الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 9، الدرس التاسع:من( ولا تقل القرآن خلق قرأته*فإن كلام الله باللفظ يوضح ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع عبارة "لفظي بالقرآن مخلوق" التي أطلقها اللفظية، مبيناً أنها تحتمل معنى صحيحاً وهو خلق صوت القارئ، ومعنى باطلاً وهو خلق القرآن نفسه وهو قول الجهمية. وقد سدت الأئمة كابن الحسن وأحمد بن حنبل هذه الذريعة، فحكموا على من أراد باللفظ القرآن بالكفر، وألحقوا اللفظية بالجهمية بل اعتبروهم شراً منهم للتلبيس.
يوضح المقطع أن الإمام البخاري لم يقل بخلق القرآن بل قال: "ألفاظنا من أفعالنا وأفعالنا مخلوقة" قاصداً حركة اللسان والصوت، لا كلام الله تعالى، وقد التبس الأمر على بعض العلماء فتركوا الرواية عنه. ثم ينتقل المؤلف لذكر عقيدة أهل السنة في رؤية الله جل وعلا يوم القيامة مستشهداً بقصيدة ابن أبي داود.
يشرح المقطع عقيدة أهل السنة في تجلي الله جل وعلا للخلق يوم القيامة ورؤيتهم إياه رؤية حقيقية واضحة كالبدر، مستدلاً بآيات القرآن كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وأحاديث متواترة كحديث جرير بن عبد الله. وبين أن هذه الرؤية لا مشقة فيها وهي من أعظم نعيم الجنة.
يختتم المتحدث الدرس الحالي مشيراً إلى أن الكلام في موضوع الرؤية يحتاج لمزيد من التفصيل سيتم تناوله في الدرس القادم، ويختم بالحمد لله والشكر للمشاهدين.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فكان آخر الكلام عند قول المؤلف ابن أبي داود رحمه الله: «ولا تقل القرآن خلق قرأته؛ فإن كلام الله باللفظ يوضح». قلنا: وفي نسخة أنه قال رحمه الله: «ولا تقل القرآن خلق قراءة، خلق قراءة». فعلى هذا اللفظ الأول «خلق قرأته» يُنهى ويحذر من القول بخلق القرآن، وعلى القراءة الأخرى «خلق قراءة، قراءة» فيه رد على اللفظية. اللفظية هم طائفة يقولون: لفظي بالقرآن مخلوق. جاءوا بهذا القول للتلبيس على الناس والتدليس، لما كشف عوار الجهمية القائلين بخلق القرآن صراحة، ظهر منهم من يدلس على الناس ويلبس بهذا القول: «لفظي بالقرآن مخلوق». هذا الكلام يحتمل: لفظي بالقرآن مخلوق، أي القرآن وهو الملفوظ من الآيات، وأنه مخلوق كلام الله. ويحتمل: صوت القارئ وحركة شفاه القارئ وحركة لسانه، هذه الأفعال من القارئ الذي قرأ القرآن. إذا قرأ القرآن فإنه يسمع منه صوت، وتتحرك لسانه، ويخرج القرآن من مخارج هذا القارئ من جوفه. يحتمل هذا وهذا. فأطلقوا هذا القول: «لفظي بالقرآن مخلوق»، يريدون ماذا؟ يريدون القول بخلق القرآن. وإذا أنكر عليهم قالوا: ما نقصد ذلك، وإنما نقصد صوت القارئ، حركة لسانه، إلى آخر ذلك. الإمام محمد رحمه الله، وهكذا السلف الصالح، يسدون الذرائع؛ لأن الشريعة قد جاءت بسد الذرائع. فلما كان هذا القول «لفظي بالقرآن مخلوق» فيه ذريعة للقول بخلق القرآن، وللقائلين به، حذر الإمام محمد رحمه الله وغيره من السلف من القائلين بهذا القول. فلما سئل الإمام محمد رحمه الله عن اللفظية، قال: «اللفظية جهمية، اللفظية جهمية». ألحقهم بالجهمية من غير تفصيل. مع أنه رحمه الله لا يقصد أن من قال: «لفظي بالقرآن مخلوق» ويريد حركة لسانه وصوته، لا، ما يريد هذا. وما يدل على هذا ما ذكره الذهبي رحمه الله عن الإمام محمد رحمه الله أنه قال: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد القرآن، يريد القرآن فهو كافر». من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد القرآن فهو كافر. لكن لماذا هناك أطلق الإمام محمد رحمه الله القول بأن من قال: «لفظي بالقرآن مخلوق» فهو جهمي؟ سداً للذريعة وإغلاقاً لهذا الباب. وإلا لا شك أنه رحمه الله لا يحكم على من يقصد بقوله: «لفظي بالقرآن مخلوق» أي صوته، حركة لسانه، أنه كافر أو أنه جهمي، لا. وتلك العبارة الأخرى التي ذكرناها تبين مراد الإمام محمد رحمه الله بقوله: «يعني القرآن». من قال: «لفظي بالقرآن مخلوق يريد القرآن» أنه مخلوق فهو كافر. يعني الذي لا يريد القرآن لا نكفره. أطلق هذا القول تنفيراً من هذا القول، تحذيراً منه، وسداً كذلك للذرائع. إلا فالتفصيل في هذا: أن من قال: «لفظي بالقرآن مخلوق يريد القرآن» فهو الجهمي وهو الكافر. ومن قال: «لفظي بالقرآن مخلوق يريد حركة لسانه» ويصدق لذلك صوته الذي خرج حين قرأ هذا القرآن، ولسانه حين تحركت حين يقرأ هذا القرآن، شفتاه كذلك التي تحركت حين قرأ القرآن، والحروف التي خرجت من مخارج جوفه، هذا مخلوق؛ لأنه من فعل العبد. فالصوت صوت القارئ، والكلام كلام البارئ. صوت القارئ، والكلام كلام البارئ جل وعلا. وكذلك نقل عن محمد رحمه الله أنه قال: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، فهو مبتدع؛ لأن هذا من البدع التي أحدثت». وقال في لفظ آخر: «ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو قدري». من قال: «لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو قدري». كيف ذلك؟ نعم، لأن القدرية يقولون: أفعالنا مخلوقة، أي خلقها العباد. العبد يخلق فعل نفسه. فيجعلون لفظ العبد بالقرآن أو بالكلام مخلوقاً أو غير مخلوق. لماذا؟ لأنهم لا يقولون بأن هذا مخلوق لله. ألفاظ العباد وأفعال العباد التي يفعلونها، القدرية يقولون: هذا من خلق العبد، العبد يخلق فعل نفسه. إذا تلفظ هو الذي خلق هذا الفعل، وإذا فعل وعمل فهو الذي يخلق هذا العمل. ولذلك صح فيهم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «القدرية مجوس هذه الأمة». لماذا؟ لأنهم قالوا: العباد يخلقون أفعالاً لأنفسهم. فإن الإمام أحمد رحمه الله هنا حين قال: «ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو قدري»، لأنهم يقولون: غير مخلوق، أي لله، غير مخلوق لله، وإنما العبد هو الذي خلق فعل نفسه. الإمام أحمد رحمه الله هذا الذي نقل عنه. بل نقل عنه أنه قال: «اللفظية شر من الجهمية». كذلك كما قال في الواقفة، قال في اللفظية: «شر من الجهمية». لماذا؟ لأن أمرهم خفي، وأمرهم فيه تلبيس، بخلاف الجهمية فيه تصريح أن القرآن مخلوق. أما هؤلاء: لا، «لفظي بالقرآن مخلوق»، ماذا يريد باللفظ؟ حركة اللسان وشفتين وغير ذلك. أما المثل والقرآن فكما تقدم: إذا أرادوا القرآن، كما قال إمام أحمد: «يريد القرآن فهو كافر»، أنه قال بقول الجهمية. ومن أراد الحركات، فهذا بدعة، هذا بدعة، وحجات في الدين. أو أنه قدري إذا قال: «لفظي بالقرآن غير مخلوق»، أي لله عز وجل. الإمام البخاري رحمه الله نسب إليه القول بأنه قال: «هذا لفظي بالقرآن مخلوق». ولذلك ترك الرواية عنه أبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي. أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان تركا الرواية عن الإمام البخاري رحمه الله، لماذا؟ لما نسب إليه من القول بأنه يقول: «لفظي بالقرآن مخلوق». ذكر هذا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل عند ترجمة الإمام البخاري. والذي ذكرها العلم أن الصحيح الذي نسب إلى الإمام البخاري أنه لم يصرح بهذا، يعني ما جاء عنه التصريح أنه قال: «لفظي بالقرآن مخلوق»، كما بيّن هذا الذهبي رحمه الله في السير أن الإمام البخاري ما قال هذا، يعني ما ثبت هذا عنه. وإنما الذي نسب إلى الإمام البخاري رحمه الله أنه سئل، سئل عن هذا اللفظ: «لفظي بالقرآن مخلوق»، فقال إمام البخاري رحمه الله: «ألفاظنا من أفعالنا، وأفعالنا مخلوق». ألفاظنا، ألفاظنا من أفعالنا، وأفعالنا مخلوق. ففهم البعض أنه ربما أراد هذا، تقرير هذا القول: «لفظه بالقرآن مخلوق»، وهو من القول المحدث الذي لم يكن عليه السلف الصالح. وإن أراد به الإمام البخاري رحمه الله حركة اللسان وصوت القارئ، هذا الذي هو مخلوق. هذا اللفظ، أي لفظ قارئ القرآن، الصوت الذي خرج منه: «الحمد لله رب العالمين»، أنا قرأت هذه الآية، فلم تسمعوا صوتاً هو «الحمد لله رب العالمين»؟ هذا الصوت الذي خرج مني هو صوتي. الصوت هذا الذي خرج مني هو صوتي، ولساني تحركت، شفتاي تحركت، هذه مخلوق، خلقها الله. حركت لساني، الصوت الذي خرج، شفتاي التي تحركت، والحروف التي خرجت مني من مخارج جوفي، هذا مخلوق، الله عز وجل. لكن الذي تلفظت به وهي هذه الآية: «الحمد لله رب العالمين»، هذا كلام الله غير مخلوق. فالصوت صوت القارئ، والكلام كلام البارئ جل وعلا. فالإمام البخاري رحمه الله لما ذكر هذا استشكلها العلماء ذلك منه، ولذلك تحرك في الرواية عنه أبو حاتم الرازي وأبو زرعة الرازي، رحمة الله تعالى عليهما. ونحن لا نشك أن الإمام البخاري رحمه الله انثبت ذلك عنه، إنما أراد تلفظ العبد، صوت العبد. ولكن لا يقل بذلك الإنسان، يترك هذا، يترك مثل هذا. السلف رحمة الله تعالى عليهم كانوا حريصين على سد الأقوال التي فيها مدخل بأهل البدع والضلالات، أو تلتبس على الناس. ولذلك كان من سيما، من سيما أهل البدع، إطلاق القول وإجمال القول. وأهل السنة والجماعة كانوا يفصلون وينظرون حتى لا يشكل على الناس أمر العقيدة والتوحيد. فكم من ألفاظ أطلق أهل البدع حيرت الناس وأشكلت على الناس: ماذا يراد بها؟ ففند عوارها أهل السنة والجماعة، وبينوا للناس العقيدة الصافية. فإذا هؤلاء هذه الطائفة التي قالت: «لفظي بالقرآن مخلوق»، حذر منها السلف كما حذر منها هنا الإمام ابن أبي داود رحمه الله في هذه القصيدة: «ولا تقل القرآن خلق قراءة؛ فإن كلام الله باللفظ يوضح». الكلام يوضح، ما يحتاج أن نقول: «لفظ بالقرآن المخلوق» ونريد حركة لساننا وشفتينا إلى آخر ذلك، صوتنا. واضح، اللفظ هو الذي يبين. إذا قلت: «تبارك الذي بيده الملك»، أعرف هذا الكلام كلام الله. إذا قلت: «إنما الأعمال بالنيات»، اللفظ يوضح أن هذا الكلام كلام الرسول عليه الصلاة والسلام الذي تلفظت به. وإذا قلت: «قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ بسقط اللوى بين الدخول فحوم»، هذا كلام امرئ القيس. وهكذا. وإذا قلت: «فهل لا سألت القوم يا ابنة مالك إذا كنت جاهلة بما لم تعلمي»، هذا قول عنترة بن شداد. وهكذا. وإذا قلت: «ألا كل ما خلا الله باطل»، كلمة من لبيد التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام: «أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد: ألا كل ما خلا الله باطل، وكل نعيم لا محالة زائل». فإذا الكلام، اللفظ يوضح، يوضح. فإن كلام الله باللفظ يوضح، واضح. فإذا قرأ الإنسان القرآن قرأ كلام الله. وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله. يأتي المشرك ويقول: يا رسول الله، أسمعني كلام الله، أجرني وأنا في إجارتك، أسمع كلام الله. ماذا سيقول النبي عليه الصلاة والسلام؟ سيقول له: قال الله كذا وكذا وكذا، سيقول له آيات من كتاب الله عز وجل، يسمعه فيها كلام الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «وقل يتجلى الله للخلق جهرة كما البدر لا يخفى، وربك أوضح، وليس بمولود وليس بوالد، وليس له شبه، تعالى المسبح. قد ينكر الجهمي هذا، وعندنا بمصداق ما قلنا حديث مصرح، طواه جرير عن مقال محمد، فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح، ذكر الوصف». رحمه الله هنا هذا المبحث الذي يتعلق برؤية الله جل وعلا يوم القيامة. فذكر معتقد أهل السنة والجماعة في باب رؤية الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا يتجلى للخلق جهرة. وقل: أي يا أيها السلفي، يا أيها السني على الجادة، يا من أردت المعتقد الصحيح الذي كان عليه سلف الأمة، المستنبط من كتاب ربك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصحيحة: قل يتجلى، واعتقد ذلك، قل ذلك واعتقده. يتجلى الله للخلق جهرة. يتجلى فيه صفة التجلي لله جل وعلا، ومعنى يتجلى أن يظهر. فالتجلي معناه الظهور. فالله جل وعلا يتجلى للخلن أن يظهر للخلق يوم القيامة، كما أنه تجلى للجبل. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً، وخر موسى صعقاً. فالله جل وعلا تجلى للجبل حين طلب موسى عليه الصلاة والسلام ربه جل وعلا أن يراه. قال: «لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني». فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً، وخر موسى صعقاً. ويوم القيامة ربنا جل وعلا يتجلى للخلق ويظهر لهم. إذن قال المؤلف رحمه الله هنا: «وقل يتجلى الله للخلق جهرة». جهرة: أي عياناً. جاء في بعض الألفاظ عند البخاري: «اختلف فيها، وبعض أنصحها»، أي عياناً جهاراً، واضحة. «كما البدر لا يخفى، وربك أوضح». أي رؤية يوم القيامة تكون للمؤمنين رؤية واضحة، كما نرى البدر واضحاً، كما نرى القمر واضحاً ليلة البدر، كذلك سنرى ربنا يوم القيامة رؤية واضحة، واضحة لا مشقة فيها، كما أنه لا يشق علينا في الدنيا رؤية القمر ليلة البدر، ورؤية الشمس ليس دونها سحاب، رؤية واضحة. كما جاء في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه، جاء في الصحيحين وفي غيرهما، وهو من الأحاديث المتواترة. أحاديث الرؤية من الأحاديث المتواترة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومما تواتر: أحاديث «من كذب»، و«من بنى لله بيتاً»، و«الشفاعة»، و«الحوض»، و«مسح الخفين». وهذه بعض، فأحاديث الرؤية من الأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم. ودلت النصوص في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام الصحيحة والصريحة، ومما أجمع على هذا أهل السنة والجماعة، أجمع المسلمون على ذلك الذين حدوا حدو السلف الصالح، أجمع على ذلك. فأما من كتاب الله جل وعلا فقوله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. ناضرة: وجوه يومئذ ناضرة من النظارة وهو البهاء والحسن. وجوه يومئذ ناضرة: أي بهية حسنة، إلى ربها ناضرة من النظر بالبصر، ناظرة إلى ربها جل وعلا. ومنها قوله جل وعلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. والحسنى هي الجنة، وأعظم منها رؤية الله جل وعلا يوم القيامة. فُسِّرت الزيادة بالنظر إلى وجه الكريم، كما في مسلم. ومنها قوله جل وعلا: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. فُسِّر المزيد بأنه النظر إلى وجه الله الكريم سبحانه يوم القيامة. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾. ينظرون إلى كل نعيم، وأعظم هذا النعيم هو النظر إلى وجه الله الكريم سبحانه وتعالى. وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. والملاقاة هنا تستلزم النظر إلى وجهه جل وعلا. وأما للحديث، فمنها حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام، عنه قال: «إنكم سترون ربكم». والسين للمستقبل: إنكم سترون، أي يوم القيامة سترون. وفي الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، يومئذ: أي يوم القيامة، ليس في الدنيا. يومئذ: أي يوم القيامة. إنكم سترون، سين المستقبل: أي يوم القيامة سترون ربكم. «إنكم سترون ربكم لا تضامون في رؤيته». لما سئل عليه الصلاة والسلام: «أَنَرَى رَبَّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» قال: «هَلْ تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟» قالوا: بلى. قال: «فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ». أي لا تجدون مشقة في رؤيته. على قراءة التخفيف: «لا تضامون»، وعلى التشديد: «لا تضامون»، أي لا يحتاج أن ينضم بعضكم إلى بعض حتى ترون، كما هو الحال إذا أراد الناس أن يروا شيئاً لا يرى إلا بصعوبة، فليس كل واحد في مكانه فيقول: تعال، تعال، هذا، تعال أنت، تعال انظروا، انظروا، يتضامون؛ لأنه ما هو واضح. قال: «فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ». أي لا تجدون مشقة في رؤيته. الكل واحد يرى في مكانه، لا يحتاجون إلى انضمام بعضكم لبعض. يعني إنها رؤية واضحة، سهلة، ميسرة، لا مشقة فيها. وهذا من أعظم النعيم الذي ينعم الله جل وعلا به على عباده المؤمنين. وكان نبي عليه الصلاة والسلام يسأل ربه جل وعلا ذلك، فكان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ». صححه العلامة الألباني رحمه الله. والكلام في الرؤية يحتاج إلى ذكر أمور فيها، إن شاء الله في درسنا اللاحق. والحمد لله رب العالمين. شكراً للمشاهدة.