شرح حائية ابن أبي داود 11

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 11، الدرس الحادي عشر:من( وقل يتجلى الله للخلق جهرة ... كما البدر لا يخفى وربك أوضح ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الرد على شبهة الجهمية والمعتزلة في نفي الرؤية بقوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾

يوضح الفرق الجوهري بين الرؤية والإدراك، مبيناً أن المنفي هو الإحاطة لا الرؤية ذاتها، ويستدل بعجز البشر عن الإحاطة بالمخلوقات فكيف بالخالق. ويفسر قوله ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ بأنه مختص بالدنيا لعجز العباد عن تحمل الرؤية فيها.

رؤية الله في الآخرة واستحالة رؤيته في الدنيا وقصة موسى

يبيّن أن المخلوق لا يطيق رؤية الله في الدنيا كما دك الجبل، بينما يمن الله على أهل الجنة بقوة تمكنهم من الرؤية. ويستدل بطلب موسى عليه السلام الذي لم يعاتبه الله عليه، ثبوت الرؤية في الآخرة.

الرد على تأويل الجهمية لقوله ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ونفي التجسيم

يؤكد أن نفي الرؤية في الآية مختص بالدنيا بقرائن السياق، وأن «لن» لا تفيد التأبيد المطلق، ويرد شبهة التجسيم مؤكداً رؤية المؤمنين لوجه الله الكريم دون إحاطة. وهذا قول أهل السنة المخالف لأهل البدع.

تفسير كلمة ﴿آلاء﴾ وبيان وجوه المؤمنين الناضرة

يوضح أن ﴿آلاء﴾ تعني النعم، وأن وجوه المؤمنين يوم القيامة ناضرة منتظرة لنعم ربها، وينبه إلى أن هذا التفسير قد يحرف اللفظ والمعنى ويحتاج رداً مفصلاً يستكمل في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي بعض شبه الجهمية والمعتزلة التي ينفون بها رؤية الله جل وعلا، ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾. فسرّوا الإدراك هنا بالرؤية، أي: لا تراه الأبصار، وهذا تفسير باطل. وإنما معنى ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾ أي: لا تحيط به، كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير هذه الآية: «لا تدركه الأبصار» أي: لا تحيط به رؤية. فالمنفي هو الإدراك للرؤية، وفرق بين الإدراك والرؤية. فالرؤية هي رؤية من غير إدراك وإحاطة، وهذه ثابتة، أما الإدراك والإحاطة فهذا هو المنفي. فلا أحد يحيط بالله جل وعلا رؤية، لأن الله جل وعلا هو المحيط بكل شيء، ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾، كما قال جل وعلا: ﴿ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾. فالله جل وعلا هو الذي يحيط بمخلوقاته، جل وعلا خلق الله، جل وعلا لا يحيطون بالله جل وعلا لا رؤية ولا غير ذلك. فذكرنا دليل الفرق بين الإدراك والرؤية في قوله جل وعلا: ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾. ففرق بين الإدراك والرؤية، الترائي حصل بين موسى وقومه وفرعون وقومه، ولكن لم يحصل الإدراك بذلك، قال موسى: ﴿ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾. وضربنا بعض الأمثلة التي تدل على أن المخلوق لا يستطيع أن يحيط رؤية بمخلوق مثله، فكيف يستطيع أن يحيط رؤية بالخالق؟ المخلوق عاجز، لا يستطيع أن يحيط رؤية بمخلوق مثله، فكيف يستطيع أن يحيط رؤية بالخالق؟ إذا كان لا يستطيع أن يحيط رؤية بالمخلوق، فلا شك أنه لا يستطيع أن يحيط رؤية بالخالق جل وعلا. السماء مخلوقة، والأرض مخلوقة، والجبال مخلوقة، والبحر مخلوق، والإنسان لا يستطيع أن يحيط بها رؤية، وهي مخلوقات. نعم يرى السماء لكن لا يحيط بها رؤية، حيث أنه يرى جميع السماء. يرى البحر، نعم، لكن لا يحيط به رؤية، حيث يرى كل البحر. وهكذا يرى الأرض لكن لا يحيط بها رؤية، أن يرى كل الأرض. بل القلم لا يستطيع أن يحيط به رؤية، وهو قلم. لا يستطيع أن يحيط به رؤية هذا القلم. انظروا إلى القلم، أنتم ترون هذا الذي أمامكم، أما هذا فلا ترونه. ما استطعتم أن تحيطوا رؤية بهذا القلم، وهو قلم، فضل عن السماء، فضل عن البحر، وفضل عن الأرض. ولو جئتم من جميع الجهات، ولو جئتم من أعلى، تقولون: من أعلى نراه، لكن ما سترون هذا. إذن لازلتم لم تحيطوا به رؤية، وهو قلم. فهل يستطيع المخلوق أن يحيط رؤية بالخالق جل وعلا الذي هو محيط، جل وعلا بكل شيء؟ لا. هذه السماوات وهذه الأرض التي لم تستطيعوا أن تحيطوا بها رؤية، هي في يمين الرحمن جل وعلا، ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾. ما يستطيع الإنسان أن يحيط رؤية بالسماء، ولا بالأرض، كيف يستطيع أن يحيط بالله جل وعلا رؤية، والسماوات مطويات بيمينه جل وعلا؟ فاستدلال الجهمية والمعتزلة باطل. فالمنفي في الإدراك للرؤية، المنفي في الإدراك للرؤية. ترون الشمس، الشمس ترون، صياد الشمس ما يستطيع أن يحيط به رؤية كله، وإنما يرى سواداً أو كذا، ما يستطيع أن يلمّ به. كان كثيراً ما يستطيع... طيب. وأما استدلالهم بقول الله، بقول الله جل وعلا: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾، ففي هذا نضيف إلى ما ذكرنا مما يدل على أن الإدراك غير الرؤية، أن رجلاً سأل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن هذا، أي الرؤية، ويتعلق بها، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لهذا السائل: «هل ترى السماء؟» قال: نعم. قال: «كلها؟» انظروا جواب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لهذا السائل الذي ربما دخل في ظنه أو في باله أنه إذا رأى الله جل وعلا أنه قد حاط به كما يحاط بالمخلوق، أو ببعض، جميع أجزائه. فقال له: هل ترى السماء؟ قال: نعم. قال: كلها؟ قال: لا. إذن الجواب: ما دمت لا تستطيع أن ترى السماء كلها، فمعنى ذلك أنك لن تستطيع أن ترى الله جل وعلا رؤية بإحاطة، لعظم الخالق جل وعلا. عجزت عن الإحاطة رؤية بالمخلوق، فكيف تستطيع الإحاطة رؤية بالخالق؟ لا تستطيع. وما استدلالهم بقوله جل وعلا: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾؟ المراد: لن تراني في الدنيا. لا أحد يرى الله جل وعلا في الدنيا، لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يتحمل رؤية الله جل وعلا. فالرؤية، أي رؤية الرب جل وعلا في الدنيا، غير ممكنة لعدم استطاعة العباد في هذه الرؤية. الجبل العظيم ما استطاع أن يتحمل رؤية الله جل وعلا، وهو جبل عظيم، كما قال جل وعلا في قصة موسى: ﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ﴾. إذا للجبل ما استطاع أن يتحمل رؤية الله جل وعلا. فالمخلوق لا يستطيع أن يتحمل رؤية الله جل وعلا في الدنيا. في الدنيا لا يستطيع، لكن يستطيع في الآخرة. يستطيع في الآخرة، لماذا؟ لأن بصر العباد في الآخرة يكون عظيماً، فيستطيع العباد رؤية رب العالمين جل وعلا. فيكشف الحجاب عن وجهه، ذلكم الحجاب الذي إذا كشفه قبل ذلك لأحرقت سبحات وجهه من انتهى إليه بصره. ولكن يمنّ ربنا عز وجل بعد ذلك على عباده بهذه النعمة العظيمة، فيجعلهم يستطيعون رؤيته جل وعلا، فيعطيهم قوة في البصر يستطيعون معها رؤية الله جل وعلا. لأن البصر يختلف يوم القيامة. الإنسان في الدنيا ضعيف، قواه ضعيفة، سمعه ضعيف، وبصره ضعيف، وعظامه ضعيفة، لكن في الآخرة تكون هذه الجوارح قوية. وهذا من نعم الله جل وعلا على أهل الإيمان، يكون عندهم سمع عظيم وبصر قوي، فيرون أموراً عظيمة لا يستطيعون فعلها لو كانوا في الدنيا. مما يدل على هذا ما جاء في قوله جل وعلا كما في سورة الصافات، قال جل وعلا: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴾. أهل الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ﴾، أي في الدنيا. ﴿ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾. أهل الجنة تساءل بعضهم مع بعض، ذكر واحد منهم قرينه له، كان في الدنيا يقول له: هل أنتم الصدق أننا لكن تراب وعظاما أننا لمدينون؟ يعني مجزيون محاسبون، مستبعد هذا. فهذا رجل من أهل الجنة يتذكر هذا الذي حصل مع قرينه في الدنيا. هذا القرين، قرين السوء، قرين السوء، قال: ﴿ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ﴾، يعني نطلع على أهل النار، نطلع على أهل النار ونرى ما هم عليه. قد ذكر بعض أهل التفسير أن أهل الإيمان يوم القيامة إذا أرادوا أن يزدادوا شكراً لله عز وجل اطلعوا على أهل النار، حتى يقولوا: الحمد لله الذي هدانا. ﴿ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾. قال: هو كائن في وسط الجحيم، الجحيم وهي النار. يطلعون على أهل النار فيرون من كان في وسط الجحيم، وسط هذه النار. هذه النار التي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عنها، حين سمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم يوماً وجبة، هزة، قالوا: ما هذا يا رسول الله؟ كما جاء في الصحيح، قال: «هذا حجر ألقي به في جهنم، وصل الآن، سبعون خريفاً»، سبعون سنة، حجر يهوي في نار جهنم، يصل بعد سبعين سنة. هذه جهنم، وهذا اطلع، رآه وسط الجحيم. كم أمر النظر! نظر قوي. إذن أهل الجنة يعطيهم ربنا عز وجل يوم القيامة نعيماً عظيماً، ومنه القوة في البصر. فهم يوم القيامة يمنّ عليهم ربنا عز وجل بالنظر إلى وجه الكريم جل وعلا. أما في الدنيا فلا يستطيعون. وهذا معنى قوله جل وعلا لموسى: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾، أي في الدنيا. وليس معنى ذلك أنني لا أرى. فرق بين قولنا: «لن تراني»، وبين «لا أرى» أو «لست بمرئي». فلو كان الكلام «لا أرى»، هذا الذي يقال عنهم ما قالوا، يعني أنه لا يراه أحد أبداً. لكن «لن تراني» أي في الدنيا. وما يدل على أنها ممكنة في الدنيا، على أنها غير ممكنة في الدنيا وممكنة في الآخرة، أن الله جل وعلا تجلى للجبل، تجلى للجبل ومكن الجبل من رؤيته جل وعلا، ولم يتحمل الجبل. فلو كانت غير ممكنة أبداً لم يتجلى ربنا عز وجل للجبل. وما يدل كذلك على أن الرؤية، أي رؤية رب العالمين يوم القيامة، حاصلة، أن الله جل وعلا لم ينكر على موسى، لم ينكر على موسى طلب رؤيته جل وعلا. لو كان هذا الطلب لا يجوز لأنكر الله جل وعلا عليه. لكن ربنا عز وجل لم ينكر على موسى، وإنما قال جل وعلا: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾. فموسى طلب رؤية الله جل وعلا، لو كانت غير ممكنة أبداً لما طلب موسى، كريم الرحمن، هذا الطلب. وإذا كان هذا الطلب غير جائز لعاتبه الله. فالله جل وعلا عاتب نوحاً لما قال في ابنه، قال جل وعلا: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾. لكن موسى لم يعاتبه ربنا عز وجل حين طلب هذا وسأل هذا. ولم يعاتب ربنا عز وجل عيسى حين طلب من الله جل وعلا ينزل عليهم مائدة من السماء. فدل على أن طلب موسى صحيح. لكن موسى عليه الصلاة والسلام أبلغه الله عز وجل أن الرؤية لا تكون في الدنيا وإنما تكون في الآخرة: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾. ولم يقل: «لا أرى» أو «لست بمرئي». وقد قال بعض أهل العلم: قال: إذا تجلى الله جل وعلا للجبل، فلأن يتجلى يوم القيامة لأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين أولى. الجبل ليس بأعظم من أنبياء الله جل وعلا، والجبل ليس بأعظم من المؤمنين، أتباع الأنبياء. فهل معنى ذلك أن الله جل وعلا يتجلى للجبل ولا يتجلى لعباده؟ هذا من النعيم العظيم، لأن رؤية رب العالمين سبحانه وتعالى من الثواب، والثواب من الجزاء، وجزاء لا يكون في الدنيا، الجزاء لا يكون في الدنيا، وإنما يكون في الآخرة. ورؤية رب العالمين هو من أعظم الثواب، ومن أعظم الجزاء الذي جازى به ربنا عز وجل عباده، فيكون في الآخرة، فيكون في الآخرة. وأما قولهم: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾، ولن هنا للنفي تفيد التأبيد، أي: لن تراني أبداً، فهذا غير صحيح. لأن النفي الذي هو للتأبيد إنما يعلم من السياق، من سياق الكلام، وبالقرائن. فالقرائن التي تدل على أن النفي هنا الذي دخلت عليه «لن»، أن النفي الذي دلت عليه «لن» يُعلم بالسياق. مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». هذا النفي لتأبيد، يعني: لن يفلح أبداً أبداً، لن يفلح أبداً أحد، ولا قوم امرأة، ما في فلاح أبداً. هنا نفي للتأبيد. ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾ هنا النفي ليس للتأبيد، ليس للتأبيد، لما لنا للقرائن وللأدلة الثابتة في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الدالة على أن الله جل وعلا يرى يوم القيامة. فهذا دلنا، دلنا، أي هذه النصوص، على أن «لن» هنا ليست للتأبيد. وكذلك مثل ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾. ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾، هل هنا النفي للتأبيد؟ لا. ما الدليل؟ دلنا الدليل على أن النفي هنا ليس للتأبيد، لما لا؟ لأن الدليل قد دل على أنهم يتمنون الموت في الآخرة. فمعنى قوله جل وعلا: ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾، أي في الدنيا. الكفار والمنافقون لا يتمنون الموت في الدنيا، لكن في الآخرة يتمنونه، كما قال جل وعلا: ﴿ وَقَالُوا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾، وقالوا: ﴿ يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾، تمنوا الموت. ولا... لا. دلنا هذا الدليل على أن «لن» هناك لا تفيد التأبيد. فأينما يفهم فائدة النفي المؤبد بالسياق والقرائن والأدلة. ولذلك قال ابن مالك رحمه الله في ألفيته: «وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلا مُؤَبَّدٍ فَقَوْلُهُ رُدَّ وَسَوَاهُ فَاعْضُدَا» «وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلا مُؤَبَّدٍ فَقَوْلُهُ رُدَّ» لا تقبل، «رُدَّ» هذا ما هو صحيح، «وَسَوَاهُ فَاعْضُدَا» أي: سواه هذا تمسك به، وهو أن النفي أو «لن» قد لا تفيد التأبيد في مواضع، للقرائن ولأدلة تدل على ذلك. فقولهم، إذا استدلالهم باطل، بنفي رؤية رب العالمين بهذه الآية ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾. وعلم أن المعنى: أي: لن تراني في الدنيا. وأما قولهم: إننا، أو إننا إذا أثبتنا رؤية رب العالمين حيزناه، أو جعلناه جسماً، فهذا إنما هو في حق المخلوق. المخلوق هو الذي إذا رآه أحد حيزه، لأنه ضعيف. أما رب العالمين سبحانه فهو في العلو، جل وعلا، دل على ذلك أكثر من ألف دليل من الكتاب والسنة والإجماع، دل على ذلك الفطرة والعقل. فالله جل وعلا في العلو، سبحانه وتعالى، ولا يحيط به العباد رؤية حتى يجعله جسماً أو في حيز. تعالى الله جل وعلا عن ذلك علواً كبيراً. لكن سبب توهم الجهمية والمعتزلة هذا، عدم إثباتهم لعلو الذات لله جل وعلا، وزل معهم في هذا الأمر الأشاعرة، لأنهم كذلك لم يثبتوا علو الذات لله جل وعلا. وإلا لو أثبتوا الذات لله جل وعلا كما أثبت أهل السنة والجماعة، لما توهموا مثل هذه الأوهام والظنون السيئة في الله جل وعلا، التي أدت بهم إلى تعطيل صفات رب العالمين جل وعلا. فأهل السنة أثبتوا العلو، أي علو الذات لله جل وعلا. فإذا رآه أهل الإيمان فإنهم يرونه وهو في علوه جل وعلا، يرونه وهو في علوه. قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه: «ويرونه سبحانه من فوقهم رؤيا العيان، كما يرون القمران، هذا تواتر عن رسول الله، لم ينكره إلا فاسد الإيمان». فإذا رؤية المؤمنين ربهم بالله يوم القيام ثابتة، ولا يستلزم هذه الأمور التي ذكرها الجهمية والمعتزلة. بل ربنا عز وجل في علوه، ويراه أهل الإيمان وهو في علوه جل وعلا، وهو المحيط جل وعلا بكل شيء، وهو الذي قد أحاط بكل شيء علماً. جل وعلا لا... لا يحيط به العباد، بل هو جل وعلا الذي أحاط بعباده، سبحانه وتعالى. وفسروا ما جاء في كتاب الله جل وعلا من الآيات التي فيها النظر بالانتظار أو بالثواب واليقين، وحرفوا. فقالوا في قول الله جل وعلا: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾، ﴿ آلَاءَ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾، تحريف. ليس في الآية هاك إلى مش، ﴿ آلَاءَ ﴾ بمعنى النعم، جعلوا المعنى: وجوه يومئذ ناضرة، أي: حسنة بهية، ﴿ آلَاءَ رَبِّهَا ﴾ أي: نعم ربها، ﴿ نَاظِرَةٌ ﴾ أي: منتظرة. وهذا فيه تحريف للفظ وللمعنى، ويحتاج مزيد رد عليه. توقع الوقت قد انتهى، وإن شاء الله يكون في درسنا اللاحق، والحمد لله رب العالمين.