الدرس في شرح قصيدة في عزة طالب العلم للجرجاني 11، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح الشيخ البيت الأخير من منظومة أبي الحسن الجرجاني موضحاً أن حفظ العلماء للعلم وصيانته سبب لعزتهم، بينما إهانتهم له تجلب الذل. ويؤكد فضل طلب العلم وأن النافر في طلبه سائر في طريق الجنة.
يبين المقطع أن طلب العلم طريق إلى الجنة وعبادة عظيمة لا تشترط بلوغ مرتبة الإمامة. ويشير إلى أن الله يخص برحمته من يشاء فيوفقهم للعلم كما في الحديث: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين».
يوضح أن العلم وذكر الله من أعظم أسباب الرفع في الدنيا والآخرة، محذراً من طلب العلم لأغراض دنيوية لأنه قاطع عن الفلاح. ويستشهد بأثر الشعر في تثبيت العزيمة عبر قصة معاوية مع أبيات قطري بن الفجاء.
يعلن المتحدث انتهاء الجلسة داعياً الحضور للطرح إن وجد. ثم يختم بالصلاة والسلام على النبي محمد ﷺ وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ولازمنا في قصيدة ميمية أبي الحسن القاضي أبي الحسن الجرجاني علي بن عبد العزيز في إباء العالم وعزة طالب العلم. هذه المنظومات قدمنا الكلام على أنها جرى عليها أهل العلم، ولا ينبغي لطالب علم أن يغفل عن حفظها لأنها تعينه على معاني عظيمة، إن فاتته فاته خير كثير مما تميز به أهل العلم. يقول الناظم رحمه الله تعالى: «ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظم ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهم» هذا آخر بيت في الأوراق، وهذا البيت ختم به في هذا الترتيب في بعض المصادر، قد يقدم. والأبيات بهذا الجمع جمعت في أصح ما يقال في تحقيق النظم. جمعت هذه الأبيات وعددها واحد وعشرون بيتا، وفي بعض المصادر تسعة، في بعضها أربعة، وهي متداولة مشهورة بين أهل العلم. حققها بعض الناس عن نسخة خطية متأخرة فأوصلها إلى بضع وخمسين بيت، لكن أكثرها أبيات إما قالها غير أبي الحسن الجرجاني، كالشافعي مثلا. ومن الغلط أن يأتي المحقق فيرى أبياتا في وزن واحد وروي واحد فيظنها قصيدة واحدة. هذا أيضا من الغلط، فاتحاد الروي والبحر لا يعني اتحاد القصيدة، لا يعني أن القصيدة هي واحدة، أو أن قائل هذه المقطوعة وهذه المقطوعة هو رجل واحد. فالراجح أن أبيات القصيدة لا تزيد عن هذا القدر، لا تزيد عن هذا القدر. «ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظم» تقدم الكلام على أن بعض الناس وهو السبكي يقول: الأولى أن يقال «لَعَظُم» بفتح الضاد المعجمة. وهذا فيه نظر، كما يقول العلامة ابن عثيمين وغيره، بتغيير الصيغة: «ولو أن أهل العلم صانوه صانهم، ولو عظموه في النفوس لَعَظُم»، أي لَعَظُم العلم الذي يحملونه. لكنهم حملوا العلم ولم يعظم العلم لخلل فيهم. وفي هذا بيان أن العلم يعظم أهله، العلم يعظم أهله. وكان في العلم فضائل لمن وفق لطلب العلم، فهنيئا لطالب علم ترك أهله وداره وعياله، وترك الراحة والنعمة لأجل طلب العلم. النافر هو في طريق الجنة سائر، فإن مات فهو في طريق الجنة، نرجو له حسن الختام بأن يكون من أهل الجنة. لحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «ومن سلك طريقا» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». سهل الله له بالعلم وطلبه، وإن كان قليل الفائدة أو وإن كان ضعيف المعلومة، هو في طريق الجنة سائر. ولهذا، هل يشترط في طلب العلم أن يجد الإنسان ثمرته فيصير إماما في العلم؟ هل هذا شرط؟ العلم عبادة بذاته. لهذا تقدم أن الشافعية والثورية وأئمة الإسلام كانوا يقولون رحمهم الله: «لا نعلم بعد الفرائض أفضل» أي في العبادات من طلب العلم. «لا نعلم بعد الفرائض أفضل من طلب العلم». فينبغي لطالب العلم أن يستشعر أن الله اختاره، وأن الله اصطفاه. هل كل أحد يوفق لهذا الخير؟ كم من الناس من يصرف بتجارة، أو يصرف بمال يبتلى به، أو يصرف برئاسة أو رتبة تصرفه عن الخير. لا يختار الله للعلم إلا من أراد بهم الخير، كما في حديث عبد الله بن عباس ومعاوية وغيرهم رضي الله عنهم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». فإذا رأى طالب العلم أنه في سلك طلبة العلم وفي مضمارهم جار، فليعلم أن الله أراد به الخير، ليعلم أن الله عز وجل أراد به الخير. «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». قال العلماء: فيه مفهوم، وهو: «ومن لم يرد به خيرا يصرفه عن العلم، يبعده عن العلم». نسأل الله العافية والسلام. فينبغي لمن وفق لوضع رجله في ركاب العلم أن يحمد الله كثيرا، ويستشعر أن الله اختاره. «وربك يخلق ما يشاء ويختار». ما كان لهم الخيرة. كم من الناس الآن في مثل هذه اللحظات غائبون عن العلم، مغيبون في غياهب الجهل يخوضون، وبغير العلم يعملون ويعبدون. نسأل الله العافية والسلام. وأنت اصطفاك الله عز وجل وأعانك وسددك واختارك، وجاء بك لأجل أن تطلب العلم النافع. فلا شك أن هذه نعمة يجب شكرها: «لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد». قد يتأخر الفتح على طالب العلم. «ولو عظموه في النفوس لعظم». لابد أن يعظم العلم أهله، لابد أن يعظم العلم أهله. لأن العلم ميراث الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم. فمن وفق للعلم النافع والعمل الصالح فقد وفق إلى خير الدنيا، وفق إلى خير الدنيا. في بعض الأحاديث الحسنة في سنن الترمذي: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله، أو عالما، أو متعلم». وذكر الله من العلم النافع، ذكر الله يعتبر من العلم، والعلم قائم على ذكر الله. «إلا ذكر الله، أو عالما، أو متعلم». فينبغي أن يعلم أن العلم من أعظم أسباب الرفع في الدنيا والآخرة، وأن هذا الخير لا يختار له الله إلا من شاء من عباده. «لعظم ولكن أهانوه فهان ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهم» هذا الخلل حينما يكون العلم للدنيا ولأجل مآرب الدنيا، هذا هو الخلل، هذا هو قاطع الطريق الذي يحرم طالب العلم من الوصول. أن يكون في نفسه شغوفا بحطام الدنيا بزخرفها، فينصرف قلبه عن حقيقة عبادة الله عز وجل والخضوع له والإنابة له والرجوع إليه سبحانه وتعالى. فهذه الأبيات ونحوها من الأبيات الغرر التي هي غرة في جبين الشعر الإسلامي، ورة في جبين الشعر، ومن عيون الشعر كما يقال. فينبغي حفظها والإدمان على قراءتها. الشعر له أثره في طالب العلم وفي الإنسان. ذكرنا فيما سبق في بعض المجالس قول معاوية: «قال والله لقد همت نفسي بالفرار، لولا أبيات قطري بن الفجاء». ما هي أبيات قطري، ومن هو قطري بن الفجاء عندك؟ أخانا بلا، أحد رؤوس الخوارج، وكان شجاعا باسلا، كان مغوارا على ضلالته وسفكه للدماء. «شعاعا» بفتح الشين، معناها متفرقة. يقول لها وقد طارت شعاعا من الأبطال: «ويحكي لم تراعي، فإنك لو سألت بقاء يوما على الأجل الذي لك لم تطع. فصبرا في مجال الموت صبرا، فما نيل الخلود بمستطاع. وما ثوب الحياة بثوب عز فيطوى عن أخي الخنع اليراع. سبيل الموت غاية كل حي، وداعيه لأهل الأرض داعي. ومن لا يعتبط يسأم ويهرم، وتسلمه المنون إلى انقطاعي. وما للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع». هذه الأبيات التي قالها، فكان معاوية يقول: عدت إلى المعركة بسبب هذه الأبيات ومعانيها العظيمة. فطالب العلم إذا حفظ الأشعار مثل هذه الأبيات أعانته على طلبه للعلم. فنحن إن شاء الله نسمعها في المجلس القادم: «يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلا عن موقف الذل أحجم أرى الناس من داناهم وهانا عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرم ولم أخض حق العلم، إن كنت كلما بدا طمع صيرته ليسلم» الأبيات إلى آخرها. فإذا كان لكم شيء، وإلا وقفناها هنا. وصلوا الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.