شرح أعلام السنة المنشورة  60

شرح أعلام السنة المنشورة 60

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 60، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في إحصاء أسماء الله الحسنى

يبدأ الشرح ببيان معنى إحصاء أسماء الله الحسنى وتفسير العلماء للحديث 'من أحصاها دخل الجنة'. يشمل الإحصاء الحفظ، الفهم، والعمل بأسماء الله.

مراتب إحصاء أسماء الله الحسنى ودرجاتها

يتم توضيح مراتب إحصاء أسماء الله الحسنى الثلاث: الحفظ، فهم المعاني، والعمل بمقتضاها، مع التركيز على أهمية كل مرتبة وتطبيقها العملي.

التعبّد بأسماء الله تعالى والعمل بها

يشرح كيفية التعبّد بأسماء الله في الدعاء واستشعار معانيها في الحياة، مع التركيز على المرتبة الثالثة من مراتب إحصاء الأسماء الحسنى وهي العمل بها.

ختام الدرس والتأكيد على الصلاة على النبي

يختتم الدرس بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع الإشارة إلى علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى-، ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الأسماء الحسنى: «من أحصاها دخل الجنة». هذا الحديث قد مر معنا نصه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «لله تسعة وتسعون اسمًا، من أحصاها دخل الجنة»، والحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة. وقد اهتم العلماء بهذا الحديث، وخاصة ما يتعلق بشرحه، ما معنى «من أحصاها»؟ والسر في هذا الاهتمام أولًا، إذ أن هذا الحديث إنما يشير إلى عبادة وإلى عمل صالح يتقرب به العبد إلى ربه، ولا يمكنك -يا عبد الله- أن تتقرب إلى الله بعمل إلا إذا علمت ما المقصود منه. فما المقصود «من أحصاها» حتى تستطيع مؤديًا لطاعة ولعمل صالح؟ هنا اهتم العلماء لهذه الكلمة، ما معنى «من أحصاها»؟ زيادة على ذلك عظيم الأجر والثواب، عظيم الأجر والثواب في حق من أحصى أسماء الله، ثوابه أن الله عز وجل يدخله الجنة، «من أحصاها دخل الجنة»، فدخول الجنة -يا عبد الله- يكون بإحصائك لأسماء الله. إذا ما معنى الإحصاء هنا؟ اختلفت أنظار العلماء في هذا الحديث، ما معنى «من أحصاها دخل الجنة»؟ فقال مؤلف -رحمه الله تعالى-، ما معنى قوله عليه الصلاة والسلام في الأسماء الحسنى: «من أحصاها دخل الجنة». إذا لابد من فهم هذه اللفظة، لأن كما قلنا يعمل صالح ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يتقرب إلى الله به. وكذلك عظيم الأجر المعد، وكل ذلك إنما يرتكز على فهم كلمة «أحصاها». والمؤلف -رحمه الله تعالى- أشار إلى الخلاف المذكور بين العلماء السلف في معنى «من أحصاها». وسنذكر أو نتلو عليكم قول المؤلف -رحمه الله تعالى-، ثم بعد ذلك نلخص هذه المسألة في نقاط. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: قد فُسِّر ذلك بمعاني منها حفظها، ودعاء الله بها، والثناء عليه بجميعها. ومنها أن ما كان يسوق الاقتداء به كالرحيم والكريم، فيمرِّن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها فيما يليق به. وما كان يختص به نفسه تعالى كالجبار والعظيم والمتكبر، فعلى العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التحلي بصفة منها. وما كان فيه معنى الوعد كالغفور الشكور العفو الرؤوف الحليم الجواد الكريم، فليقف منه عند الطمع والرغبة. وما كان فيه معنى الوعيد كعزيز ذي انتقام شديد العقاب سريع الحساب، فليقف منه عند الخشية والرهبة. ومنها شهود العبد إياها وإعطاؤها حقها معرفة وعبودية. مثاله من شهد علو الله تعالى على خلقه وفوقيته عليهم واستواءه على عرشه، بائنا من خلقه مع حاطته بهم علمًا وقدرة وغير ذلك، وتعبد بمقتضى هذه الصفة، بحيث يصير لقلبه صمدًا يعرج إليه مناجيًا له مطرقًا واقفًا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز. فيشعر بأن كلامه وعمله صاعد إليه معروض عليه، فيستحي أن يصعد إليه من كلامه وعمله ما يخزيه ويفضحه هنالك. ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء والإعزاز والإذلال والخفض والرفع والعطاء والمنع وكشف البلاء وإرساله ومداولة الأيام بين الناس، إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه. فمراسيمه نافذة فيها كما يشاء، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون. فمن وفَّى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية فقد استغنى بربه وكفاه. وكذلك من شهد علمه المحيط وسمعه وبصره وحياته وقدرته وغيرها. ولا يرزق هذا المشهد إلا السابقون المقربون. انتهى كلامه -رحمه الله تعالى-. بقوله في ذكر المعاني التي ذكرها العلماء -رحمهم الله تعالى- في قوله عليه الصلاة والسلام «من أحصاها دخل الجنة». وخلاصة الأمر -إخواني في الله-، وحتى لا نطيل الكلام في هذا المبحث، قال العلماء: أن هذا الحديث، وهو بيان أن لله عز وجل تسعة وتسعين اسمًا «من أحصاها دخل الجنة»، معنى «من أحصاها دخل الجنة»، قالوا: الإحصاء على مراتب ثلاث. إحصاء أسماء الله جل وعلا تكون على مراتب ثلاث، مرتبة الأولى، المرتبة الثانية، المرتبة الثالثة، وكل مرتبة -يا عبد الله- أعظم من الأخرى. فالمرتبة الأولى أعظم منها الثانية، أعظم من الكل الثالثة. المرتبة الأولى من مراتب «من أحصاها»، قالوا: إحصاء أسماء الله جل وعلا أن تكون ملمًا بها، محيطًا بأسماء الله سبحانه وتعالى، هذا معنى الإحصاء، أي مأخوذ من العد، أنك تعد أسماء الله جل وعلا فتحفظها في نفسك في صدرك، وتكون ملمًا بأسماء الله، محيطًا بأسماء الله، تبحث عنها، تتبع أماكنها، تقول: هذا اسم لله، هذا اسم لله. هذا يسمى إحصاء، يسمى هذا إحصاء، وهو ما يتعلق بحفظها والإحاطة بها. وهؤلاء استدلوا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾، فهنا الإحصاء بمعنى العد، بمعنى العد. وهذا القول قال به الكثير من أهل العلم، أن «من أحصاها دخل الجنة»، أي من حفظ أسماء الله سبحانه وتعالى. ولا يكون حفظها إلا بالإلمام بها والإحاطة بها بحفظها، هذا يقول: من فعل فقد أحصى أسماء الله. وهذا المذهب ينقل عن الجمهور، كما ذكر ذلك الإمام النووي -رحمه الله تعالى- كما في كتاب الأذكار، عندما ذكر أن معنى الإحصاء هو العد والحفظ، قال: وهذا مذهب الأكثرين، أي من العلماء. والقول الثاني، أو المرتبة الثانية من معنى الإحصاء، هو الفهم لمعانيها، الفهم لمعانيها، تفهم ما معنى هذا الاسم، علمت أن من أسماء الله التواب، ما معنى التواب؟ الغفور، ما معنى الغفور؟ الودود، ما معنى الودود؟ وهكذا. قصة -عبد الله- كل اسم لابد أن تتفهم لمعانيه، لمعانيه. ولا شك أن هذه المرتبة، وهي مرتبة المعرفة والعلم بأسماء الله، أعظم من مرتبة الحفظ، أعظم من مرتبة الحفظ. كما قال بعض العلماء: حال هذا كحال من يحفظ القرآن، وليس يفقه منه شيئًا، فما ظنك برجل يحفظ القرآن ظهر قلب، لكن لا يتفهم ولا يتفقه لمعاني القرآن. وشخص آخر عنده فقه لآيات القرآن، أيهما أعظم الذي حفظ أم الذي فهم؟ الذي فهم أعظم مرتبة. قال: وهكذا في أسماء الله، لربما تأتي عند رجل، قل له: يا عبد الله، أسرد لي أسماء الله، لربما يسردها لك سردًا: الجبار، الغفور، الرحيم، إلى آخره. لكن إذا قلت له: ما معنى هو المؤمن؟ ما معنى المهيم؟ ما معنى السلام؟ الله أعلم. فلا شك -إخواني في الله- أن المرتبة الثانية وهي أهم من الأولى، وهي مرتبة الفهم لأسماء الله جل وعلا. قال علماء: وهذا يدخل في قوله «من أحصاها» بمعنى «من فهمها». والدليل على أن الإحصاء بمعنى الفهم، قال علماء: يقال: رجل زوحصاه، يقال في لغة العرب: رجل زوحصاه، ما معنى رجل زوحصاه؟ قالوا: بمعنى رجل زو فهم، رجل زو فهم. ومنها يسمى العقل حصاه، يسمى العقل حصاه، العقل هو عدة أسماء: لب، وحجر، ويسمى كذلك حصاه، هذا من تسمية العرب للعقل. فقال علماء: إذن علمنا أن الإحصاء يأتي في معاني الفهم، إذن معنى «من أحصاها» «من فهمها». والقول الأول فسر الإحصاء بمعنى العد، «من أحصاها» أي «من عدها». إذا كل يستند إلى شيء. المرتبة الثالثة من مراتب «من أحصاها دخل الجنة»، وهو العمل بمقتضاها، ما معنى العمل؟ العمل بمقتضى أسماء الله سبحانه وتعالى. وهذه كذلك أعظم من المرتبة الأولى والثانية، العمل بمقتضاها -يا عبد الله- سيأتي لنا صوره. لكن الذين ذهبوا إلى أن هنا العمل، أن «من أحصاها دخل الجنة» بمعنى «من عمل بها دخل الجنة»، من أين فسروا الإحصاء بمعنى العمل؟ أخذوه من قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، علماء: لن تحصوه، علماء: لن تحصوه، فتابع عليكم تحصوه، أي لا تطيقونه، أي لا تطيقون ذلك. فقالوا: فالإحصاء بمعنى الإطاقة بها، فـ«من أحصاها دخل الجنة» أي «من أطاق العمل بها دخل الجنة». وهذا قول وجيه، وقد قال به جماعة من أهل العلم. وما معنى العمل بأسماء الله؟ قال علماء: العمل بأسماء الله بمعنى التعبُّد بأسماء الله، ويكون ذلك في وجهين اثنين، يتضح منك العمل بأسماء الله. الوجه الأول: أنك تدعو الله بأسماء الله، هذا من وجه العمل بأسماء الله. مثل إذا دعوت الله: يا غفور اغفر لي، يا رحيم ارحمني، يا تواب تب علي، يا معين أعني، يا غفور اغفر لي، وهكذا تلهج بأسماء الله جل وعلا، تأتي لكل مقام ما يناسبه من اسم من أسماء الله. وهذا هو اللائق والأدب مع الله عز وجل. لا تعارض بين المضمون وبين الاسم، فلا تأتي باسم من أسماء الله في موضوع بعيد ما يرتبط كل الارتباط باسم الله، وإنما عندك مضمون حاول أن تأتي من أسماء الله ما يقابل هذا المضمون. ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وهذا من العمل بأسماء الله جل وعلا. والصورة الثانية من صور العمل بأسماء الله جل وعلا: أنك تجعل لأسماء الله أثر في حياتك، أن تجعل لأسماء الله أثر في حياتك. مثلا أنت تعلم بأن من أسماء الله جل وعلا الغفور، والغفور صيغة مبالغة، أي أن الله جل وعلا يغفر الذنب مهما عظم. فأنت -يا عبد الله- إذا وقعت في تقصير، وإذا وقعت في الذنب، تستشعر اسم الله الأعظم بأنه الغفور، فتستغفر الله عز وجل، تقول: ولو كنت عاصيًا، لأنه كنت فاسقًا، لكن لعلمي بأن من أسماء الله الغفور، فإنه سيغفر لي، تستيقن هذا في نفسك. كذلك تعلم أن الله عز وجل أنه الرقيب سبحانه وتعالى، والذي لا يخفى عليه شيء، فأنت في خلواتك، وأنت في فلواتك، وأنت مع نفسك، تستشعر بمراقبة الله عليك. فالذي يحجزك عن الذنب والمعصية وأنت خالٍ مع نفسك، استشعارك لاسم من أسماء الله، وهو الرقيب. وهكذا السميع، وهكذا البصير، تعلم أنت في مكان تريد أن تعمل عملًا، وتعلم أن الله يبصر بك، فيردعك هذا الاسم أن تعمل بما لا يلائم صفة اسم الله جل وعلا البصير. وهكذا -يا عبد الله- باقي الأسماء والصفات سبحانه وتعالى. وهو القيوم الذي الكل يحتاج إليه، فتستعين بالله جل وعلا في كل أمورك. فإذا تعبد الشخص بأسماء الله على هذا المقتضى، يقال: أنت ممن أحصى أسماء الله سبحانه وتعالى. إذن -إخواني في الله- فقوله عليه الصلاة والسلام «من أحصاها» أي أسماء الله «من أحصاها دخل الجنة»، فالإحصاء على ثلاثة مراتب، إحصاء أسماء الله، وذلك بتعدادها والإلمام بها والإحاطة بها وبحفظها، على مذهب الكثيرين. المرتبة الثانية، وهي أعظم من الأولى، وهو الفهم لمعناها، والفهم لأسماء الله جل وعلا، وتعلم من مقصود من هذا الاسم الذي تسمى به الرب جل وعلا. المرتبة الثالثة، وهي من أعظم المراتب، وهذه المراتب الثلاثة ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى-، وهكذا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى-، وجماعة من المحققين. المرتبة الثالثة: التعبد والعمل بأسماء الله جل وعلا، ووجه ذلك إما أن يكون ذلك في دعائك، بأن تلهج بأسماء الله في دعائك وقنوطك لربك سبحانه وتعالى، أو أنك تستشعر لأثر الصفة في حياتك، فكل ذلك من معاني «من أحصاها». فـ«من أحصاها» بمعنى «من حفظها»، «من أحصاها» بمعنى «من فهمها»، «من أحصاها» بمعنى «من عمل بها». وكل له دليله، والصحيح لا اختلاف بينهما، بل هي مراتب، كل مرتبة لها ثقلها عند الله سبحانه وتعالى. كما نقول: مراتب الإسلام ثلاثة: مسلم، مؤمن، محسن، كلهم في الخير، لكنهم يتفاوتون في الخير، فليس المؤمن كالمسلم، فرتبته أعلى، وليس المحسن كالمؤمن، فمقامه أرفع. وهكذا قل في أسماء الله. فهذا -إخواني في الله- خلاصة هذا المبحث الذي يذكره العلماء في بيان قوله عليه الصلاة والسلام «من أحصاها دخل الجنة». فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.