الدرس في شرح قصيدة في عزة طالب العلم للجرجاني 9، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يصف المقطع طالب العلم الفقير المتغرب الذي يتميز بعزة النفس والتعفف عن سؤال الناس مع انشغاله التام بطلب العلم ليلاً ونهاراً. يجمع هذا الطالب بين الفقر المادي والغنى الروحي والاستغناء بالله عن الخلق.
كان السلف يحرصون على طلب العلم في أول النهار كما فعل الإمام أحمد حين مشى قبل الفجر لحضور مجلس الشافعي. يضرب ابن أبي حاتم مثلاً في التضحية بالطعام من أجل عدم تفويت مجالس العلم دليلاً على شدة عنايتهم.
أهدت والدة هشام بن عمار مئة رغيف ليأكل رغيفاً واحداً يومياً أثناء رحلته لطلب العلم فعاش متعففاً لا يسأل الأغنياء حتى لو جاع. بعد نفاد الأرغفة عاد إلى بغداد وظل يبيت يفكر في حاله ويصبح طلقاً ضاحكاً دليلاً على ثقته المطلقة بالله.
آثر طلبة العلم قديماً طلب العلم على ملذات الدنيا وصبروا على الشدائد ففتح الله عليهم خزائن العلوم ومنحهم عظائم الفهوم. يختم المقطع بالإشارة إلى استكمال بيتين في المجلس القادم والصلاة على النبي.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يقول الناظم رحمه الله أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني في هذه القصيدة التي قالها في صفة أهل العلم وصفة طلبة العلم النافع: «وإني لراضٍ عن فتى متعفف يروح ويغدو ليس يملك درهما يبيت يراعي النجم من سوء حاله ويصبح طلقا ضاحكا متبسما ولا يسأل المثرين ما بأكفهم ولو ما تجوعا عفة وتكرما» هذه صورة من الصور المشرقة الجميلة لطالب العلم، أو لطلبة العلم النافع. صورة جميلة، صورة في غاية البهاء، وغاية الجلال، وغاية الجمال في صفة طالب العلم المتغرب لأجل طلب العلم النافع، الذي رحل في طلبته وهو فقير معدم، لكنه أبيّ النفس. مع أنه فقير ومعدم إلا أن نفسه أبيّة. ربما اتسخت ثيابه بالنفس وهو الحبر، ربما اتسخت ثيابه ولكن نفسه متعلقة بخالقها، وديثاره الاستغناء عن الناس، شعاره وديثاره عزة النفس واستغناءه عن الخلق. فهو مقبل على شأنه، وهو العلم وطلب العلم والحرص على العلوم، يطوف على المشايخ نهاره طائفًا من صبحه إلى ليله، وينسخ ويكتب ويحفظ ويتعلم. هذا حاله. «وإني لراضٍ» هكذا يقول، أي: الرضا التام عن فتى، والفتى هو الشاب في أول حياته، يقال له فتى لأنه في أول حياته. ثم وصف هذا الفتى بأنه متعفف: «عن فتى متعفف»، أي: عفيف النفس، فهو متعفف، متعفف غاية العفة، فهو متعفف غاية العفة عن أعراض المسلمين، وعن أموال المسلمين، وغير ذلك. عفيف معروف بعفته. «وإني لراضٍ عن فتى متعفف يروح ويغدو». الرواح عكس الغدو، الغدو هو البكور في أول الوقت، أي: طلب العلم النافع، كما كان السلف يفعلون، فيطلبون العلم في أول الصبح، وربما طلبوه قبل الفجر، يراجعون ويحفظون وينظرون في دفاترهم ويكررون المسائل، وربما مشى أحدهم قبل الفجر بساعة، كما كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى لما جاء إلى مكة، كان يمشي قبل الفجر فيصل الفجر في مكة في مسجد يأتي الإمام الشافعي فيعمل درسه فيه، وهما متقاربان في العمر. فقال إسحاق بن راهويه: يا أبا عبد الله، أبك شيء تترك حلقة سفيان بن عيينة وهو من هو في علو إسناده في الدنيا، وتجلس عند هذا الشاب؟ قال: اسكت، فوالله لئن فاتك بن عيينة فإنك تدرك الرواية بنزول فتتم لك الرواية بواسطة أو بواسطتين، لكنه إن فاتك هذا الرجل يعني الشافعي، ربما يفوتك من الخير ما لا تجده عند كثير من الناس. فكان الإمام أحمد قبل الفجر ينطلق إلى مسجد يجلس فيه الشافعي، ويؤتى له بعد الفجر فيقرئ الناس فيقرؤون عليه، والإمام أحمد من ضمن أولئك القراء، وهو هو في العلم والجلالة رحمه الله تعالى. وهكذا أيضًا ذكرنا ما سبق من قصة ابن أبي حاتم لما رحلوا في طلب العلم النافع، وأصابهم ما أصابهم من الجوع، حتى اشتروا بآخر دراهم لهم سمكة، فجاء وقت درس أحد أهل العلم والمشايخ، فذهبوا وتركوها، وبقوا على هذا ثلاثة أيام، وهم كلما أرادوا أن يأكلوها جاء موعد لقاء بعالم أو بأحد أهل العلم فيذهبون، حتى قال ابن أبي حاتم: فأكلناها نيئة. هذا الطالب العفيف يروح ويغدو، ليس يملك درهما. لو فتشت جيوبه لم تجد فيها مالا كثيرًا، ربما لم تجد درهما. كان بعض السلف يحملون الخبز، كان الإمام هشام بن عمار قال: صنعت لي أمي مئة رغيف خبز. هكذا يقول هشام بن عمار الذي رحل إلى الإمام مالك رحمه الله، فكانت تضعها في جيب، كان له جيب، وكان لها جيب فيه مئة رغيف، قالت لي: يا بني هذا طعامك. قال: فكنت آخذ الخبز فأذهب إلى دجلة فأغمس كل يوم رغيفًا واحدًا آكله، ثم أنطلق في طلب العلم، وهو فتى وشاب، وهو شاب صغير رحمه الله تعالى، ثم نال الأسانيد العوالي ولقي الفوائد الغوالي رحمه الله تعالى وغفر له. قال: فلما أكملت الأرغفة المئة، قال: ذهبت إلى أمي، أي: رجعت إلى نواحي بغداد لأجل أن الأرغفة أكملت علي، رحمه الله وغفر له. «وإني لراضٍ عن فتى متعفف يروح ويغدو ليس يملك درهما، يبيت يراعي النجم من سوء حاله». أي: تأتيه الأفكار في الليل، ليس كذا وعندك كذا ولما غيرك كذا، تأتيه بعض الهواجس كما هي شأن البشر في مثل هذه الأحوال عند إعدام المال والحاجة. يبيت يراعي النجم من سوء حاله، ويصبح طلقا ضاحكا متبسما. هذا يدل على ثقته بالله عز وجل، ويدل على شدة إيمانه رحمه الله، يدل على شدة إيمان هؤلاء الطلبة، وأنهم يعتقدون أن رزقهم بيد الله عز وجل وحده لا شريك له. يبيت يراعي النجم من سوء حاله، ويصبح طلقا ضاحكا متبسما. «ولا يسأل المثرين ما بأكفهم». هذه سمة عزة طالب العلم، لا يمد يده سائلا، «ولو ما تجوعا عفة وتكرما». لشدة عفته وعظيم كرامته، فهو لا يسأل أهل الثراء أن يتصدقوا عليه أو نحو ذلك، بل لو ما تجوعا، فالموت جوعا أهون عنده من سؤال الخلق حاجة من حوائج الدنيا. «ولا يسأل المثرين ما بأكفهم ولو ما تجوعا عفة وتكرما». هذه صفة طلبة العلم قديما، هذه صفة طلبة العلم قديما الذين آثروا طلب العلم على الدنيا، وآثروا الصبر على الشدائد، حتى فتح الله جل جلاله عليهم خزائن العلوم، ونالوا عظائم الفهوم، رحمهم الله تعالى وغفر لهم. وبقي بيتان نكملهما إن شاء الله في المجلس القادم. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر