شرح حائية ابن أبي داود 10

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 10، الدرس العاشر:من( وقل يتجلى الله للخلق جهرة ... فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

رؤية المؤمنين لله يوم القيامة في عقيدة أهل السنة

يشرح المقطع اعتقاد أهل السنة والجماعة بأن المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة، مستدلاً بآيات قرآنية كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وحديث صهيب في صحيح مسلم. ويبين أن إنكار الرؤية من بدع أهل الضلال، وأن الزيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ هي النظر إلى وجه الله الكريم.

إثبات رؤية المؤمنين لربهم بالكتاب والسنة والإجماع

يستعرض المقطع أدلة رؤية الله يوم القيامة من القرآن الكريم كآيات سورة ق وتفسير السلف للمزيد، والسنة النبوية المتواترة عن أكثر من عشرين صحابياً، وإجماع السلف وأهل السنة على إثباتها. كما يذكر قول المخالفين من الجهمية والمعتزلة الذين نفوا الرؤية.

الرد على شبهة الجهمية والمعتزلة في نفي رؤية الله

يبيّن المقطع أن استدلال الجهمية والمعتزلة بقوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وقوله لموسى ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ على نفي الرؤية باطل؛ لأن الإدراك يعني الإحاطة لا مجرد الرؤية، وقد فرّق القرآن بين الرؤية والإدراك كما في قصة موسى وفرعون. ويؤكد أن إثبات الرؤية لا يستلزم التجسيم، بل الرؤية ثابتة بلا كيفية ولا إحاطة.

خاتمة الدرس والتذكير بعدم الإحاطة الكاملة بالموجودات

يؤكد المتحدث أن الإنسان لا يدرك الأشياء إدراكاً كلياً كما في مثال البحر، ثم يعلن انتهاء وقت الدرس مع الوعد بمواصلة الموضوع لاحقاً.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقد ذكرنا في الدرس الماضي قول المؤلِّف رحمه الله: "وقل يتجلى الله للخلق جهرة كما البدر لا يخفى وربك أوضح". وقلنا: إن المؤلف رحمه الله ذكر في هذه الأبيات معتقد أهل السنة والجماعة في باب رؤية الله جل وعلا يوم القيامة. فإن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله جل وعلا يرى يوم القيامة، كما دلت على ذلك أدلة الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة، وأجمع عليه سلف الأمة. فما من مؤلَّف في الاعتقاد إلا ويذكر فيه أئمة الإسلام هذا المبحث، وما يتعلق برؤية الله جل وعلا يوم القيامة، ورؤية المؤمنين الله جل وعلا يوم القيامة. انظروا كتب الاعتقاد: كعقيدة الأئمة، وعقيدة المقدسي، والشرح الواسطية أو الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، والطحاوية للإمام الطحاوي، والرسالة الوافية لأبي عمر الداني، وغيرها من كتب الاعتقاد يذكرون هذا المبحث. وهكذا في كتب السنة يذكرون الأحاديث، كتب الحديث تذكر الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المبحث، في رؤية المؤمنين الله جل وعلا يوم القيامة. وهنا المؤلف رحمه الله سار على ما سار عليه السلف، فذكر رحمه الله هنا هذا المبحث في قصيدته الحائية. وسبب ذكر أهل السنة والجماعة، أئمة الإسلام، هذا المبحث في كتب الاعتقاد: سبب ذلك أنه ظهر طوائف من طوائف أهل الضلال ينكرون هذا، ينكرون رؤية الله جل وعلا يوم القيامة، وعطّلوا النصوص الواردة في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحيحة. فلذلك سطر أئمة الإسلام في كتب الاعتقاد هذا المبحث الذي يتعلق برؤية الله جل وعلا، رؤية المؤمنين ربهم جل وعلا يوم القيامة. وقد ذكرنا في الدرس الماضي بعض الأدلة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الدالة على أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا يوم القيامة، وينظرون إلى وجه الكريم سبحانه وتعالى. ومنها قوله جل وعلا كما في كتابه الكريم في سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: 22-23]، ينظرون إلى النعيم، كما فسر السلف، ومن ذلك النعيم النظر إلى وجه الله الكريم. ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]، كما في سورة المطففين. وهذه الآية تدلنا على أن الله جل وعلا حجب الرؤية عن الكافرين، والفائدة من ذلك أنه لا يحتجب عن المؤمنين، وإنما يرونه جل وعلا. كما قال الشافعي وأحمد وغيرهما من علماء الأمة: قالوا: حجب رؤيته عن الكافرين في حال السخط، فدل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا. حجب رؤيته عن الكافرين حال السخط، فأهل الإيمان يرونه في حال الرضا. ويلقى لما قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه كما في النونية: "ولقد أتى في المطففين أن القوم حجبوا عن رؤية الرحمن، فدل بالمفهوم أن المؤمنين يرونه في جنة الحيوان". وبدأ يستدل الشافعي وأحمد وسواهما من علماء الأزمان. يعني: منطوق الآية: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، مفهومها أن المؤمنين لا يحجبون. أن حجب الرب جل وعلا عن الكافرين رؤيته، وهذا هو منطوق الآية، فمفهومها يدل على أن المؤمنين يرونه جل وعلا. وكذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]. والحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم، كما جاء في صحيح مسلم وغيره عن صهيب. وبعضهم يجعله مرفوعاً، ومنهم من يصحح الوقف. جاء عن جمع من الصحابة تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، منهم: حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما، وهكذا أبي رزين العقيلي، وجماعة من الصحابة فسروا الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم. وجاء في حديث صهيب عند الإمام مسلم رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، أتى الله جل وعلا، أو جاء الله جل وعلا، فيقول: يا أهل الجنة، يا أهل الجنة، هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا يا رب لا نرضى، وقد بيّضت وجوهنا، وأدخلتنا الجنة، وأنجيتنا من النار؟ فيقول الله جل وعلا: أزيدكم؟ فيكشف ربنا عز وجل عن وجهه، فينظرون إلى وجهه، فما أعطوا نعيمًا". يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "فما أعطوا نعيمًا أعظم من النظر إلى وجه الله الكريم". نسأل الله جل وعلا من فضله ورحمته أن يجعلنا ممن يتلذذ بالنظر إلى وجهه الكريم يوم القيامة. وكذلك قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. قال الإمام ابن المبارك رحمه الله، كما في شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام اللالكائي: قال ابن المبارك رحمه الله: "فمن كان يرجو"، فمن كان يرجو النظر إلى وجه خالقه، "فمن كان يرجو النظر إلى وجه خالقه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا". فهذا تفسير هذا الإمام المبارك لهذه الآية. قال: فمن كان يرجو ربه، أن يرجو النظر إلى وجه خالقه جل وعلا. وكذلك في سورة ق قال جل وعلا: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 31-35]. وفسر المزيد بالنظر إلى وجه الله الكريم سبحانه وتعالى، عن جمع من السلف. فهذه آيات فيها بيان أن المؤمنين يرون الله جل وعلا يوم القيامة. ذكر بعضها العلّامة، قال: ظهر لي في كتاب الله مما يدل على إثبات رؤية المؤمنين ربهم جل وعلا يوم القيامة سبعة عشر آية في كتاب الله، سبعة عشر آية في كتاب الله جل وعلا تدل على رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا يوم القيامة. ولكن يحتاج ذلك إلى مزيد نظر، يعني في هذه الآيات حتى يتبين هذا. وإلا ففي الآيات الواضحة ما سمعتم، التي يذكرها غالب أهل السنة في كتب الاعتقاد عند ذكر مبحث الرؤية، وهي هذه الآيات التي سمعتم بعضها. وأما الأحاديث الثابتة عنه، فمنها حديث جرير بن عبد الله البجلي، وقد ذكرناه في الدرس الماضي، أنه عليه الصلاة والسلام قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر"، في رواية: "ليلة أربع عشرة"، "لا تضامون في رؤيته"، في رواية: "لا تضارون في رؤيته"، أي لا تجدون ضررًا. "فإن استطعتم ألا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الفجر، قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا"، أي صلاة الفجر وصلاة العصر. وهكذا جاء من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث ابن عمر، وجاء كذلك عن جمع من الصحابة أحاديث في الرؤية. لذكر بعضها العلّامة: أن الأحاديث الواردة في الرؤية جاءت، جاءت عن أكثر من عشرين صحابياً، جاءت عن أكثر من عشرين صحابياً فيها إثبات رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا يوم القيامة. نقل ذلك عن يحيى بن معين، قال: عندي سبعة عشر حديثاً في الرؤية كلها صحاح. نقل ذلك الدارقطني رحمه الله، وهكذا غيره من أهل العلم عن يحيى بن معين، أنه يقول: عندي سبعة عشر حديثاً في الرؤية كلها صحاح، أي صحيحة. فالأحاديث الواردة يعني أسانيدها متواترة في الرؤية. ومنها كذلك ما جاء عن رجل من الصحابة كما في مسلم، وجاء من رواية ابن عمر: النبي عليه الصلاة والسلام قال: "اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا"، في رواية: "تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا". فأثبت النبي عليه الصلاة والسلام رؤية رب العالمين بعد الممات، أي في القيامة، أي يوم القيامة، كما أخبر عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الأخرى، وكما أخبر الله عز وجل في كتابه الكريم. وكان يدعو عليه الصلاة والسلام في دعائه ويقول: "اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة". والحز عند بعض السنن، صححه العلامة الألباني رحمه الله. ولذلك قال بعض العلّامة: مما تواتر حديث: "من كذب"، "ومن بنى لله بيتاً واحتسب"، "ورؤية"، "شفاعة"، "والحوض"، "ومسح خفين". هذه بعض، يعني في هذين البيتين ذكر أمور جاءت فيها أحاديث متواترة، ومنها الرؤية، ورؤية شفاعة، الرؤية والشفاعة والحوض ومسح خفين، إلى آخر ذلك. قد نقل الإجماع، إجماع السلف الصالح على إثبات رؤية المؤمنين ربهم جل وعلا يوم القيامة، غير واحد من أهل العلم. فذكر النووي رحمه الله إجماع أهل العلم، وقال: أهل السنة قاطبة اتفقوا على رؤية رب العالمين يوم القيامة، إلا من ضل كَالخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة. هكذا قال رحمه الله. ونقل ابن القيم رحمه الله كذلك إجماع السلف على رؤية رب العالمين يوم القيامة، وأن الحديث قد تواترت في هذا، كما قال رحمه الله في نونيته: قال رحمه الله في نونيته: "وهذا تواتر عن رسول الله، لم ينكره إلا فاسد الإيمان". قال قبل ذلك: "ويرونه سبحانه من فوقهم نظر العيان، كما يرى القمران. هذا تواتر عن رسول الله، لم ينكره إلا فاسد الإيمان". ويريد المعتزلة والجهمية والخوارج وغيرهم ممن ضل في هذا الباب، الذين أنكروا هذا وضلوا فيه. فإذا أدلة الكتاب والسنة والإجماع ثابتة على رؤية المؤمنين ربهم جل وعلا يوم القيامة، ضل في هذا الباب فرق ممن ضل في هذا الباب: الجهمية والمعتزلة. فالجهمية والمعتزلة نفوا الرؤية، قالوا: إن الله جل وعلا لا يرى، لا في الدنيا ولا في الآخرة. هكذا قال الجهمية والمعتزلة: الله لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة. استدلوا ببعض الأدلة أو بأدلة من كتاب الله جل وعلا، منها قوله جل وعلا: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103]. فقالوا: لا تدركه الأبصار، وفسروا الإدراك هنا بالرؤية، أي لا تراه. لا تدركه الأبصار أي لا تراه الأبصار، فإذا الله جل وعلا لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. واستدلوا كذلك بقوله جل وعلا لموسى لما قال موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143]. ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً. فلما أفاق قال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين. فقالوا: قال الله عز لموسى: لن تراني، أي لا في الدنيا ولا في الآخرة. قالوا: لأن "لن" تفيد التأبيد، أن نفي للتأبيد، نفي مؤبد للرؤية، لا يمكن أن تحصل رؤية، نفي مؤبد دنيا وآخرة، لا يرى الله جل وعلا. وقالوا كذلك: إذا أثبتنا الرؤية لله جل وعلا، فهذا يستلزم التجسيم، وأن نجعل الله جل وعلا جسماً. لأن الرؤية قالوا تستلزم التحيز، أن يكون الله جل وعلا في حيز، أن يكون الله جل وعلا في حيز وفي جهة. فإذا قلنا بأن الله جل وعلا يرى، جعلناه في حيز، وجعلناه جسماً. فنحن ننزه الله جل وعلا عن ذلك، فلا نثبت الرؤية، لأن لازمها هذا التجسيم والتحيز. وفسروا النصوص الواردة في كتاب الله جل وعلا بتفسير باطل، عطّلوا النصوص، عطّلوا معانيها، وحرفوا بعض ألفاظها. فما استطاعوه من تحريف للفظ حرفوه، لأنه ليس كل آيات يستطيعون أن يحرفوها لفظاً، لكن بعض الآيات حرفوها لفظاً، والنصوص الأخرى عطّلوها معنى، عطّلوها معنى. هذه هي شبه الجهمية والمعتزلة. والآن يأتي الرد على هذه الشبه. أما ما استدلوا به من قوله جل وعلا: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، فإن معنى لا تدركه الأبصار: أي لا تحيط به. وقد جاء تفسير القرطبي رحمه الله وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه فسر الإدراك بالإحاطة. قال ابن عباس: لا تدركه الأبصار، أي لا تحيط به. فهذا معنى الآية، ليس معنى لا تراه الأبصار، وإنما المعنى: لا تحيط به. يعني: إذا ثبتت الرؤية للمؤمنين لربهم جل وعلا، فليست هذه رؤية بإحاطة، فرؤيتهم لا تحيط بالله جل وعلا، لا، وإنما رؤية من غير إحاطة. وما يدل على فساد قولهم: أن هناك فرقاً بين الرؤية والإحاطة، وهو الإدراك. فرق بين الرؤية والإدراك، فالرؤية شيء والإدراك شيء. الإدراك هو الذي يستلزم الإحاطة، لأن معناه الإحاطة. وأما الرؤية فتحصل رؤية ولا يحصل إدراك وإحاطة. فالذي أثبته الله جل وعلا لعباده: الرؤية، والذي نفاه عنه جل وعلا: الإدراك، الذي هو الإحاطة. وما يدل على هذا التفريق: ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿ثُمَّ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى لِمُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61-62]. فحصلت رؤية، حصلت رؤية من موسى وقومه لفرعون وقومه. فلما تراءى الجمعان، فلما تراءى الجمعان: جمع موسى عليه الصلاة والسلام، وجمع فرعون وقومه، حصلت رؤية موسى وأصحابه رأوا فرعون وقومه، وفرعون وقومه رأوا موسى وأصحابه. حصلت الرؤية، لكن هل حصل الإدراك؟ لم يحصل الإدراك. لذلك نفى موسى الإدراك ولم ينفي الرؤية والترائي. فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى: إنا لمدركون، وأحيط بنا. قال: لا، قال: كلا، كلا، إن معي ربي سيهدين. المعنى: أننا لم ندرك، ولم يحط بنا. نعم قد رأونا، المعنى أنهم قد رأونا، لكن أحاطوا بنا لا. ولذلك قال جل وعلا أيضاً في فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس: 90]، حتى إذا أدركه الغرق، أي أحاط به. ليس معناه رآه الغرق، ما يستقيم المعنى إذا فسرنا الإدراك بالرؤية هنا: حتى إذا أدركه الغرق، أي حتى إذا رآه الغرق، لا. حتى إذا أدركه الغرق يعني أحاط به. فالغرق أحاط بفرعون، وعلم أنه قد أدرك وأحيط به. قال بعد ذلك: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 90]، كما جاء في الآية. وعلى سبيل المثال، ولله المثل الأعلى: نحن نرى السماء، نحن نرى السماء، لكن هل ندرك السماء ونحيط بالسماء رؤية؟ الجواب: لا، ما نستطيع. نرى السماء بما ظهر لنا منها، لكن أين طرفها؟ هل نرى السماء التي فوق الحامي، والتي فوق بعيد، السماء التي بعيدة، السماء في أمريكا، السماء في أوروبا، كلها سماء المشرق والمغرب؟ نقول: نحن نرى السماء، لكن هل نستطيع نقول: أدركنا السماء؟ وهل نستطيع نقول: أحطنا بالسماء رؤية؟ لا. فرق بين الإحاطة والرؤية. فنحن نرى السماء لكن ليس معنى ذلك أننا قد أحطنا بها رؤية. الرؤية شيء، والإحاطة شيء، الذي هو الإدراك. بل هذا المسجد: إذا كنا مثلاً في هذه الجهة نقول: نرى المسجد، نحن نرى المسجد، لكن هل نحن نحيط بالمسجد رؤية؟ لا، هذه الجهة لا نرى، فنحن لا نرى إلا ما ظهر لنا. البحر: نقول نرى البحر، لكن هل أدركنا بالبحر رؤية، حيث أننا قد جمعنا، قد رأينا جميع البحر؟ لا. طيب، انتهى الوقت. إن شاء الله نواصل في هذا في درس لاحق، والحمد لله رب العالمين.