر بهم، فهكذا توجد خارجية عصرية، وهم الذين يكفرون حكام المسلمين، ويكفرون المجتمعات، ويفعلون هذه التفجيرات في بلاد أهل الإسلام. هذه عندهم نزعات خارجية، هؤلاء عندهم نزعات خارجية من نزعات الخوارج. فالخوارج حذر منهم النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «هم كلاب أهل النار». وقال فيهم: «لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم». قال أبو أمامة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الخوارج كلاب أهل النار». قال له: هل سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، أكثر من مرة. يعني سمع ذلك مرة ولا مرتين؟ يعني سمع من النبي عليه السلام ذلك أكثر من مرة، وأكثر من مرتين، أنه يقول: «الخوارج كلاب أهل النار». ووصفهم النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم: «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية». قال: «يقرؤون القرآن لا يتجاوز حناجرهم»، إلى آخر ذلك ما جاء في الخوارج. فمذهب الخوارج مذهب خطير، استحلوا دماء المسلمين، واستحلوا أموال المسلمين، واستحلوا أعراضهم، والعياذ بالله. كفروا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لشبه واهية، كشفها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في مناظرته لهم، وبان عوارهم. ولكنهم أهل هوى، من كان في أول أمر غير متبين الأمر رجع، لكن الذي ركب الهوى بقي عليه، فخرجوا على أهل الإسلام، والعياذ بالله. فالمؤلف يحذر من الخوارج: «ولا تعتقد رأي الخوارج، إنه مقال لمن يهواه، يردي ويفضحه». الخوارج: هذا من أخذ به، أخذ بهذا المذهب، فقد أخذ بالهوى، لأن الخوارج هي من الفرق الهالكة. ولذلك قال بصلة في حديث الافتراق: «ستفترق هذه الأمة إلى ثلاثة وسبعين فرقة». جاء في لفظ: «كلها في النار»، كما عند ابن أبي عاصم في السنة، صححه العلامة الألباني رحمه الله. فالخوارج رأي، وليس هو دليل معهم، لأنه قال: «ولا تعتقد رأي». لأن أهل الهوى يتبعون الآراء، كما قال عمر رضي الله تعالى عنه في أهل الهوى: «أعيتهم السنن، أعيتهم السنن أن يحفظوها، فأخذوا بالرأي، فضلوا وأضلوا». قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «لو كان الدين بالرأي لكان المسح على باطن الخف أولى من المسح على أعلاه». فالآراء، والعياذ بالله، مذمومة. والخوارج هم من تبع الرأي والهوى، ومن أخذ بهم فإنه لا شك يكون على ضلال وعلى هوى، وسيفضح في الدنيا والآخرة. قال: «ولا تكن مرجئا لعوبا بدينه، ألا إن من المرجإ بالدين يمزحه». تحذير من المرجئة. المؤلف رحمه الله بعد أن ذكر منهج أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بمرتكب الكبيرة، بين منهج الخوارج وأنهم يكفرون بالكبائر، ثم انتقل إلى منهج المرجئة. المرجئة يدخلون في الإيمان ماذا؟ يجعلون مرتكب الكبيرة كامل الإيمان، كامل الإيمان: إيمانه إيمان جبريل سواء، إيمانه إيمان الصحابة سواء، إيمانه إيمان النبي عليه الصلاة والسلام سواء. هذا المزح، هذا لعب بالدين. إذا جئت إلى شخص مرتكب كبائر تقول له: أنت سواء، إيمانك وإيمان النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: تمام، سأزيد أكثر في الذنوب، أزيد ما يتحرق. قال: لا، يعني خلال، افعل ما شئت، إيمانك مثل إيمان النبي عليه الصلاة والسلام وإيمان جبريل. لذلك ذكر عن بعض أحد المرجئة مر على شارب خمر وهو يشرب خمر، وهو يشرب الخمر، فمر المرجي عند هذا شارب الخمر، فهذا شارب الخمر لما رأى المرجي سبه، شتمه. قال: هذا جزائي، أني جعلتك كامل الإيمان، هذا جزائي، هذا جزائي، أني جعلتك مؤمنا كامل الإيمان، لا تشتمني. نعم، سبحان الله. فالمرجئة يمزحون في الدين. وللإرجاء معناه في اللغة: التأخير، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾. والمراد به في الاصطلاح: تأخير العمل عن الإيمان، وإخراج العمل عن مسمى الإيمان. والمرجئة فرق: منهم غلاة، كالجهمية، كالكَرَّامية. منهم من يقول: الإيمان المعرفة فقط. طيب، على هذا المذهب إبليس مؤمن، لأن إبليس عرف ربه. ومنهم من يقول كذلك: الإيمان هو القول فقط. وعلى هذا المذهب المنافقون مؤمنون، لأنهم قالوا: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾. نعم، فرعون كذلك مؤمن: ﴿آمَنْتُ بِالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. ومن المرجئة: وهم مرجئة الفقهاء، الذين يقولون: الإيمان قول واعتقاد، وأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان. وهم مرجئة الفقهاء، هذا فيه كثير من الحنفية، غلطوا في هذا الباب، حيث أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان. ومن خالف المرجئة في بعض الأمور، في مثل تأثير الذنوب على الإيمان، ومثل تأثير كذلك الطاعات، بخلاف المرجئة الغلاة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما أنه لا تنفع طاعة مع الكفر. نعم، لا تنفع طاعة مع الكفر، وهكذا لا تضر الذنوب مع الإيمان. وهذا كله باطل. مذهب أهل السنة والجماعة، كما سيأتي، يقول المؤلف رحمه الله: «قول وعمل واعتقاد». فهذا فيه تحذير من المرجئة، تحذير من المرجئة. والمرجئة هؤلاء يمزحون ويلعبون بدين الله سبحانه وتعالى. قالوا: إنما الإيمان قول ونية. «وفعل على قول النبي مصرحه». بعد أن ذكر منهج الخوارج ومنهج المرجئة، ذكر منهج أهل السنة والجماعة، وهو أن الإيمان قول. فالإيمان قول. قال جل وعلا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». قول لا إله إلا الله: قول. وإماطة الأذى عن الطريق: عمل وفعل. والحياء شعبة من الإيمان: وهذا كذلك عمل القلب. فهو قول وعمل واعتقاد. وهكذا قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، أي صلاتكم، فأطلق على الصلاة إيمانا. فهذا يدل على أن الأعمال من الإيمان، الأعمال تدخل في الإيمان. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كامل» في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيح: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». جعل هذه الأمور كلها من الإيمان: الإنكار باللسان، والإنكار باليد، والإنكار بالقلب، فكلها من الإيمان. الإيمان يتعلق بالقول والعمل وكذلك الاعتقاد، وهو عمل القلب. وقوله: «على قول النبي مصرحه»، يعني في الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا في الآيات. «قالوا: يزيد طرا وينقص طرا، بالمعاصي تارة، وبطاعة ينمي، وفي الوزن يرجحوا». يعني الإيمان، من معتقد أهل السنة والجماعة، أنه يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي وترك الطاعات. ودلت زيادة الإيمان ونقصانه كثيرة في الكتاب والسنة. قال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾. وهكذا قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾. قال جل وعلا: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾. قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. ودلت زيادة الإيمان ونقصانه في كتاب الله كثيرة. وقفت سنة النبي عليه الصلاة والسلام: قال ابن عمر: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن». من إحداكن. فهذا الحديث فيه بيان أن الإيمان ينقص. ودلت زيادة الإيمان هي كذلك، دل على النقصان. فإذا كان الإيمان يزداد، فمعنى ذلك ينقص. ويزداد بماذا؟ بالطاعات. وكان الصحابة يقول بعضهم لبعض: «هلم نزد إيمانا؟» فيجلسون يذكرون الله سبحانه وتعالى. قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. والذين في زيادة الإيمان ونقصانه كثير. خلافا للخوارج المرجئة. الخوارج المرجئة يكذبون على رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويقولون: حديثا: «الإيمان كامل مكمل في القلب، زيادته شرك، ونقصانه كفر». وهذا حديث كذب موضوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يصح. عن أبي الليث السمرقندي الضال: «الإيمان كامل مكمل في القلب، زيادته شرك، ونقصانه كفر». هذا باطل. كيف زيادة الإيمان شرك، ونقصان الإيمان كفر؟ لا، زيادة الإيمان مما جاء في كتاب الله عز وجل، وهكذا نقصان الإيمان. فزيادة الإيمان: طاعات وقربات، ونقصان الإيمان كذلك: مخالفات ومحرمات. قال رحمه الله: «ودع عنك أرى الرجال، ودع عنك أرى الرجال، وقولهم، فقول رسول الله أولى وأشرحه». فيه تحذير من التعصب المذهبي لآراء الرجال. فلا يتعصب لآراء الرجال، تعصب للأئمة أو للعلماء في الباطل أبدا، وإنما اتباع بالحق. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويقولون: قال أبو بكر وعمر». يعني ينهاهم عن التعصب لأبي بكر وعمر، ويقدمون قول أبي بكر وقول عمر على قول رسول الله عليه الصلاة والسلام. فمن بعد أبي بكر وعمر هذا الذي يقدم قوله على قول رسول الله سلام؟ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله. فلا يقدم قول أحد على قول النبي عليه الصلاة والسلام أبدا. فهذا فيه التحذير من التقليد الأعمى ومن التعصب المذهبي. نعم، أهل الحق يجلون، وأهل الحق كذلك يوقرون، ولكن لا يتعصب لهم، لا يتعصب لهم، فتأخذ أقوالهم وتترك حديث رسول الله. الإمام مالك رحمه الله يقول: «كل يؤخذ من قوله ويرد، إلا صاحب هذا القبر»، ويشير إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام. الشافعي يقول: «إذا رأيتم قولي خالف قول رسول الله سلام، فارموه به عرض الحائط». وهكذا الأئمة. وهذا كله فيه التحذير. بعض الناس الآن تقول: قال رسول الله سلام، يقول: قال الشافعي، كأنه قال كذا، لكن مالك قال كذا، لكن أبو حنيفة قال كذا، لكن الإمام محمد قال كذا. فالعبرة بما ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. والأئمة يحترمون، يجلون، وما وقع فيه من أخطائهم معذورون فيها. والشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رسالة عظيمة في هذا، وهي «رفع الملام عن أئمة الأعلام». فالأئمة يعتذر لهم، لكن لا يتعصب لهم، ترد سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. تعصب اليوم، تعصب أكثر الناس على التعصب للمذاهب، نعوذ بالله العافية. فالمؤلف يحذر من أخذ الرجال والتعصب لها. فقول رسول الله أولى وأشرح، هذا هو الواجب الذي تنشرح به الصدور، هو قول النبي عليه الصلاة والسلام. «وَلَا تَكُنْ مِنْ قَوْمٍ تَلْهُوا بِدِينِهِمْ فَتَطْعَنَ فِي أَهْلِ الْحَدِيثِ وَتَقْطَعُوا». وهذا فيه تحذير من السخرية والاستهزاء واللهو بدين الله، أو بالعلماء، بأهل السنة، وبأهل الحديث. من علامة أهل البدع: الوقيعة في أهل الأثر، في أهل الحديث. كان السلف يمتحنون الناس بأهل الحديث، بالأوزاعي، وكذلك غيرهم، بالإمام مالك، وبالشافعي، وبأحمد. وهكذا في هذه الأزمان المتأخرة، يختبر الناس بأهل الحديث: الشيخ الألباني، والشيخ ابن باز رحمة الله تعالى عليه، والشيخ الوادعي. أهل الحديث، فلا يطعن في أهل الحديث، ولا يطعن في أهل الحديث. وليس مع ذلك أنه إذا زل أحد من أهل الحديث الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أو أن هناك مثلا من زلت قدمه، يُكل ما عليه. الكلام هنا على أهل الحديث الذين هم على الجادة، على الجادة وعلى سيرهم، والعلماء قد أثنوا عليهم. فلا يطعن الإنسان في أهل الحديث. والمقصود بأهل الحديث: أهل الحديث دراية ورواية، الحديث الذين علموا حديث رسول الله عليه الصلاة رواية أو دراية، ويدخل فيهم من يعمل بسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وكل هؤلاء يدخل في هذا. فالواجب يغض، لسان يحفظ، لسان من الوقيعة في أهل العلم وفي أهل الحديث. فهذا فيه سلامة. أهل السنة يوقرون، حملوا حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا الواجب. فالمؤلف يحذر: قال: «ولا تكن من قوم تلهوا بدينهم، فيطعنوا في أهل الحديث ويقدحوا». «إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه، فأنت على خير تبيت وتصبح». يعني إذا أنت على هذا الاعتقاد الذي قد ذكره المؤلف رحمه الله، هذا الاعتقاد المستمط من كتاب الله، ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه السلف الصالح، فالإنسان إذا كان على هذا الاعتقاد فهو على خير في صباحه وفي مسائه، وهو على خير. لماذا؟ لأن السعادة والسلام والخير إنما تكون في سلوك المعتقد السليم الصحيح، تسير على منهج رسول الله عليه الصلاة والسلام. الحمد لله، ولو راحت الدنيا والله لا تبالي. أهم شيء أنت تسير على الصراط المستقيم، على الحق، على الجادة، اعتقادك سليم، عباداتك سليمة، أقوالك سليمة، مطمئن. هذه السعادة، ترحل على هذا الخير العظيم. فأنت والله على خير في صباحك وفي مسائك. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الذين تمسكوا بكتابه وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ونجعلنا من السائرين على منهج السلف الصالح، ونسأل الله أن يرحم مؤلف هذه القصيدة رحمة واسعة، وأن يجمعنا به وبالعلماء الربانيين، ومع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يوم القيامة. عليه، والحمد لله رب العالمين.