الدرس في شرح قصيدة في عزة طالب العلم للجرجاني 7، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يوضح الناظم كيف يحافظ العالم على كرامته ولا يلجأ إلى التملق أو التحايل لكسب المال عند اشتداد الحاجة، بل يثق برزق الله ويصبر. ويبين أن من يجعل الدنيا في قلبه ويفرط في تحصيلها يفقد همته العلمية ويصاب بمرض القلب.
يسرد حال السلف من العلماء الذين باعوا منازلهم وسقوف بيوتهم وأجّروا أنفسهم في سبيل العلم، مستشهدًا بالإمام أحمد بن حنبل والإمام عبد الوهاب البغدادي. ويؤكد أن فقرهم كان عزيمة لا مذلة، وأنهم آثروا العزة بالنفس على السؤال.
يروي خروج عالم من بغداد رغم ثرائها وامتناعه عن قبول المال في المغرب، مؤكدًا أن أصل أهل العلم الفقر اقتداءً بالأنبياء. ويبين رفضه هدايا الملوك والرؤساء لئلا يسترقوه بنعمهم، رافعًا نفسه وعلمه عن كل منة تذل كرامة العلم.
يختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر. بذلك تُختتم الرسالة العلمية بالدعاء والتوثيق.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يقول الناظم رحمه الله تعالى، القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني رحمه الله تعالى وغفر، واصفًا نفسه: «وما كل برق لا حلي يستفزني ولا كل من لاقيت أرضاه منعم ولكن إذا مضطرني الضر لم أبت أقلب فكري منجدا ثم متهمًا إلى أن أرى ما لا أغص بذكره إذا قلت قد أسدى إلي وأنعم» هذه الأبيات أبيات عظيمة في وصف إباء العالم، ووصف عزة طالب العلم النافع الذي يتحرى طلب العلوم والتأدب بآداب أهل العلم. فهو يذكر أنه إذا اشتدت عليه الأمور وضاقت به الأحوال، فلا يجلس مفكرًا كيف ينال المال من فلان، أو من السلطان الفلاني، أو من التاجر الفلاني، أو من الأمير الفلاني؛ فهو لا يقلب فكره في ذلك لعظيم عزة نفسه، وعلمه أن الله الذي خلقه وخلق الدواب قد كتب رزقه، وكتب أجله، وكتب عمله. ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾، فالله عز وجل هو الذي بيده خزائن كل شيء. فهذا العالم الذي أصابته الضراء والفقر لا يمتهن علمه سلمًا لأجل دراهم معدودة، ولكنه يصبر، يصبر ولا يشغل قلبه بالدنيا فيكون مفكرًا في طرق التحايل في أخذ المال، وطرق الوصول إلى الغنى، وطرق الحصول على ما يحصل عليه في جاه ونحوه. فهذا الصنف من الناس، الدنيا التي في قلبه أعظم من حرص من يحرص على الدنيا وهي في يده. فلا ينبغي أن يصل طالب العلم أو العالم إلى أن يجعل الدنيا في قلبه كأنها معبودة، عياذًا بالله. فهو في تفكيره، في يقظته، في فكره مشغول البال، ليس بالتفكر في كلام الله عز وجل، أو كلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو في تحرير العلم، أو في ذكر الله عز وجل وتعظيمه سبحانه، ولكنه يدور في فكره: كيف يحصل على درهم من فلان، أو دينار من علان؟ نسأل الله العافية والسلامة. «أقلب ولكن إذا مضطرني الضر لم أبت أقلب فكري منجدا ثم متهم» — هذا الصنف من الناس عنده مرض القلب، عياذًا بالله. فكلما قرع بابه قال: لعل كذا وكذا، من شدة تعلق القلب وحرص فؤاده وقلبه. والله عز وجل مطلع على سره وسريرته، على سره وسريرته. فهو ليس دائم الفكر في الوصول إلى هذه المقاصد السيئة. فكيف بمن يتزين في الكلام، ويتزين باللبس، ويتنمق في الأفعال وفي الكلام، كل ذلك لأجل أن يجد من أحد شيئًا يأخذه عنه؟ هذا أعظم، نسأل الله العافية والسلامة. «منجدا ثم متهمة» — النجود: الأرض المرتفعة، والتهائم: الأرض المنخفضة. فهو كما يقال: طالع نازل، ينفكر. هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى. «ولكن إذا مضطرني الضر لم أبت قلب فكري منجدا ثم متهمة إلى أن أرى ما لا أغص بذكره إذا قلت قد أسدى إلي وأنعم» — يعني: إلى أن أجد شخصًا إن أخذت منه، أرى في أخذي منه المنة لي عليه، لا المنة له علي. وإنما هو شخص كريم النفس من أهل العدل وأهل الزهد. فمثل هذا إذا خالطته كان كريم الأخلاق، عظيم الفضل. أهل العلم معروف في طلبة العلم وأهل العلم أنهم أفقر الناس، هذا معروف فيهم. حتى قال القائل، قالها المزجد الزبيدي في القرن الثامن: «قلت للفقر: أين أنت مقيم؟ قال لي: في عمائم العلماء إن بيني وبينهم لإخاء وعزيز علي ترك الإخاء» هكذا يقول المزجد في بعض أبياته. وأهل العلم كما يقول الأئمة: منهم من كان يبيع منزله، ومنهم من يبيع سقف بيته. هذا حال عظيم وصلوا إليه من أجل طلب العلم النافع. يبيع، باع ملك، سقف البيت، جالس في بيت، وبيته متواضع، بيت من الطين، ربما أمتار معدودة، ومع هذا يحتاج في طلب العلم، وربما لا يشعر به أحد، وهو عزيز النفس، فيخرج سقف الدار ويبيعه من أجل رحلة في طلب علم أو غير ذلك. ومنهم من كان يكري نفسه. الإمام أحمد رحمه الله كان في رحلته يقول لبعضي القافلة: «أتحملوني إلى بغداد، أو تحملوني إلى الري، أو إلى البصرة، أو إلى كذا من البلدان التي ذكرها، وأخدمكم، أحرس لكم دوابكم، وأغسل لكم صحونكم». هذا من هذا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وغفر له. فأحوالهم عظيمة. عبد الوهاب البغدادي، أبو محمد، الإمام السلفي المعروف، توفي في أول القرن الرابع، لعله أربعمائة وثلاثة هجرة، رحمه الله. كان إمام أهل السنة وإمام المالكية في بغداد رحمه الله، وكان معوزًا، وكان أهل بغداد في غفلة، غافلين، في غفلة رحمه الله. ثم خرج فودعوه، فقال: «والله يا أهل بغداد، وقد اجتمع أهل الثراء، لو وجدت رغيفين يابسين في كل يوم ما تركت بغداد». ثم أنشد أبياته المشهورة: «فوالله ما فارقتها قاليا لها، وإني بشطي جانبيها لعارف، ولكنها ضاقت علي براحها، ولم تكن الأرزاق فيها تساعف، فكانت تخل، كنت أهوى وصاله وتأبى به أخلاقه وتجانه». فترك بغداد رحمه الله في قصة طويلة. ومع هذا عرض عليه المال العظيم في بلاد المغرب فأبى رحمه الله، له قصة عظيمة في هذا. فالأصل في أهل العلم والعلماء الفقر، ليسوا أهل غنى. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سلفهم، النبي صلى الله عليه وسلم، والعلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، فكذلك أهل العلم في هذا الباب. يقول رحمه الله: «إلى أن أرى ما لا أغص بذكره إذا قلت قد أسدى إلي وأنعم» — أي: مثل هذا أهل لصحبتي، وأهل لمعرفتي ومحبتي. فمثل هذا إن أعطاني أخذت منه، لأنه ليس من المنانين، ولا ممن قصده إذلال أهل العلم والدين، بل يرى أن بي أخذي عنهم فضلًا له، فضلًا لي عندهم. فمثل هذا الصنف من الناس هم أهل عيبتي وأهل لصحبتي. هكذا يقول. ثم قال: «وكم طالب رقي بنعماه لم يصل إليه وإن كان الرئيس المعظم» — أي: كم من منعم علي يريد إنعامه علي من الكبراء والعظماء، فيريد أن يعطيني لأجل أن يسترقني ويستعبدني. هل وصل إلى بغيته؟ هل نال مراده مني؟ وكم طالب رقي — أي: عبوديتي له — فأكون معه كالكلب الذي إذا رأى صاحبه، أو صاحب الغنى، حرك له ذنبه. قال: «وما كله، وكم طالب رقي بنعماه لم يصل إليه وإن كان الرئيس المعظم». حتى لو كان أغنى الناس، والرئيس الناس، وملك الناس، لا آخذ منه درهمًا ولا دينارًا، ولا أجعل له علي منة أبدًا، ولا أسمع بأخذ شيء من مثل هذا الصنف من الناس، وإن كان الرئيس المعظم. حتى لو كان ملكًا من كبار الملوك، أرفض عطيته، وأرد هديته، ولا آخذ فضلته، وأرفع نفسي وعلمي عن ذلك. هكذا يقول رحمه الله. «وكم طالب رقي بنعماه لم يصل إليه وإن كان الرئيس المعظم». لا زلنا في هذه الأبيات والكلام على معانيها. أسأل الله عز وجل أن يوفقنا لهداه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر