الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 23، الدرس الثالث والعشرون:من(34ـ كذلك مَنْ وما تفيدان معا*كل العموم يا أخي فاسمعا...إشارة إلى قيامه بجميع وظائف العبودية ). ألقاها
شرح دلالة "من" و"ما" على العموم واستخداماتهما في القرآن الكريم. يُظهر كيف تُستخدم هاتان الأداتان في سياقات مختلفة لتعبر عن عموم أو استفهام.
المقطع يشرح دلالة "من" في القرآن والأحاديث، حيث تكون شرطية وتفيد العموم في بعض الآيات والأحاديث، وتكون استفهامية في آيات أخرى.
شرح دلالة "ما" في القرآن الكريم على العموم، وكذلك دلالة المفرد المضاف على العموم مثل "نعمة ربك" و"نعمة الله".
الكلمة المفردة إذا أضيفت فإنها تفيد العموم، مثل قوله تعالى ﴿يَا عِبَادِي﴾ التي تدخل فيها جميع العباد.
قال رحمه الله: كذلك «من» و«ما» تفيدان معًا كل العموم يا أخي، فاسمع. قال في الشرح: «من» و«ما» تفيدان العموم المستغرق لكل ما دخل عليه، يعني كذلك مما يفيد العموم «من» و«ما»، سواء كانت «من» شرطية أو استفهامية، فإنها تفيد العموم، وكذا أيضًا «ما» شرطية أو استفهامية أو موصولة، فإنها تفيد العموم. قال: مثال «من» قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، الآن «من» هنا ما هي؟ شرطية أو استفهامية أو موصولة؟ هنا موصولة، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي الذي في السماوات، والذي في الأرض، ففادت العموم، فكل من في السماوات ومن في الأرض فإنه يسجد لله سبحانه وتعالى. قال: قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، «من» عمل صالحًا، «من» اسم شرط جازم، و«صالحًا» نكرة في سياق الشرط، نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، والمراد هنا هو إفادة «من» العموم، «من» عمل يدخل فيه كل من عمل صالحًا من ذكر وأنثى، كبير صغير، فإنه داخل في هذه الآية. وهكذا قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، فأفادت العموم، فكل من خاف مقام الله سبحانه وتعالى فله جنتان. قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، هنا «من» ماذا؟ الشرطية، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، كل من يتقي الله فهو داخل في هذه الآية، من اتقى الله سبحانه وتعالى جعل الله له مخرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب، وهكذا «من» يتوكل، كل من يتوكل على الله فهو الله حسبه وكافيه. قال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، هنا «من» ماذا؟ استفهامية، وهي كذلك أيضًا تفيد العموم، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، فلا أحد أصدق من الله سبحانه وتعالى حديثًا، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾، «من» هنا شرطية، فكل من يدعو مع الله إلها آخر فإنه لا برهان له بدعائه لهذا الإله، وقوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ هذه يسميها العلماء صفة كاشفة لا مفهوم لها، صفة كاشفة لا مفهوم لها، وإنما يؤتى بها للتعليل أو التبيين، أن كل من دعا غير الله فإنه لا برهان له في دعائه ولا حجة له في ذلك. قال: ﴿وَمَنْ يَطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ الآية، هنا «من» شرطية، فكل من يطع الله والرسول فهو داخل في هذه الآية، فهو مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين. قال: ﴿وَمَنْ يَطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّى يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، «من» يطع الله ورسوله يدخله، كذلك، كذلك، هنا «من» شرطية تفيد العموم، فكل من يطيع الله ورسوله فإن الله سبحانه وتعالى يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، وهكذا «من» يتولى يعذبه عذابًا أليما، هنا «من» كذلك شرطية، فالذي يتولى عن طاعة الله وطاعة رسوله فإن جزاءه أن يعذبه الله جل وعلا عذابًا أليما. قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، هنا «من» ماذا؟ استفهامية، هنا «من» استفهامية، وهكذا ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، كذلك استفهامية، فكل من يرغب عن ملة إبراهيم فهو قد سفه نفسه وأضاع نفسه. قال: إلى غير ذلك من الآيات، وكذلك الأحاديث، قوله صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟» والحديث في الصحيح يروى به أبو هريرة، الشاهد به قوله: «فيقول: من ذا الذي يدعوني»، «من» هنا ماذا؟ ها استفهامية، استفهامية شرطية، «من» ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ «من» ذا الذي يسألني فأعطيه؟ فهنا كذلك تفيد العموم، فكل من يدعو الله سبحانه وتعالى في ذلك الوقت أو الثلث الآخر من الليل فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب له. قال: ولا حديث التي فيها «من قال كذا» أو «من فعل كذا» فله كذا، يعم كل من قال أو فعل ذلك، يعني كذلك استفاد منها العموم، يعني مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، كتبت له مئة حسنة، وحطت عنه مئة خطيئة، وكان كمن أعتق عشرة أنفس مولد إسماعيل»، إذا قال مئة مرة، وكانت له حرزًا من الشيطان في يومه ذلك حتى يمسي، فيشمل كل من قال ذلك، وهكذا أيضًا «من فعل كذا» وكذا مما ورد به في الأحاديث، فيشمل كل فعل، كل قال. قال: ومثال «ما» قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، قال: قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، لله ما في السماوات وما في الأرض، أي الذي في السماوات والذي في الأرض، ف«ما» هنا موصولة أفادت العموم، فكل ما في السماوات وما في الأرض لله سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَمَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾، هنا كذلك «ما» موصولة، أي الذي تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلم الله سبحانه وتعالى، ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، يشمل كل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، فينبغي علينا أن نأخذه، وكل ما نهى عنه فينبغي علينا أن نجتنبه، و«ما» هنا موصولة. قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ﴾، ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، «ما» هنا نافية، وكذلك أفادت العموم، فهي عامة لكل إنسان، أنه لا يكون في شأن أو في حال من الأحوال إلا والله سبحانه وتعالى يعلمه وشاهد عليه، وهكذا أيضًا لا يغفل ربنا جل وعلا ولا يسهو عن مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. قال: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، «ما» هنا نافية، وهذا نفي أن يكون لله سبحانه وتعالى شريك أو يكون له ظهير ومعين. قال: فتأمل هذه الآيات وما في معناها، ينفتح لك باب عظيم من أبواب فهم النصوص. فالخلاصة أن «من» و«ما» تفيدان كذلك العموم. قال: ومثله المفرد إذا أضيف، ففهمه ذي ترشد ما يضاف إليه. قال: في الشرع، يعني أن المفرد المضاف يعم عموم الجمع ويستغرق جميع المعنى، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، يعم كل نعمة دينية أو دنيوية، يعني قوله: «أما بنعمة ربك»، النعمة مفرد، نعمة مفرد، فلما أضيفت أفادت العموم، «أما بنعمة ربك» أي بنعم ربك، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾، نعمة مفرد، فلما أضيفت أفادت العموم، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أي نعم الله، فلما أضيف هذا المفرد أفاد العموم. قال: الكلمة المفردة إذا أضيفت فإنها تفيد العموم، قال: يعم كل نعمة دينية أو دنيوية، وقوله: ﴿يَا عِبَادِي﴾ وهو كثير في الكتاب والسنة، يدخل فيه جميع العباد، «عباد» كذلك، الجمع إذا أضيف فإنه يفيد العموم، قول الله جل وعلا: ﴿يَا عِبَادِي﴾ أفاد العموم، فيدخل فيه جميع العباد، قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾، إشارة إلى قيامه بجميع وظائف العبودية، يعني لما ذكر لفظة العبودية مضافًا، «أسرى بعبده»، «نزل الفرقان على عبده»، دل على قيامه بجميع وظائف العبودية من الذل والخضوع والانقياد، وكذلك القيام بالطاعة والعبادة إلى آخر ذلك، فأفادت معنى العموم، فالمفرد إذا أضيف فإنه يفيد العموم.