الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 24، الدرس الرابع والعشرون:من(36ـ ولا يتم الحكم حتى تجتمع*كل الشروط والموانع ترتفع...والله المستعان على القيام بشروط الأعمال ودفع موانعها إنه جواد كريم). ألقاها
يشرح أهمية وجود الشروط وانتفاء الموانع لتحقق الأحكام في الإسلام، ويبين أن الأحكام لا تترتب إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها.
التوحيد له شروط ثلاثة: العلم واليقين والانقياد، وموانع ثلاثة: الشرك والبدعة والمعصية، ويوضح تأثير كل منها على صحة التوحيد.
يشرح أهمية وجود شروط وانتفاء موانع للأعمال والعبادات حتى تصح وتقبل، ويوضح شروط وموانع العبادات والمعاملات المختلفة.
يتناول الفرق بين شروط الشيء التي يمكن التنازل عنها وشروط في الشيء التي لا يمكن التنازل عنها، ويضرب أمثلة على ذلك.
قال رحمه الله: ولا يتم الحكم حتى تجتمع كل الشروط والموانع ترتفع. قال في الشرح: هذا أصل كبير وقاعدة عظيمة يحصل به لمن حققه نفع عظيم، وينفتح له باب من أبواب فهم النصوص المطلقة التي طالما كثر فيها الخلاف والاشتباه، أي في النصوص التي أطلقت وقد قيدت بقيود من وجود شروط أو انتفاء موانع، بها يتحقق الحكم، بها يتحقق الحكم. فلا يتم الحكم حتى تجتمع كل الشروط وتنتفي كل الموانع. فإطلاق مثلا الشرع لفظ الكفر على من فعل كذا، هذا حكم مطلق، لا يتم هذا الحكم في الشخص حتى تجتمع جميع الشروط وتنتفي جميع الموانع. فالتلفظ مثلا بكلمة الكفر أو الكفر بالله سبحانه وتعالى، الأصل أن يخرج الإنسان من دائرة الإسلام، هذا كحكم عام، لكن قد يختلف هذا الحكم على الأشخاص إما لوجود مانع أو لانتفاء شرط، إما لوجود مانع أو لانتفاء شرط، كمن تلفظ بكلمة الكفر مكرهاً، فالإكراه مانع من موانع الكفر، أو خطأ، فالخطأ مانع من موانع الكفر. إذن لا يترتب على هذا الشخص هذا الحكم المطلق لوجود هذا المانع، وهكذا في سائر النصوص المطلقة. قال: ومعنى هذا الأصل أن الأحكام لا تتم ولا يترتب عليها مقتضاها والحكم المعلق بها حتى تتم شروطها وتنتفي موانعها. وأما إذا عدمت الشروط أو وجدت الشروط ولكن قام مانع، لم يتم الحكم ولم يترتب عليه مقتضاه لعدم وجود الشرط أو لوجود المانع. إذن لا تترتب الأحكام إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها. فقال رحمه الله: إذا عدمت الشروط، فلا يترتب هذا الحكم. فلا يترتب هذا الحكم، كإنسان مثلا صلى بغير وضوء، هل تصح صلاته هنا ويحكم على صلاته بالصحة؟ الجواب: لا، لماذا؟ لعدم توفر الشروط، أنا من شروط الصلاة ماذا؟ الطهارة، والطهارة هنا تخلفت. والطهارة تخلفت، إذن فصلاته غير صحيحة لعدم وجود الشروط. أو وجدت الشروط لكن وجد مانع، إنسان تطهر، واستقبل القبلة، وصلى، لكنه كافر، هل تقبل صلاته؟ لا، لماذا؟ لوجود مانع وهو الكفر. أو إذا كانت إمرأة ففعلت ذلك وهي حائض، فإن صلاتها غير مقبولة وصحيحة، ولو وجدت الشروط لكن وجد مانع وهو الحيض. قال: لم يتم الحكم ولم يترتب عليه مقتضاه، يعني من حيث الصحة، وما يترتب كذلك على الحكم إذا كان بيعا مثلا أو نكاحا، من انتقال الملك في البيع أو حل البضع في النكاح. قال: لعدم وجود الشرط أو لوجود المانع، لعدم وجود الشرط أو لوجود المانع. في النكاح مثلا، عدم وجود الشرط، كان يتم النكاح بلا ولي، فهذا النكاح ماذا؟ فاسد، لأن من شروط النكاح وجود الولي. أو لوجود مانع، كان يكون هذا النكاح لمحرم كأختي مثلا من الرضاع، هذا مانع من النكاح لأنه لا يجوز له الزواج بمن كان محرم له. قال: ففهم هذا الموضع، ولنمثل لهذا الأصل بمثال يستدل به اللبيب على ما وراءه، فنقول: إن التوحيد مثمر لكل خير في الدنيا والآخرة، ودافع لكل شر فيهما، ولكن لا تحصل هذه الأمور إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه، يعني بوجود الشروط التي يصح بها التوحيد وانتفاء الموانع التي تمنع من ثبوت هذا التوحيد. قال: فأما شروطه فهي على القلب واللسان والجوارح. قال: أما الذي على اللسان فهو النطق بالتوحيد، وجميع أقوال الخير متممات له. وأما الذي على القلب فهي إقراره وتصديقه، ومحبته للتوحيد وأهله، وبغضه للشرك وأهله، ومعرفة القلب بمعناه، ويقينه به، يعني ما توفر شروط لا إله إلا الله. قال: وأما الذي على الجوارح فهو انقيادها للعمل بالتوحيد وأعماله الظاهرة والباطنة، هذه شروطه، يعني هذه شروط التوحيد التي لا يصح التوحيد إلا بها. فاللسان لابد فيه من النطق بالتوحيد، فكون العبد موحدا أو مسلما من غير النطق بالتوحيد لا يمكن ذلك، ولا يحكم له بالتوحيد حتى ينطق بالتوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله، لابد من النطق. فإذا لم ينطق فهو كافر، ليس بمسلم. ثم بعد ذلك ما كان سوى ذلك مما يتعلق بالنطق فهو من متممات التوحيد، سواء كان من واجبات أو مستحبات، يعني جميع الأقوال بعد النطق بالتوحيد متممات له، متممات له، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب. والإيمان كما هو عند أهل السنة والجماعة: نطق باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. قالوا: أما الذي على القلب فهي إقراره وتصديقه، ومحبته للتوحيد وأهله، وبغضه للشرك وأهله، ومعرفة القلب بمعناه، ويقينه به. لابد من إقرار القلب وتصديقه، لا في مجرد الإقرار بدون تصديق، بل لا بدون التصديق. والتصديق شيء زاد على الإقرار، يقول: لا إله إلا الله، وهو معتقد بذلك بقلبه أنه لا إله إلا الله، ولا إله يستحق العبادة إلا الله سبحانه وتعالى وحده، وإلا ما نفعه النطق. فالمنافقون نطقوا بالشهادة، شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، لكنهم ما أقروا بها في قلوبهم، وما صدقوا بها في قلوبهم، فما نفعتهم، كما قال الله سبحانه وتعالى عنهم: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾، كاذبون في ذلك، مع ذلك نطقوا بها، لكن لم يوجد في القلب الإيمان والإقرار والتصديق، فكانوا في حكم أهل الكفر، لكن في الظاهر يعاملون بمعاملة أهل الإسلام لإتيانهم بالنطق. إذا لابد من وجود التوحيد من إقرار وتصديق القلب، وهكذا أيضا لابد من محبته للتوحيد وأهله، يحب أهل التوحيد، ويحب كذلك التوحيد، وما يتعلق به من إفراد العبادة لله سبحانه وتعالى، وخلاص العبادة له. وهكذا بغضه للشرك وأهله، لابد من بغضه للشرك، وبغضه لأهل الشرك، وإلا لكان في توحيدي خلل، بل لا يتم التوحيد إلا بذلك. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني﴾، فإنه سيهدين، ﴿إنني براء مما تعبدون﴾، تبرأ من آلهتهم، تبرأ من آلهتهم وما يعبدون، وهذا ركن أساسي في التوحيد، ألا وهو النفي والإثبات، النفي والإثبات: ﴿إنني براء مما تعبدون﴾، الأول نفي، والثاني إثبات. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث طارق بن أشيم رضي الله تعالى عنه في مسلم: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه». انظروا جعل النبي صلى الله عليه وسلم التحريم، وكذلك جعل عصمة الدم والمال، ليس فقط بمجرد الإقرار بالتوحيد، بل لابد ماذا؟ من الكفر بكل ما يعبد من دون الله سبحانه وتعالى: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله». وعلى هذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾، وهي لا إله إلا الله. ومن يكفر بالطاغوت، لا بد من الكفر بالطواغيت. ومن يكفر بالطاغوت، هنا كل ما عبد من دون الله سبحانه وتعالى. إذن لا بد من بغض الشرك والكفر، وهكذا أيضا بعد ذلك التبرؤ من أهله. قال: ومعرفة القلب لمعناه، ويقينه به. لا بد من يقين القلب، لا بد من يقين القلب، يقول: لا إله إلا الله، موقنا بها، مستيقن، غير شاك، ولا متردد، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا﴾، أي لم يصيبهم الشك والريب. أما الذي يشك ويرتاب، فهذا ما تنفعه الشهادة، ما تنفعه، كحال أهل النفاق، ومن كان على شاكلتهم. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه دخل الجنة». يتفق عليه، وهكذا أيضا لابد من معرفة القلب لمعناه، لمعنى التوحيد. ما ينفعه يقول: لا إله إلا الله، وهو جاهل معناها: لا إله إلا الله، ثم يذبح لغير الله، ويستغيث بغير الله، ويدعو غير الله، ويخضع ويذل لغير الله، ويخاف ويرهب من غير الله، إلى آخر ذلك من صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، فهذا لا تنفعه هذه الكلمة، لابد من معرفة معناها. قالوا: أما الذي على الجوارح فهو انقيادها للعمل بالتوحيد وأعماله الظاهرة والباطنة، يعني لابد من عمل الجوارح في انقيادها للعمل بالتوحيد، بإفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة. فلا يكفي أن يقول: لا إله إلا الله، ثم يذبح لغير الله، والذبح عبادة، عمل. أو يسجد لغير الله، السجود عبادة. أو يدعو غير الله، أو غير ذلك من صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، فهذا مما ينافي التوحيد. وسواء كانت الأعمال الظاهرة أو باطنة، لا بد من أن يأتي بأعمال التوحيد الظاهرة والباطنة، الظاهرة كالسجود والركوع والذبح والدعاء والنذر إلى آخر ذلك، والباطنة كالخوف والرغبة والرهبة والخشوع والإنابة إلى آخر ذلك. قالوا: أما موانعه، مفسداته، فهي ضد هذه الشروط، أو ضد بعضها، يعني ما كان مضادا لشروط التوحيد فهو ماذا؟ فهو من موانعه ومفسداته. قال: وجماع الموانع أنها إما شرك، وإما بدعة، وإما معصية. فالشرك نوعان: أكبر وأصغر. فالشرك الأكبر يمنعه ويبطله بالكلية. والشرك الأصغر والبدعة وسائر المعاصي تنقصه بحسبها، ولا تزيله بالكلية. هذه هي موانع التوحيد: إما شرك، وإما بدعة، وإما معصية. فالشرك ينقسم إلى قسمين، وهو شرك أكبر، وشرك أصغر. الشرك الأكبر يمنعه ويبطله بالكلية. وضابط الشرك الأكبر هو كل ما جاء في الشرع إطلاق لفظ الشرك عليه، ودل الدليل على أنه يخرج من الملة، هذا من الشرك الأكبر، كالسجود لغير الله، والذبح لغير الله، واستغاثة بغير الله، يعني فيما لا يقضي عليه إلا الله. ومثله الدعاء، وهكذا أيضا كذلك ما كان بمثله من الشرك الأكبر، الحلف بغير الله مع التعظيم إلى آخره، فهذا يمنعه ويبطله بالكلية، يعني يزيل التوحيد بالكلية. الشرك الأكبر يزيل التوحيد بالكلية، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾، حرم الله عليه الجنة لأنه كافر، اسمه مسلم. وكما قال الله جل وعلا: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، لا يغفر الله أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك، أي ما دون الشرك، إذا مات الإنسان على الشرك فلا مغفرة له، ولو مات ولو مات على المعصية، والمعصية دون الشرك الأكبر، فهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. فالشرك الأكبر يبطله بالكلية: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿ولئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾، إذن إذا أجد التوحيد، قال مثلا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ويصلي لله، ويصوم، ويزكي، ويحج، لكنه يأتي إلى القبر الفلاني، ويطلب منه المدد والولد، ويستغيث به، ويدعوه، ويرجوه، ويخافه، إلى آخره، فهذا مانع من صحة التوحيد، فلا فائدة من توحيده، بل توحيده زائل وباطل، لوجود ماذا؟ لوجود هذا المانع، وهو الشرك الأكبر. قال: والشرك الأصغر والبدع وسائر المعاصي تنقصه بحسبها، ولا تزيله بالكلية. الشرك الأصغر: ما أطلق لفظ الشرك عليه، ودل الدليل على أنه لا يخرج من الملة، دل الدليل على أنه لا يخرج من الملة، فهو شرك أصغر. أو كل ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر، فهو من الشرك الأصغر، كالحلف بغير الله من غير تعظيم. ومثله شرك لفظي، كالتشريك في اللفظ: قول: الله لولا الله وفلان، ما شاء الله وشئت، وهكذا. ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر، فهذا ينقص التوحيد، ولا يزيله بالكلية، لكن صاحبه على خطر عظيم، صاحبه على خطر عظيم، لا يسلم من الوقوع في الشرك الأكبر. وشرك الأصغر هو أعظم الذنوب بعد الشرك الأكبر، وهو أكبر الكبائر، الشرك الأصغر أكبر الكبائر، أعظم من الزنا، شرب الخمر، قتل النفس، الشرك الأصغر أعظم، قاله. والبدعة بعدها، بعد الشرك، أعظم المعاصي، البدعة، والإحداث في دين الله سبحانه وتعالى، والتقرب إلى الله بطاعات وعبادات لم يشرعها الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال جل وعلا: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به﴾. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». والبدعة كذلك تنقسم إلى قسمين: بدعة مكفرة، وبدعة مفسقة. فالبدعة المكفرة هي في منزل الشرك الأكبر. والبدعة المفسقة هي دون ذلك، أي لا تخرج صاحبها من ملة الإسلام. البدعة المكفرة كبدعة الرافضة، والجهمية، يقول مثلا: القرآن ناقص، كما تقول الرافضة، وتكفير الصحابة، أو تفسيقهم، أو كذلك القول بخلق القرآن، أو آخر ذلك من البدعة المكفرة. والبدعة المفسقة، والبدعة المفسقة كفعل الموالد التي خلت من الشرك، إن خلت، إن خلت من الشرك، فيعتبر البدعة المفسقة. أو فعل كذلك بعض الأذكار التي تأخذ جماعة بعض الصلوات، ونحو ذلك من البدع. قال: وسائر المعاصي، يعني ما دون البدع والشرك من المعاصي، كغش أو خداع أو كذب إلى آخر ذلك، فهذه تنقص التوحيد، وتمنع من كمال التوحيد، تمنع من كمال التوحيد، ولكن لا تزيله بالكلية. قال: فإذا فهمت هذا، فهمت النصوص التي فيها أن من أتى بالتوحيد حصل له كذا، واندفع عنه كذا، إنه ليس مجرد القول، يعني في قول: أن يسألنا مثلا: من قال لا إله إلا الله، من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه دخل الجنة، ليس هذا على إطلاقه، خلاص من قال لا إله إلا الله، ويفعل ما شاء من الشرك والبدع، لا. من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبي دخل الجنة، إذا وجدت شروط، وانتفت الموانع، ترتب على ذلك هذا الجزاء. قال: إنه ليس مجرد القول، وكذلك النصوص التي فيها: من قال كذا، أو عمل كذا، إنما المراد به القول التام، والعمل التام، وهو الذي اجتمعت شروطه، وانتفت موانعه. إذا لابد من وجود الشروط، وانتفاء الموانع. قال: ومن أعظم شروط الأعمال كلها الإخلاص، وكونها على السنة، يعني كل عمل لا يصح ولا يتم إلا بوجود شروطه، وانتفاء موانعه. وكل عمل لا بد ماذا؟ لا بد أن يكون خالصا لله، ويكون ماذا؟ موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا، ولا يكون عمل صالحا حتى يكون خالصا لله، موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذا قال الله جل وعلا: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، أي مردود على صاحبه. فلا يكفي مجرد الإخلاص دون متابعة، ولا يكفي المتابعة دون إخلاص، بل لا بد من الإخلاص والمتابعة، الإخلاص لله، والمتابعة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وكذلك الوضوء لا يتم إلا باجتماع شروطه وفروضه، وانتفاء موانعه، وهي نواقضه، يعني نواقض الوضوء. فلا يتم الوضوء إلا باجتماع شروطه، إنسان توضأ وما غسل يده اليمنى، هل يصح وضوءه؟ الجواب: لا، لماذا؟ لانتفاء الشروط، من شرط الوضوء أن يغسل يده. وهكذا إذا وجد مانع، توضأ ثم أحدث، هل يصح وضوءه؟ الجواب: لا، لماذا؟ لوجود مانع، وهو الحدث. قال: وكذلك الصلاة لا تتم حتى توجد أركانها وشروطها، وتنتفي مبطلاتها، كما ذكرنا قبل. ومثل: إذا صلى، صلى ولم يطمئن في ركوعه وسجوده، هل يصح صلاته؟ الجواب: لا، لماذا؟ لانتفاء الشروط والأركان، من أركان الصلاة الطمأنينة، فإذا انتفت، انتفت العبادة. طيب صلى وهو ماذا؟ مطمئن، وجاء بجميع الأركان والشروط، ولكنه أحدث في صلاته، أو ضحك ضحكا، يعني كما يقال: قهقه، قهقه، وفي الصلاة ضحك، فصلاته هنا ماذا؟ باطلة. أو تكلم عمدا، فصلاته باطلة، لأنه أتى مبطل من مبطلات الصلاة. فلا تتم الصلاة إلا باجتماع الشروط، وانتفاء الموانع. قال: وكذا الزكاة والصيام والحج والعمرة وسائر الأعمال لا تتم إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع، أي لا تصح الزكاة إلا بوجود شروطها، بوجود شروطها: أن يكون مالكا للنصاب، وأن يحول عليه الحول، وهكذا أيضا أن يكون مسلما، وهكذا. والصيام كذلك لا يتم ويصح إلا بوجود الشروط، وانتفاء الموانع. وهكذا الحج والعمرة، وسائر العبادات والطاعات. قال: وكذلك الميراث لا يرث إلا شخص قام به شرط الإرث، وهو سببه، وانتفى عنه مانعه. قال: لا يرث إلا شخص قام به شرط الإرث، وهو سببه. وما هي أسباب الإرث؟ نعم: النسب، والنكاح، والولاء. وما موانعه؟ والرق، والقتل، واختلاف الدين، هذه موانع الإرث. وشروط الإرث وهو أسبابه: النكاح، والولاء، والنسب. إذن لا يتم الميراث إلا بوجود الشروط، وانتفاء الموانع، لابد من كون بين الوارث والموروث نسب أو نكاح أو ولاء. فإذا وجد ذلك، لابد من انتفاء الموانع، وهو الرق، أو القتل، أو اختلاف الدين. فإذا مات الشرط، وعنده أبناء، وهو كافر، هذا الأب كافر، وعنده أبناء مسلمون، هل يرثون من أبيهم؟ الآن وجد سبب الإرث، وهو النسب، ومع ذلك لم يتم الإرث، لماذا؟ لوجود مانع، وهو اختلاف الدين. إذا لا يتم الإرث إلا بوجود الشروط، وانتفاء الموانع، لا يرث المسلم والكافر، ولا الكافر المسلم. قال: وكذلك النكاح، وسائر العقود، لها شروط وموانع قد فصلت بكتب الأحكام، يعني كذلك لا يتم النكاح ويصح إلا بوجود شروطه، وانتفاء موانعه. ومن شروط النكاح: الولي، والرضا من الطرفين، والإعلان. فلا بد من وجود هذه الشروط، وانتفاء الموانع، كما قلنا، من الموانع: أن تكون ذا محرم، أو تكون في عدة، أو تكون حاملا، هذه تمنع من النكاح، تمنع من النكاح. فلا يجوز مثلا أن يقول: الشروط متوفرة، الولي موجود، والمرأة راضية، والمهر موجود، والإعلان سنعلن، وهذه المرأة في العدة، هل يصح النكاح هنا؟ الجواب: لا يصح، لماذا؟ لوجود مانع، وهو كون المرأة في عدتها. فلا بد أن تنتهي العدة، فلا يصح هذا النكاح هنا، ولو توفرت الشروط، لوجود المانع. ولا تعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله. قال: وليكن هذا الأصل على بالك، وحكمه في كل دقيق وجليل. قال: فللدعاء شروط وموانع، وللمحبة والحقوق والرجاء والتوبة شروط وموانع، وتفصيل ذلك يطول. والمراد من ذلك التنبيه على أن لكل عبادة شروط وموانع. ومنها الدعاء أيضا، الدعاء له شروط، وله كذلك موانع تمنع من قبول الدعاء. وهكذا أيضا المحبة والحقوق والرجاء والتوبة إلى آخر ذلك. قال: والله المستعان على القيام بشروط الأعمال، ودفع موانعها، إنه جواد كريم. وهنا ننبه على أن هناك فرق بين شروط الشيء، وشروط في الشيء. فشروط الشيء تكون من قبل الشرع. وأما شروط في الشيء فإنها تكون من قبل المتعاقدين. فشروط الشيء لا يجوز إسقاطها أو التنازل عنها. وأما شروط في الشيء فيجوز إسقاطها والتنازل عنها، يجوز إسقاطها والتنازل عنها. مثاله: شروط النكاح من شروط النكاح وهي شروط الشيء: الولي، والرضا من الطرفين، والإعلان، هذه من شروط النكاح، وهي معنى إيش؟ بمعنى شروط الشيء، من اشترط هذه الشروط؟ الشرع، الشرع وضع هذه الشروط، هل يمكن التنازل عن هذه الشروط؟ تقول المرأة: أنا راضية بدون ولي، ستزوجك بدون ولي، وتنازل عن هذا الشرط، أقول: لا، ليس هذا لك، هذه شروط من الشرع، لا يمكن إسقاطها، ولا التنازل عنها. بخلاف شروط في الشيء، فشروط في النكاح تكون من قبل المتعاقدين، هذه يجوز إسقاطها، مثلا تشترط المرأة أنها لا تخرج من بلدها، هذا شرط في النكاح، الشرط في النكاح، فالزوج عليها أن يلتزم بهذا الشرط، ثم بدا لها أن تتنازل عن هذا الشرط، هل لها ذلك؟ الجواب: نعم، لها أن تتنازل عن هذا الشرط، لماذا؟ لأن هذا الشرط هو ماذا؟ من وضعها، ليس من وضع الشرع، هذا الشرط من وضعها، فجاز لها أن تتنازل عنه. ومثل يقال في البيع وغيره، ففرق بين شروط الشيء، وبين شروط في الشيء. طيب لهنا والله تعالى أعلم.