الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 25، الدرس الخامس والعشرون:من(37ـ ومن أتى بما عليه من عمل*قد استحق ما له على العمل...فإنه يعاقب على ما صدر عنه من الأقوال والأفعال ). ألقاها
يشرح هذا الفصل مفهوم أن الأجير يستحق أجره بعد إتمام عمله، وأن ما يترتب على عمله المأذون فيه لا يعتبر مضمونًا. يقدم أمثلة على ذلك مثل قطع اليد في القصاص أو الجناية.
يناقش هذا الفصل مفهوم الأفعال المأذون فيها شرعاً وعدم تحمل المسؤولية عن الأضرار الناجمة عنها، مع تقديم أمثلة من الفقه الإسلامي. يوضح الفرق بين الأفعال المأذون فيها والأفعال غير المأذون فيها من حيث الضمان.
يشرح هذا الفصل كيف أن الآثار المترتبة على الأفعال المأذون فيها لا إثم عليها، بينما الآثار المترتبة على المعصية تعتبر إثما. يضرب أمثلة على ذلك من خلال غضب عمر رضي الله عنه وأقواله وأفعاله.
يناقش هذا الفصل مسؤولية الفرد عن أفعاله وتصرفاته المخالفة للشرع، ويوضح أن الفرد يعاقب على الكلام أو الفعل المخالف للشرع إذا صدر عن هوى أو حمية. العاقبة تأتي نتيجة لصدور الفعل عن غير إذن شرعي.
قال رحمه الله: ومن أتى بما عليه من عمل قد استحق ماله على العمل، قالها بالشرح: أشياء توجب الضمان، لو استقلت كانت تلك الآثار هدرا غير مضمونة. ومراده أن من أتى بما عليه من العمل الذي يكلف به، فإنه يستحق ماله على هذا العمل، ولا كذلك يضمن ما ترتب عليه من الإذن في هذا العمل. ودليل هذه القاعدة أن من أتى بما عليه من عمل استحق ماله على العمل، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، رواه أبو هريرة في الصحيحين، وذكر منهم رجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطيه أجره. استوفى منه يعني استوفى العمل، يعمل له ثم لم يعطيه أجرته، إلا إذا كان هناك مثلا في العرف أنه يعطيه الأجر مقدما، يعطيه إياها. إذا لم يكن ثم عرف فيعطيه أجرته بعد العمل، يعطيه أجرته بعد العمل، ولا يؤخرها أو يماطله في الأجرة، فهذا كبير من كبار الذنوب. وقول: «أشياء توجب الضمان، لو استقلت كانت تلك الآثار هدرا غير مضمونة»، هذا ما يعبر به بعض علماء بقولهم: ما التلف في يد الأمين غير مضمون، أو ما ترتب على المأذون فيه فليس بمضمون. ما ترتب على المأذون فيه فليس بمضمون. نعم، ليس بمضمون، إنه ناشئ عن المأذون فيه. وسيأتي إن شاء الله في ذكر الأمثلة توضيح ذلك. قال: ومفهوم هذا البيت أن ما نشأ عن غير المأذون فيه فإنه مضمون. قال: فما تولد عن المأذون فيه فهو تابع للمأذون فيه، وما تولد عن غير المأذون فيه فهو تابع له. قال: مثال هذا أن يقطع يد غيره فيسري ذلك القطع إلى إتلاف نفسه أو بعض أعضائه، فهل تضمن تلك السراية أم لا؟ يقول: قطع إنسان يد غيره فسرى هذا القطع إلى أن أدى إلى تلفه، إلى موته أو إلى بعض أعضائه، فهل يضمن هذه السراية؟ يعني سريان هذا الضرر الذي حصل له بسبب القطع أو لا يضمنه؟ قال: الجواب إن كان القطع قصاصا أو حدا فإن سرايته هدر، وإن كان القطع جناية ضمنت السراية تبعا للجناية. الآن يقول: إذا كان القطع قصاصا أو حدا، يعني قطع يده قصاصا، وقصاص مأذون فيه، السارق والسارقة فقطعوا أيديهما جزاء بما كسب، فأقام عليه حد القصاص أو حد السرقة، قام عليه حد السرقة فقطع يده، فسرى هذا القطع حتى أدى إلى موته، هل هذا القطع يضمن هذا المقطوع الذي مات؟ قال: إن كان قصاصا أو حدا فإن سرايته هدر، يعني سراية هذا الجرح الذي أدى إلى موته هدر، ليس فيه ضمان. لماذا؟ لأنه ترتب على مأذون فيه، ترتب هذا العمل على المأذون، وما ترتب على المأذون فليس بمضمون، ما دام أنه قطعه بإذن من الشرع، فإنه لا يضمن تلف هذا المقطوع. بخلاف ما لو كان جناية، اعتدى إنسان على آخر فقطع يده فأدى هذا القطع إلى موته، هنا يضمن. وهنا يضمن ويقام عليه حتى القصاص. لماذا؟ لأن سراية هذا القطع كانت من غير إذن، كانت من غير إذن فتضمن. نعم، لا يضطلع أن سرايته أدت إلى قتله، هو الآن يعتبر قاتلا له. ولهذا نهى الشرع: نهى أن يسلم أن تقام الحدود قبل أن تستبرأ، نهى يعني إذا جرح إنسان مثلا جرح، فما يقام بالحد حتى يستبرأ من هذا الجرح، ينظر لأين يصل، إذا وقف في حد مثلا فيقام عليه، فإذا استمر حتى أمات فيقتل به. قال: وكذا لو أراد أن يمر بين يديه إنسان وهو يصلي، ثم دافعه حتى أفضى إلى تلفه أو تلف بعضه لم يضمن، لأنه مأذون له من الشارع. ويريد بالشارع أي الشارع: الكتاب والسنة. قال: ولو دفعه من غير إذن منه ولا من الشارع ثم تلف ضمنه. الآن دفع من أراد أن يمر بين يديك، هذا مما أذن فيه الشرع، كما قال النبي عليه السلام: «إذا أراد أحدكم أن يمر بين يدي المصلي فليدفعه، فإن أبى فلينازعه، فإن معه القرين». فإذا دفعه حتى آذاه مثلا إلى تلف بعض أعضائه، دفعه فسقط فكسرت يده، هل يضمن هذا المصلي الذي دفعه؟ الجواب: ليس عليه ضمان. لماذا؟ لأن دفعه كان مما أذن فيه الشرع، مما ترتب للمأذون فليس بمضمون، فلا يضمن هذا الكسر، ولو أدى إلى تلفه، ولو مات. لو دفعه فمات ما عليه شيء، لأن هذا الدفع كان بإذن من الشرع. بخلاف لو دفعه بغير إذن، جاء إنسان ودفع آخر، أسقطه وكسر يده مثلا، وهنا يضمن. عليه الضمان أو مات مثلا، إنه يضمن، لأن هذا الدفع غير مأذون فيه. قال: ومن أمثال هذا أنه لو وطئ زوجته ثم عقرها، فإن كانت يوطأ مثلها لم يضمن ذلك العقر، لأنه مأذون فيه. وإن كانت لا يوطأ مثلها، كأن تكون صغيرة أو ضعيفة، ومثلها لا يوطأ، فعقرها فإنه يضمن، لأنه غير مأذون فيه، غير مأذون فيه، سواء كان شرعا أو عرفا كذلك. قال: ومن ذلك لو وضع حجرا في الطريق أو حفر بئرا فيه، ثم أتلف به إنسان أو حيوان، يعني هل يضمن أو لا يضمن؟ قال: إن كان الحفر ونحوه مأذونا له فيه، بأن كان لنفع المسلمين، لم يضمن ما تلف به. وإن كان متعديا فيه ضمن. إنسان حفر حفرة، فجاء آخر وسقط فيها ومات، هل يضمن صاحب الحفرة أو لا يضمن؟ قال: إذا كان الحفر مأذونا له فيه لم يضمن، إذا كان مما أذن له فيه الناس لأجل أن ينتفع الناس بهذه البئر، فسقوط هذا الساقط فيه ليس عليه فيه ضمان. وهذا إذا كان هذا الحفر قد فرط أو لم يفرط، إذا كان لم يفرط، كان مثلا يجعلها في طريق الناس، ولا يجعل لها مثلا حائطا أو ستارا، فيأتي إنسان ما يدري، لو سقط فيها هنا يضمن، لأنه ماذا؟ مفرط. بخلاف لو كان غير مفرط، بئر محفورة لها علامات أو حدود ونحو ذلك، ثم يسقط فيها فلا شيء عليه. ضمانه ضمان تفريط. قال: وإن كان متعديا فيه ضمن، إذا كان متعد في هذه الحفرة فإنه يضمن، كما قلنا يحفرها في طريق الناس ونحو ذلك، فإنه يضمن، لأنه غير مأذون له فيه. قالوا: مما يشبه هذه القاعدة أن الآثار الناشئة عن الطاعة مثاب عليها، ولا سيما إن كانت مكروهة للنفوس، كالنصب والتعب ورائحة الصوم الكريهة للنفوس. وأن الآثار الناشئة عن المعصية تبع للمعصية. والله أعلم. يقول: الآثار الناشئة عن الطاعة مثاب عليها، لا سيما إن كانت مكروهة للنفوس، كالنصب والتعب ورائحة الصوم الكريهة للنفوس. ويريد بذلك أن هذا مما ترتب على المأذون فيه، فالصوم مثلا مأذون فيه، فما ترتب على هذا الصوم من رائحة كريهة، فهذا لا شيء عليه فيه. لماذا؟ لأنه ترتب على مأذون، أو ما أصابه من تعب ونصب، فكذلك هو مثاب عليه، لأنه ترتب على مأذون فيه. وهكذا بالعكس، الآثار الناشئة عن المعصية تبع للمعصية، وهو آثم عليها تبعا لأصلها، لأنها ترتبت على غير مأذون فيها، ترتبت على غير مأذون فيها. قال: ومما يدخل في هذا أن من غضب وكان غضبه لله، فصدر عن ذلك الغضب أقوال وأفعال لا تجوز، متأولا في ذلك مجتهدا، فإنه معفي عنه. كما قال عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن حاطب بن أبي بلتعة: «إنه منافق»، رواه في الصحيحين، واعتراضه على النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الحديبية ونحوها. وكذلك في الصحيحين، بخلاف من كانت متابعته له هواه والحمية لنفسه، فإنه يعاقب على ما صدر عنه من الأقوال والأفعال. يقول: من غضب وكان غضبه لله، فصدر من ذلك الغضب أقوال وأفعال لا تجوز، متأولا في ذلك مجتهد، فلا شيء عليه. لماذا؟ لأنه صدر عن ما أذن له فيه، لأنه غضب لله، والغضب لله مما أذن فيه الشرع، مما أذن فيه الشرع. فما صدر من ذلك الغضب من أقوال وأفعال لا تجوز، وكان متأولا فيها مجتهدا، فلا شيء عليه. قال: مثل ما قال عمر رضي الله عنه في شأن حاطب بن أبي بلتعة: «إنه منافق»، يعني لما أخبر أهل مكة بغزو النبي عليه الصلاة والسلام لهم، وأراد بذلك أن يكون له يد يحفظون أهله وأولاده. فلما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام وأوحى الله إليه بذلك، قال: ما حملك على ذلك؟ ذكر له أنه ليس النفاق ولا الرضا بالكفر بعد الإيمان، وإنما قال: أردت أن يكون لي هناك يد يحفظون مالي وأهلي. فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». الشاهد قول عمر رضي الله عنه: «إنه منافق»، وما هو بالنفاق، ومع ذلك لم يعاقب عمر رضي الله عنه على هذا القول. لماذا؟ لأنه صدر عن غضب لله، صدر عن غضب لله، فكان مجتهدا في ذلك معفوا عنه رضي الله عنه. وهكذا في قصة الحديبية حين اعترض على النبي صلى الله عليه وسلم لما كتب ذلك الصلح، وكان من بنود ذلك الصلح أن من جاء إلى المسلمين من مكة إلى المدينة فإنه يرجع إلى مكة، وكان ذلك من ماذا؟ مما ظاهره الشدة على المسلمين. فكان عمر يأتي النبي عليه الصلاة والسلام فيقول: يا رسول الله، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فيقول: بلى. فيقول: لماذا نعطي الدنية في ديننا؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: «إني رسول الله ولست عاصيا له». كان يعترض، أن يسلم ومع ذلك كان متأولا رضي الله عنه. قال: ذلك غضبا لله، فقال ذلك غضبا لله، فما صدر منه من هذا القول والفعل كان معفوا عنه، كان معفوا عنه. وهكذا ما يصدر من الإنسان من نحو ذلك، إذا كان غضب لله، صدر منه كلام أو فعل مخالف لا يجوز، مخالف للشرع لا يجوز، فإنه معفوا عنه. وأما إذا كان هذا الكلام الذي صدر منه تبعا لهواه وحمية، يريد أن ينتصر لنفسه، أن ينتصر لهواه، فيتكلم ويفعل الأفعال المخالفة للشرع، فإنه يعاقب عليها. لماذا؟ لأنها صدرت عن غير مأذون فيه، فهو محاسب عليها.