الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 24، ألقاها
يتناول هذا الفصل حديث نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، مع ذكر روايات مختلفة للحديث وأسانيدها. تم التأكيد على ثبوت الحديث رغم وجود بعض الرواة الذين ورد في حقهم كلام.
يشرح هذا الفصل حديث النزول ويبين صحة ألفاظه المختلفة، ويرد على المبتدعة الذين حرفوا معنى الحديث، مؤكدًا على أهمية فهم الحديث وفقًا لمذهب السلف.
يتناول هذا الفصل تفسير السلف لنزول الرب إلى السماء الدنيا، حيث يؤكدون إثبات النزول مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه، ويستشهد بقول الإمام أبي بكر بن خزيمة في كتاب التوحيد.
يتضمن هذا الفصل خاتمة للكلام السابق مع توجيهات للتسبيح والاستغفار، ويعبر عن التوبة والالتجاء إلى الله مع الإقرار بعلوه وعلمه الأعلى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: قال أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال أخبرنا أو أنبأنا أبو العباس السراج، قال حدثنا محمد بن يحيى، قال حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي مسلم الأغر، قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أشهد عليهما أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول هبط إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مذنب؟ هل من مستغفر؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى تطلع الشمس». والحديث رواه، أخرجه مسلم رحمه الله من هذه الطريق. قال أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال حدثنا أبو العباس الثقافي، قال حدثنا الحسن بن الصباح، حدثنا شبابة بن سوار عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي مسلم الأغر، قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل هبط إلى السماء الدنيا، ثم أمر بأبواب السماء ففتحت، فقال: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من مضطر أكشف عنه ضره؟ هل من مستغيث أغيثه؟ فلا يزال ذلك كذلك حتى يطلع الفجر في كل ليلة». والحديث كما تقدم، يعني من حيث الإسناد فيه شيء من الكلام، حسن بن الصباح فيه كلام، وكذلك يونس بن أبي إسحاق في روايته عن أبيه فيه بعض الكلام. والأسانيد وأنه خالف غيره إسرائيل أثبت في أبي إسحاق، ولم يأت بهذه الألفاظ، لكن بالجملة الحديث الذي هو الشاهد أن الله ينزل إلى السماء الدنيا ثابت. قال أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال أنبأنا أبو العباس يعني الثقافي، قال حدثنا مجاهد بن موسى والفضل بن ساهل، قال حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن الأغر أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا كان ثلث الليل نزل تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فقال: ألا هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ هل من تائب يتاب عليه؟». وهذا الحديث كذلك حسن بشواهده. أما باعتبار هذا الإسناد فشريك فيه كلام، لكنه حسن بطرقه الماضية، فهو حديث حسن لغيره. وهذا الحديث بهذه الألفاظ، أي قوله: «إن الله تبارك وتعالى ينزل في الثلث الآخر من الليل» كما تقدم معنا أن هذا الحديث جاء بألفاظ في ثلث الليل الأول، أو حين يبقى، وفي بعض الروايات حين يمضي ثلث الليل. وأصح الروايات كما تقدم معنا، وهو الذي نص عليه جماعة من الأئمة رحمهم الله تعالى، أن أصح الروايات ما جاءت في الصحيحين واتفق عليها، وهي بلفظ «حين يبقى ثلث الليل الآخر»، «حين يبقى ثلث الليل الآخر». فبقية الروايات لعله وقع خطأ من بعض الرواة رحمهم الله تعالى. قال الإمام أبو عثمان الصابوني: قال حدثنا الأستاذ أبو منصور ابن حمشاد، قال حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ببغداد، قال حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال حدثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل الله تعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، ثلاثًا، من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر». هذا الحديث كذلك ثابت، وهو في صحيح مسلم من هذه الطريق. ومن العجب العجاب أن بعض المبتدعة قالوا في هذا الحديث أو حرفوا هذا الحديث، فقالوا فيقول: «أنا الملك، أنا الملك» أي ليس الملك، ولكن الملك. وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه. لو سلم هذا، فما يقولون ببقية ألفاظ الحديث: «من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ هل الملك يقول هذا؟ من يستغفرني فأغفر له؟ هل الملك يقول هذا؟». فسبحان الله الذي أعمى أبصارهم بسبب الهوى. ولو أنهم سلموا لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحتاجوا إلى مثل هذا التحريف ورد الأحاديث ومعارضتها بآرائهم الفاسدة. قال رحمه الله تعالى: سمعت الأستاذ أبا منصور على إثر هذا الحديث الذي أملاه علينا يقول: سئل أبو حنيفة عنهم، فقال: «ينزل بلا كيف». وهذا الذي عليه السلف والأئمة رحمهم الله من إثبات نزول الرب جل وعلا نزولًا يليق بجلاله وعظمته، دون تعرض لكيفية هذا النزول. بل نؤمن بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخبر به، دون أن نتعرض بآرائنا بأفكارنا بأهوائنا، فنقول: كيف ينزل؟ أو نقول: بأننا لو قلنا بأنه ينزل للزم كذا وكذا. بل نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر». ونقف حيث وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نتعدى ذلك بأن نقول: كيف؟ وكيف؟ قال: وقال بعضهم: «ينزل نزولًا يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق بالتخلص والتملك». لأن جل جلاله منزه أن تكون صفاته مثل صفات الخلق، كما كان منزهًا أن تكون ذاته مثل ذوات الخلق. فمجيئه وإتيانه ونزوله على حسب ما يليق بصفاته من غير تشبيه وكيف. ولا يحتاج إلى مثل هذه التفاصيل بأن يقال: ينزل من غير تخلي من غير إلى غير ذلك. بل نقول: ينزل كيف شاء جل وعلا، من غير كيف. ينزل كيف شاء سبحانه وتعالى من غير كيف نعلمه نحن، ولكن بكيفية يعلمها ربنا تبارك وتعالى ونجهلها نحن، لأنها من علم الغيب الذي لم يطلعنا عليه ربنا تبارك وتعالى. فنقول: ينزل نزولًا يليق بجلاله كيف شاء سبحانه وتعالى. لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. هل تعلم له سمية؟ فلا تضرب لله الأمثال. إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون. قال رحمه الله تعالى: وقال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب التوحيد الذي صنفه، وسمعت من حفيده أبي الطاهر رحمه الله، باب ذكر أخبار ثابتة السند رواها علماء الحجاز والعراق في نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلة، من غير صفة كيف، من غير صفة كيف النزول، مع إثبات النزول. يعني أنظر إلى هذا التفصيل من هذا الإمام رحمه الله تعالى، إثبات نزول الرب جل وعلا إلى سماء الدنيا كل ليلة، من غير أن نصف هذا النزول بكيفية معينة. لذا قال: من غير صفة كيف، من غير صفة كيف، أي لا نقول: ينزل ربنا تبارك وتعالى بهيئة كذا، بكيفية كذا. بل بغير كيف نعلمه، بغير كيف نعلمه، ولكن بكيفية يعلمها الله جل وعلا، فهو ينزل كيف شاء سبحانه وتعالى. قال: مع إثبات النزول، فهذا الكلام من هذا الإمام رحمه الله تعالى، تقرير لمذهب السلف والأئمة رحمهم الله تعالى في هذا الباب، من أن إثبات الصفات إثبات وجود وإقرار وإيمان، لا إثبات كيفيات. قال رحمه الله تعالى: فنشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، من غير أن نصفها بالكيفية، لأن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى السماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل. والله عز وجل ولنبيه صلى الله عليه وسلم بيان ما للمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم. فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين للنزول بصفة الكيفية، إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف كيفية النزول. انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وهو تقرير محبر لهذا الباب من هذا الحبر رحمه الله تعالى وغفر له. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.