الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 61، ألقاها
يعتقد السلف الصالح أن أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، استناداً إلى أدلة من القرآن والسنة. هذا الترتيب يعتبر أساساً لترتيب الخلفاء الراشدين.
أجمع السلف على ترتيب أفضلية الخلفاء الراشدين، حيث يأتي أبوبكر أولاً ثم عمر ثم عثمان ثم علي. يُعتبر تقديم علي على عثمان في الخلافة ضلالاً ويُنكر على من يزعم ذلك.
الخلفاء الراشدون راشدون ومهديون، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتمسك بسنتهم. كما أن إجماعهم حجة وخلافتهم صحيحة، ويُتبع ذلك بذكر عهد معاوية كملك عادل.
شرح حديث نبويا عن مراحل الحكم في الأمة الإسلامية، وسار عمر بن عبد العزيز على نهج الخلفاء الراشدين في العدل والرحمة وطاعة الله، مما يجعل خلافته على منهاج النبوة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابون رحمه الله: قال ويشهدون ويعتقدون أن أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأنهم الخلفاء الراشدون الذين ذكر صلى الله عليه وسلم خلافتهم بقوله، فيما رواه سعيد ابن جهمان عن سفينة رضي الله: «الخلافة بعد ثلاثون سنة»، وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض، على ما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله رحمه الله تعالى: «ويشهدون ويعتقدون» أي أن من معتقد السلف الصالح، من معتقد أهل حديث، أن أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين، وأنهم الخلفاء الراشدون الذين ذكرهم صلى الله عليه وسلم، ذكر صلى الله عليه وسلم خلافة في حديث سفينة خادم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وحديث سفينة عند أحمد وغيره بإسناد صحيح، وصححه جماعة من العلماء، منهم العلامة الألباني والعلامة الوادعي رحم الله الجميع. وشاهد ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ككل، كما مر معنا، هم أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين، فأفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين مطلقًا هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾، وفي «خير أمة أخرجت للناس»، ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «خير القرون قرن، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» الحديث، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس القرن الذين بعثت فيهم» الحديث. فهذه الأدلة تدل دلالة واضحة على أن أفضل الناس بعد الأنبياء والرسل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرن الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. جاء في مسند أحمد بإسناد حسن، وهو في الصحيح المسند لشيخنا العلامة الوادعي، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: «إن الله نظر إلى قلوب العباد، فرأى أن قلب محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هو خير قلوب العباد، فاختاره الله جل وعلا لرسالته، ثم إن الله جل وعلا نظر إلى قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فرأى قلب أصحابه هم خير قلوب العباد، قال: فاختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وجعلهم مناصرين لرسوله صلى الله عليه وسلم». فهذه الأدلة تدل على أفضلية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأفضل الصحابة من حيث الجملة المهاجرون، ثم الأنصار، وأفضل هؤلاء - أي أفضل المهاجرين والأنصار - أهل بدر، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: «إن الله قال لأهل بدر: افعلوا ما شئتم، فقد غفرت لكم»، فهم أفضل الصحابة بإجماع، وأفضل هؤلاء - أي أفضل أهل بدر - العشرة المبشرون بالجنة، وأفضل هؤلاء العشرة المبشرين بالجنة الخلفاء الراشدون. وأفضلية الخلفاء الراشدين على حسب الخلافة، فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وتفضيل أبي بكر وعمر محل إجماع بين السلف، وأما تفضيل عثمان على علي فوقع فيه شيء يسير من الخلاف في الأفضلية عند بعض المتقدمين، ثم انقرض ذلك الخلاف، ووقع الاتفاق على أفضلية عثمان على علي. وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن مسألة التفضيل مسألة اجتهادية، ولكن قد انقطع الخلاف فيها، وانقرض ذلك الخلاف، ووقع الإجماع بعد ذلك على أفضلية عثمان. وأما مسألة الخلافة فبإجماع أن أحق الناس بالخلافة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن قدم عليًا على عثمان كما هو حال الشيعة بل والرافضة، فهو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقبله الإمام أحمد وغيره من الأئمة: هو أضل من حمار أهله، من قال إن عليًا أحق بالخلافة من عثمان فهو أضل من حمار أهله. لماذا؟ لما ذكر عن جماعة من السلف والأئمة من أن الذي يقدم ويقول بأن عليًا أحق بالخلافة من عثمان بأنهم أزرى بالمهاجرين والأنصار الذين اتفقوا على خلافة عثمان، وعلى تقديمه على علي في الخلافة، أي ازدراهم، أي انتقصهم، فهو ضال مضل. من زعم أن عليًا أحق بالخلافة من عثمان، فكيف بمن يزعم بأن عليًا أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر؟ هذا أضل وأضل، هذا أضل وأضل. لماذا؟ لأن عليًا فضلًا عن غيره، علي رضي الله عنه وأرضاه ثبت عنه كما في صحيح البخاري أن محمد بن الحنفية - محمد ابنه، ويقال له ابن الحنفية لأنه لأمه كانت من بني حنيفة - محمد بن علي بن أبي طالب سأل أباه: من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر، قال: ثم من؟ قال: ثم عمر، قال محمد بن الحنفية: فخشيت أن يثلث بعثمان، فقلت: ثم أنت؟ فقال: لا، ما أنا إلا رجل من المسلمين. الشاهد أن عليًا يقر بأن أبا بكر وعمر هم أفضل الصحابة مطلقًا بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، هم أفضل الأمة مطلقًا بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. بل جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «كنا نخير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنا نختار أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان»، جاء في خارج الصحيح بإسناد صحيح عند ابن أبي العاصم، وعند طبراني أنهم قال - أي قال ابن عمر -: «وكان يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره»، أي أن هذا كان محل اتفاق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك بعد عهده على أفضلية هؤلاء الخلفاء الراشدين. وحديث سفينة الذي في البخاري، في مسند أحمد بإسناد صحيح يدل على هذا المعنى، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخلافة بعد ثلاثون سنة»، والخلافة بعد أي خلافة راشدة، خلافة راشدة كما جاء في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه وأرضاه عند أبي داود والترمذي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» الحديث. وهذا يدل على أن هؤلاء الخلفاء راشدون، وأنهم مهديون راشدون من الرشد وهو ضد الغي، ومهديون من الهداية وهو ضد الضلالة، وهذا يدلنا على أن هؤلاء الخلفاء الراشدين هم راشدون وهم مهديون، راشدون ومهديون، لذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتمسك بسنتهم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ». وهذا الحديث كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: فيه قدر زائد في فضل هؤلاء الصحابة، وأن لهم سنة متبعة، أن لهؤلاء الصحاب سنة متبعة، فهؤلاء الخلفاء إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعملوا به، فهم يشتركون مع غيرهم في وجوب اتباع سنتهم اتباعًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا اجتهدوا في أمر مسكوت عنه فإن سنتهم متبعة، فإن سنتهم متبعة لقوله صلى الله عليه وسلم: «وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». فهذا يدلنا على أن لهم سنة متبعة، لماذا؟ لأنهم مهديون، ولأنهم راشدون، هم راشدون ومهديون، من زكاهم بهذه التزكية؟ من وصفهم بهذا الوصف؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بعد هذا لا يقال بأن سنتهم معتبرة؟ وقد فرع العلماء - ذكي العلماء رحمهم الله تعالى - مسألة مشهورة في كتب الأصول والفقه، وهي: هل إجماع الخلفاء الراشدين حجة أم لا؟ وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. شاهدنا من هذا أن الخلفاء الراشدين هم أفضل الصحابة مطلقًا، وأن خلافتهم صحيحة، وأن أفضلهم أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، ثم بعد ذلك عمر، على ما سيأتي مع نبي ذي الله جل وعلا. وبعد هؤلاء الخلفاء الراشدين جاء في الحديث: «وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض»، طبعًا يستثنى من ذلك عهد معاوية رضي الله عنه وأرضاه، لأن عهده كان معاوية رضي الله عنه وأرضاه كان ملكًا، لكن كان ملكًا باختيار، في آخر الأمر كان باختيار بعد أن تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه وأرضاه بالخلافة له، ولذلك سمي ذلك اليوم أو ذلك العام «عام الجماعة»، اجتمع المسلمون على إمام واحد بعد تفروقهم. فمعاوية رضي الله عنه وأرضاه كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: خير ملوك أهل الأرض بعد الأنبياء، أو قل خير ملوك أهل الإسلام، لأن من قبله خلفاء على خلافة على منهاج النبوة، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، هؤلاء خلفاء راشدون، وبعدهم ملك معاوية، كان ملكًا رضي الله عنه وأرضاه، وكان إمام عدل رضي الله عنه وأرضاه. ثم بعد ذلك حصل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من عود الأمر إلى الملك العضوض، ما هو العضوض؟ أن الأمراء والملوك من شدة حرصهم على الملك صاروا كالكلاب يعض بعضهم بعضًا من شدة حرصهم على ماذا؟ على الملك، على الكرسي، وللأسف هذا الشيء يرى قد كان وما زال، فهذا خبر قد وقع ويقع، وما يحصل اليوم في بلاد المسلمين أدل دليل على هذا المعنى: التناحر، التقاتل لأجل ماذا؟ لأجل الملك والكرسي، فإن لله وإن إليه راجعون. قال رحمه الله تعالى: «بعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض على ما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم»، أي يشير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تكون نبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، قال: فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا أو ملكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة». ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، جاء في بعض الروايات أن هذا الحديث لما أخبر به عمر بن عبد العزيز فريح وسر، لأنه في زمانه عاد الأمر إلى هذا المعنى إلى خلافة النبوة، فسار عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، وهو خير أمراء بني أمية أو خير ملوك بني أمية بعد معاوية، سار بسيرة الخلفاء الراشدين في العدل والإنصاف والرحمة للرعية، وفي طاعة الله جل وعلا. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.