الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 77، ألقاها
يذكر الإمام أبو عثمان الصابوني علامات أهل البدع، منها معاداتهم لأهل الحديث واحتقارهم لهم وتسميتهم بأسماء تنفر منهم بهدف إسقاطهم. كما يبين الكاتب أن هذه العلامات ظاهرة في أهل الأهواء والبدع.
يناقش الكاتب كيف يوقع أهل البدع في أهل الأثر ويشوهون سمعتهم بتسميتهم بالحشوية والجهلة والمشبهة. يستشهد بقول الإمام أبي زرعة الرازي رحمه الله تعالى في هذا السياق.
ينتقد الشيخ المبتدعة الذين يصفون أهل السنة بالجهل ويعتمدون على العقل والفلسفة اليونانية كميزان للدين، معتبرين إثبات الصفات لله تشبيهًا وكفرًا.
يؤكد المقطع على أهمية اتباع شرع الله والتحاكم إليه، مستشهدًا بآيات قرآنية تأمر باتباع الرسول فيما أمر ونهى، ويشير إلى مخالفة بعض الناس لهذا النهج.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله: قال: وعلامات البدع على أهلها ظاهرة بادية، وأظهر آياتهم وعلاماتهم شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، واحتقارهم لهم، وتسميتهم إياهم حشوية وجهلة وظاهرية ومشبهة، اعتقاد منهم في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها بمعزل عن العلم، وأن العلم يلقيه الشيطان إليهم من نتائج عقولهم الفاسدة ووساوس صدورهم المظلمة وهواجس قلوبهم الخالية عن الخير العاطلة، وحججهم بل شبههم الضاحضة الباطلة. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم، ومن يهد الله فما له من مكرم، إن الله يهدي من يشاء. قوله رحمه الله تعالى: «وعلامات البدع على أهلها ظاهرة بادية»، وهذا من فضل الله رب العالمين جل وعلا أن جعل لأهل البدع علامات بها يعلمون وبها يميزون عن غيرهم، إذ لو لم يكن عندهم علامة ظاهرة لحصل الخلط والخبط، لكن بفضل الله جل وعلا وإحسانه ورحمته أن جعل لأهل الأهواء والبدع علامات ظاهرة يراها أولو البصائر أولو الحجة أولو العلم في كل زمن ومكان، يميزون أهل البدع بما ظهر عليهم وبدر منهم من علامات خالفوا فيها الطريق المستقيم والصراط القويم الذي عليه الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان وأئمة الإسلام في كل مكان وزمان. فعلامات المبتدعة ظاهرة، علاماتهم ظاهرة بحمد الله جل وعلا. قال: «وأظهر آياتهم وعلاماتهم»، الآية بمعنى علامة، بمعنى العلامة. فكما قال رحمه الله: «وأظهر آياتهم وعلاماتهم»، ما هي؟ قال: «شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، واحتقارهم لهم»، هذه من صفات المبتدعة، بأنهم لا يرضون عن أهل الحديث عن حملة الشريعة، بل يطعنون فيهم ويتنقصونهم ويبغضونهم وينفرون عنهم تنفيرًا عن الإسلام؛ لأن الإسلام إنما نقله لنا هؤلاء الناقلون. فإذا تُكلم في هؤلاء الناقلين وتنقص هؤلاء الناقلين وزهد في هؤلاء الناقلين ترك الناس الإسلام الصافي الذي بعث الله تبارك وتعالى به محمدًا صلى الله عليه وسلم، الذي حمله الصحابة عنهم وحمله التابعون عن الصحابة، وهكذا تحمل كل طبقة ذلك الإسلام الصافي والعلم النقي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هؤلاء الحمل هم أهل الأخبار، هم أهل الحديث الذين من الله تبارك وتعالى عليهم بهذا الشرف بأن جعلهم حاملة لدينه ونقلة لشرعه، فهذه مزية عظيمة لهؤلاء. فأهل البدع يريدون إسقاط هذه الطبقة، إسقاط أهل الحديث بماذا؟ بما يصفونهم من صفات تنفر الناس عن أهل الحديث والأثر، حتى إذا ترك الناس أهل الحديث والأثر انتقلوا إلى من؟ انتقلوا إليهم، إلى أولي العقول الفاسدة والقلوب المظلمة الذين يريدون أن يضلوا الناس عن الصراط القويم، يريدون أن يبعدوا الناس عن الطريق المستقيم، فهؤلاء هم أهل الأهواء والبدع، وهذه من علاماتهم. إذا رأيت رجلًا يتنقص أهل الحديث، يتنقص أهل الأثر، يتكلم فيهم بازدراء، فاعلم أنهم من أهل الأهواء، فاعلم أنهم من أهل الأهواء. وهذا الكلام الذي ذكره الإمام الصابوني رحمه الله تعالى محل إجماع، محل إجماع بين العلماء رحمهم الله تعالى، من أن من علامات أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر. كما ذكر ذلك ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى حينما نقل عقيدة الرازيين، عقيدة أبيه وأبي زرعة الرازيين، وكان مما ذكره أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى في عقيدته أن قال رحمه الله تعالى: «ومن علامات أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر»، من علاماتهم الوقيعة في أهل الأثر، الوقوع في أهل الأثر، فهذه صفة سيمة ظاهرة جلية في أهل الأهواء والبدع. قال رحمه الله تعالى: «وتسميتهم إياهم حشوية»، حشوية عندهم حشو، ما عندهم فقه، ما عندهم فطنة، ما عندهم علم، حشوية حشو، ما عندهم من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم حشو، ليست بعلم، ولا ينتفعون بها، ولا يقام بها دين، حشو. «حشوية وجهلة»، أهل الأثر يصفون بأنهم حشوية، أهل الحشو، وكذلك بأنهم ماذا؟ جهلة، ما عندهم علم إلا الأثر، ما عندهم إلا حدثنا وأخبارنا، إلا حدثنا وأخبارنا، يعني كما جاء عن بعضهم عن واصل بن عطاء أو عمر بن عبيد أنه قال: «هؤلاء شغلون بأمورٍ أو قال علم هؤلاء لا يتجاوز إزار امرأة»، علم هؤلاء لا يتجاوز إزار امرأة، أي أنهم يتكلمون عن أحكام الحيض والنفاس وما شابه ذلك. وهذا طعن في العلماء، وطعن في أحكام شرعية أتى بها وجاء بها الكتاب والسنة، أحكام الحيض منصوص عليها في كتاب الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، ونبينا صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة يبين هذا الحكم الشرعي وما يترتب عليه من آثار. وهؤلاء يتنقصون العلماء بهذه العبارات التي فيها الذم وفيها تنقص، وأنهم لا يفقهون شيئًا، لا يفقهون شيئًا إلا مثل هذه العبارات ومثل هذه الجمل، نعوذ بالله من الخذلان. وللأسف أن هذه المقالة المعتزلية صار لها رواج في عصرنا الحاضر، فصار بعض المبتدعة من أهل الأهواء والبدع يصفون علماء الأمة، يصفون علماء الأمة الراسخين المعروفين بالاتزان والرسوخ في العلم والخير والصلاح والسداد، كالعلامة ابن عبد العزيز بن باز، كالعلامة الشنقيطي، كالعلامة العثيمين، ومن على شاكلتهم من هؤلاء الأعلام رحمهم الله، يصفونهم بهذا الوصف، يقولون: «علماؤنا لا يفقهون الواقع، لا يفقهون الواقع، غاية علم أحدهم أحكام الحيض والنفاس»، أحكام الحيض والنفاس، بعضهم ينص بهذه العبارة كما نص بها عمر بن عبيد المعتزلي، سواء بسواء، سواء بسواء. صدق الله تبارك وتعالى إذ يقول: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، فهذا من هذا الباب، لما تشابهت القلوب في الذم في العلماء، صار ما يصدر من الألفاظ متشابهة. «تشابهت قلوبهم»، فهذا من هذا الباب. فهذه من علامات المبتدعة الظاهرة الجلية التي يعقلها ويميزها بهم كل ذي لب سليم وعقل راجح مستقيم. قال رحمه الله تعالى: «وجهلة وظاهرية»، ما معنى ظاهرية؟ أي لا يفقهون من الحديث إلا ظاهره، ويعنون بذلك أن أهل الحديث حينما يمرون الأحاديث على ظاهرها في باب الأسماء والصفات، إذا جاء النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: «أمروه على ظاهره من غير تأويل»، هؤلاء ظاهرية، لا يفقهون من النص شيئًا. وكذلك «مشبهة»، ظاهرية ومشبهة، لماذا مشبهة؟ لأنهم يثبتون لله جل وعلا من الصفات ما أثبته الله تبارك وتعالى لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهذا الإثبات في نظرهم تشبيه، هذا الإثبات في نظرهم تشبيه، حتى قال قائلهم بملء فيه: «أن ظواهر القرآن الكفر والتشبيه»، أن ظواهر القرآن الكفر والتشبيه. ومعنى هذا أن الله تبارك وتعالى أنزل علينا كتابًا هو خير الكتب وأعظمها ومهيمن عليها، وهذا الكتاب وصفه الله جل وعلا بأنه هدى، وأنه نور، وأنه كذلك شفاء، وأنه رحمة، إلى غير ذلك من الصفات التي وصف الله تبارك وتعالى بها القرآن، كل هذا عند هؤلاء تشبيه، بل وكفر، ظواهر كفر وتشبيه، ظواهر كفر وتشبيه. ومعنى هذا أن من أخذ بظاهر القرآن فقد أخذ بالكفر والتشبيه، هذا غاية علم هؤلاء في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وإذا وصل الأمر بهؤلاء إلى هذا الحد، فأي خير يرجى منهم؟ من نظر إلى كتاب الله جل وعلا، إلى ظاهر كتاب الله جل وعلا، وإلى ظاهر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «بأن ظاهرها الكفر والتشبيه»، فبماذا يتعبد الله تبارك وتعالى؟ إذا كان الكتاب والسنة ظاهرهما التشبيه والكفر، فبماذا يتقرب إلى الله؟ وبماذا يتعبد ربه جل وعلا؟ بأي شيء؟ بعقله، بعقله. فماذا فائدة الكتاب والسنة إذا كان الأمر إلى العقل وبالعقل؟ ما هو فائدة الكتاب والسنة؟ فهذا من الخذلان الذي وصل إليه هؤلاء المبتدعة. قال رحمه الله تعالى: «وتسميتهم إياهم حشوية وجهلة وظاهرية ومشبهة، اعتقاد منهم في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها بمعزل عن العلم». انظر إلى نظرة هؤلاء في أحاديث رسول الله، أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه بعيدة عن العلم. ما هو العلم عند هؤلاء؟ العلم عند هؤلاء علم اليونان والفلاسفة، علم الفلاسفة واليونان، هذا هو العلم، وهذا هو التحقيق، وهذا هو التدقيق. أما ما عليه أهل الحديث والأثر من العلم النافع الذي أنزله الله تبارك وتعالى على نبيه، ومن الله تبارك وتعالى به على هذه الأمة، عندهم هذا العلم ليس بعلم. والله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، هؤلاء يقولون: «ما هو علم؟». والله جل وعلا يقول عن نبيه: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، هؤلاء عندهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بعلم، فما هو العلم؟ العلم قول أرسطو، وقول أفلاطون، وقول الفارابي، وهؤلاء الفلاسفة، سواء كان الفلاسفة الأول أو الفلاسفة الذين ينتسبون للإسلام والإسلام منهم براء. قال رحمه الله تعالى: «قالوا أن العلم ما يلقيه الشيطان إليهم من نتائج عقولهم الفاسدة»، عقلانيون، عقلانيون، يتعبدون الله جل وعلا بالعقل، فما أثبته العقل فهو الدين، وهو العقيدة الذي يجب أن يعتقدها المسلم في نظرهم، وما خالفه العقل فيجب أن ينبذ، ولو جاءت النصوص الكثيرة المتكاثرة من كتاب الله جل وعلا تقرره وتثبته بأنواع من أنواع التقرير والبرهان والحجج، العقل لا يقبله. الميزان عندهم ماذا؟ العقل. وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وهؤلاء يقولون: «ما يقولون». نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت، ونرجع إلى هذه الفقرة في درسنا اللاحق بإذن الله جل وعلا. إلى هنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.