شرح عقيدة السلف للصابوني 14

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 14، ألقاها

موقف الإمام مالك من الاستواء

يروي الإمام الصابوني قصة سؤال الإمام مالك عن الاستواء وإجابته بأن الاستواء معلوم والكيف مجهول. الإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.

شرح معنى استواء الله تعالى

الإمام مالك يوضح أن معنى الاستواء معلوم في اللغة بينما كيفية الاستواء مجهولة. يجب الإيمان بذلك دون الخوض في الكيفية.

منهج أهل السنة في التعامل مع صفات الله

أهل السنة والجماعة يسيرون على منهج الإيمان بصفات الله دون الخوض في كيفية تلك الصفات، ويعتبرون السؤال عن الكيفية بدعة.

التحذير من الخوض في صفات الله

الخوض في كيفية صفات الله يعتبر بابا من أبواب البدع والمحدثات، ويجب الإيمان بصفات الله دون ذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابونى رحمه الله تعالى: قال أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكى، قال: حدثنا محمد بن داود بن سليمان الزاهد، قال: أخبرنى على بن أحمد، قال: أخبرنى على بن محمد بن عبيد أبو الحسن الحافظ من أصله العتيق -أى من كتابه- قال: حدثنا أبو يحيى بن كسيبة الوراق، قال: حدثنا محمد بن الأشرس الوراق أبو كينانة. ومحمد بن الأشرس أبو كينانة فيه ضعف، بل قال الإمام الذهبى رحمه الله تعالى: بأنه متهم بالحديث -أى متهم بالكذب فى الحديث- وهو علة هذا الإسناد، قال: حدثنا أبو المغيرة الحنفى، قال: حدثنا قرة بن خالد عن الحسن عن أمه، عن أم سلمة، فى قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ قالت: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر». والمعنى حسن، لكن الإسناد لم يثبت إلى أم سلمة رضى الله عنها وأرضاها. قال: وحدثنا أبو الحسن بن أبى إسحاق المزكى، قال: حدثنا أحمد بن الخضر بن الحسن الشافعى، قال: حدثنا شاذان، قال: حدثنا أبو مخلد بن يزيد القستهانى، قال: حدثنا جعفر بن ميمون، قال: سئل مالك بن أنس عن قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كيف استوى؟ قال: «استواءه غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالا». وأمر به أن يخرج من مجلسه. وإسناده صحيح، أو بلفظ أدق: حسن إلى مالك رحمه الله تعالى. قال: أخبرنا أبو محمد المخلد العدل، قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن المسلم الإسفراينى، قال: حدثنا أبو الحسين على بن الحسن، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا مهدى بن جعفر بن ميمون عن جعفر بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس -يعنى فسأله عن قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كيف استوى؟ قال: فما رأيته وجد من شىء كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء -أى العرق الشديد- وأطرق القوم، فجعلوا ينظرون الأمر فيه -أى ينظرون ما يجيب به الإمام مالك رحمه الله تعالى عن هذا السؤال- قال: ثم سرى عن مالك -أى رفع ما نزل به من ثقل ذلك السؤال الذى سأله ذلك الرجل- سأله للإمام مالك رحمه الله، قال: فقال: «الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإنى لأخاف أن تكون ضالا». ثم أمر به فأخرج. قال الإمام الصابونى رحمه الله: قال أخبرنى جد أبى حامد أحمد بن إسماعيل عن جد والد الشهيد -وهو أبو عبد الله محمد بن عدين بن حمد دويه- قال: حدثنا محمد بن أحمد بن عون النسوى، قال: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا مهدى بن جعفر الرمل، قال: حدثنا جعفر بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس، فقال: يا أبا عبد الله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كيف استوى؟ قال: فما رأينا مالكا وجد من شىء كوجده من مقالته، وذكر بنحوه. وإسناده كما ترون كلها إلى جعفر بن عبد الله رحمه الله تعالى يحكى هذا الأمر عن مالك بن أنس. وكذلك ثبت بإسناد صحيح كذلك إلى يحيى بن يحيى أن يسابورى أنه كذلك شهد هذه القصة وهذه الوقعة وأخبر بها عن مالك رحمه الله. وكذلك ثبت عن سفيان بن عيينة، لكن بإسناد آخر عن ربيعة سفيان، شهد مثل هذا مثل هذه المقالة، لكن حصلت من ربيعة شيخ مالك -من ربيعة شيخ مالك رحمه الله تعالى جميعا-. وسؤال مالك رحمه الله تعالى سؤال ذلك الرجل للإمام مالك رحمه الله تعالى بهذا السؤال يدلنا على جرأة هذا الرجل، ويدلنا كذلك على أنه قد ظهر ما ظهر من البدع فى ذلك الزمن، لذا تجرأ هذا الرجل بأن يسأل الإمام مالك رحمه الله تعالى هذا السؤال من غير تروٍ ولا نظر. ويدلنا كذلك على تعظيم السلف والأئمة رضى الله عنهم ورحمهم الله لله تبارك وتعالى، إذ أن مالكا لما ألقى عليه هذا السؤال حصل له ما حصل من علو الرحضاء، ومن إطراق رأسه، وحصله من الغشيان ما حصل بسبب السؤال ذلك السائل الجرىء فى حق الله تبارك وتعالى، لذا قال: «فلما سرى عن مالك -أى رفع عنه ثقل ذلك السؤال- فألهمه الله تبارك وتعالى بأن يجيب بجواب هو من أعظم الأجوبة وأجلها، حتى صار قانونا ونظاما يذكره الأئمة رحمهم الله تعالى والعلماء فى كتبهم فى جميع الأسئلة بكيف عن الصفات، اقتداء بإجابة هذا الإمام المبجل عليه رحمة الله». فكما قال رحمه الله تعالى: «الاستواء غير مجهول». ومعنى أنه غير مجهول أى أنه معلوم، ومعنى أنه معلوم أى معلوم معناه فى لغة العرب، معلوم معناه فى لغة العرب كما هو واضح وكما هو ظاهر؛ لأنه «استوى» إذا عُديت بعلى فى لغة العرب فإنها تأتى بمعنى علا وارتفع واستقر، فهى بمعنى العلو والارتفاع، وكذا بمعنى الاستقرار -بمعنى الاستقرار- فأجاب مالك رحمه الله تعالى بقوله: «الاستواء غير مجهول» أى معناه معلوم. إذا قال إنسان لإنسان: «استوى زيد على دابته»، فهم العرب بعربيته أن معناه أنه علا عليها وارتفع عليها واستقر عليها، فمعنى الاستواء فى لغة العرب معلوم، لذا قال إمام مالك رحمه الله: «الاستواء غير مجهول» أى أن العرب تعلم معناه. قال: «والكيف غير معقول»، لماذا غير معقول؟ لأنه من علم الغيب، ولأنه وصف لصفة الله تبارك وتعالى على عرشه، والله تبارك وتعالى لا يعلم كيف هو إلا هو جل وعلا، فلا يعلم كيف الاستواء إلا هو سبحانه وتعالى؛ لأنه من علم الغيب، فلذا قال: «استواء غير معقول»؛ لأنه كما مر معنا أن صفة الاستواء من الصفات الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، ليست ثابتة بالعقل وإنما ثابتة بماذا؟ بالنقل. فلو لم يخبرنا ربنا تبارك وتعالى أنه استواء على العرش لما قلنا بأنه استواء على العرش؛ لأنه صفة خبرية، صفة خبرية متوقفة على الخبر، فلما أخبرنا ربنا تبارك وتعالى أنه استواء على العرش، قال النبى صلى الله عليه وسلم أنه استواء على العرش، ومع الاستواء فى لغة العرب معلوم، لكن هل أخبرنا ربنا تبارك وتعالى كيف استواء؟ الجواب: لا. هل نستطيع أن نعلم بعقولنا كيف استواء؟ الجواب ماذا؟ الجواب: لا. لذا قال مالك رحمه الله تعالى: «والكيف غير معقول»، لا نستطيع أن ندركه بعقولنا، ولم يأت كذلك دليل يخبرنا كيف استوى ربنا تبارك وتعالى على العرش. والشىء لا تعرف حقيقته وماهيته إلا بأمور: إما بالمشاهدة أن يشاهد الإنسان ذلك الشىء فيعرف كيف وصف ذلك الشىء، أو بمعرفة نظير له، أو بخبر الصادق عنه. وهذه الأمور الثلاثة غير موجود واحد منها غير موجود واحد منها فى حق الله تبارك وتعالى؛ فالله تبارك وتعالى لا يراه أحد من الإنس والجن، والله تبارك وتعالى ليس له نظير، هل تعلم له سمية؟ والله تبارك وتعالى لم يخبرنا كيف استوى، فاستوى إذن الاستواء غير معقول لا شرعا ولا عقلا؛ شرعا لأنه لم يدل الدليل على كيفية الاستواء، فهو غير معقول غير معلوم، ولا معقول لأن العقول لا تدرك الاستواء، لذا قال رحمه الله تعالى: «والإيمان به واجب». لماذا الإيمان به واجب؟ لأنه من باب الإيمان بالغيب؛ لأنه خبر أخبر به ربنا تبارك وتعالى عن نفسه، ومن الإيمان بالله تبارك وتعالى أن يؤمن العبد بما أخبر الله تبارك وتعالى به عن نفسه. والأمر كذلك هاهنا. ثم قال: «والسؤال عنه بدعة»، لماذا السؤال عنه بدعة؟ لعموم قول النبى صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». ولعموم قول النبى صلى الله عليه وسلم: «وكل محدثة بدعة». فهذا السؤال محدث لم يؤثر فى كتاب ولا سنة ولا عن أحد من سلف هذه الأمة، فهو سؤال محدث، لذا قال الإمام مالك رحمه الله: «بدعة». وأيضا أن هذا السؤال يتضمن فتح باب شر على أهل الإسلام؛ إذ يلزم منه الخوض فى معرفة كيفية صفات الرب تبارك وتعالى، ولا يعرف كيفه إلا هو سبحانه وتعالى. وهذا الجواب منه -كما سمعتم- عظيم. ثم قال: «وما أراك إلا ضالا»؛ لأن هذا السؤال سؤال جرىء، وسؤال شاك فى الله تبارك وتعالى، لذا قال: «وما أراك إلا ضالا»، إذ لا يتجرأ على هذا السؤال إلا من كان فى قلبه زيغ -والعياذ بالله-. ثم أمر به أن يخرج من مجلسه. وفى هذا بيان لما عليه السلف والأئمة رحمهم الله تعالى من زجر أهل الأهواء وإبعادهم وطردهم عن مجالسهم حماية لهم وللمسلمين من شر أولئك المبتدعة. جواب مالك رحمه الله تعالى -كما سمعتم- صار قانونا يسير عليه السلفيون أهل السنة والجماعة زمنا بعد زمن، فإذا جاءنا إذا أتانا آت فقال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كيف استوى؟ نجيبه بجواب مالك، إذا جاءنا إنسان فقال: «الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا فى كل ليلة فى الثلث الآخر من الليل كيف ينزل؟» نقول له: «النزول غير مجهول» أى معناه، «والكيف أى كيفية النزول غير معقولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». إذا أتانا آت فقال: «ما تقولون فى صفة المجىء لله تبارك وتعالى والإتيان؟» نقول: «نثبتها كما أثبتها ربنا تبارك وتعالى النفس، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمع على ذلك السلف الصالح»، فإن قال: «كيف يأتى؟» نقول له: «الإتيان والمجىء غير مجهولين، وكيفية ذلك غير معقولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة». وقل مثل ذلك فى بقية الصفات. إذا قال قائل: «أنتم تثبتون لله جل وعلا صفة الوجه؟» نقول: «نعم». «صفة اليد؟» نقول: «نعم». «صفة الساق؟» نقول: «نعم». لماذا؟ لأن الله تبارك وتعالى أثبتها لنفسه: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾، ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، ﴿يوم يكشف عن ساق﴾. فإذا قال لنا: «كيف هذه الصفات؟» نقول: «معناها غير مجهول، والكيف غير معقول، لا نستطيع أن نعقله بعقولنا، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». فهو قانون نسير عليه مع كل شاك أو مبتدع أو ضال أو صاحب هوى فى الكلام على صفات الله تبارك وتعالى وكيف هو. قال: وسئل أبو على الحسين بن الفضل البجلى عن الاستواء، وقيل له: «كيف استوى على عرشه؟» فقال: «إننا لا نعرف من أنباء الغيب إلا مقدار ما كشف لنا، وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه، ولم يخبرنا كيف استوى، فماذا نصنع؟ نؤمن بخبر الله تبارك وتعالى، ولا نتشاغل ولا يجوز لنا أن نتشاغل فى معرفة كيف استوى؛ لأن هذا من علم الغيب الذى لم يطلعنا عليه ربنا تبارك وتعالى، وأن الخائض فيه خائض فى باب من أبواب البدع والمحدثات كما تقدم». والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على