شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 7

الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 7، الدرس السابع:من(فإن تزاحم عدد المصالح يقدم الأعلى من المصالح ... فهذه الأسباب تصير العمل المفضول أفضل من الفاضل بسبب اقترانها بها ) ألقاها

تقديم المصلحة الأعلى عند تزاحم المصالح

يتم تقديم المصلحة الأعلى عند تزاحم المصالح، حيث يُقدم الواجب على السنة وأوجب الواجبات على غيره. يتم ذلك وفق معايير محددة ترتب الأعمال حسب أولويتها.

ترتيب الأعمال الصالحة وتقديم الأفضل

يُناقش ترتيب الأعمال الصالحة وتقديم الأفضل منها عند تعدد الخيارات، مثل تقديم النفقة على الأقرب وتقديم العتق على الأغلى. يتم التركيز على الأعمال ذات النفع المتعدي.

تفضيل العمل المفضول على الفاضل في بعض الحالات

يُوضح كيف يمكن أن يكون العمل المفضول أفضل من الفاضل في بعض المواضع، مثل بعد الصلاة حيث يكون التسبيح أفضل من قراءة القرآن. يتم ذلك لدفع مفسدة أو تحقيق مصلحة معينة.

التفريغ النصي الكامل

قال رحمه الله: فإن تزاحمت مصالح العبد، يُقدم الأعلى منها. هذه القاعدة: إذا اجتمعت مصلحتان، قدّم أعلاهما. قال رحمه الله في الشرح: إذا دار الأمر بين فعل إحدى المصلحتين وتفويت الأخرى، بحيث لا يمكن الجمع بينهما، روعي أكبر المصلحتين وأعلاهما، ففعلت. وهذه المراعاة تكون على حسب مواقع ذلك. قال: هذا إذا لا يمكن اجتماع كلا المصلحتين، كما قال رحمه الله: "بحيث لا يمكن الجمع بينهما"، أي: لا يمكن الجمع بين المصلحتين، لابد من تقديم إحداهما. وهنا نقدم الأعلى، نقدم المصلحة الأعلى. قال: فإن كانت إحدى المصلحتين واجبة، والأخرى سنة، قدم الواجب على السنة. عندنا مصلحتان: إحداهما واجبة، والأخرى سنة مستحبة، ولا يمكن فعلهما معًا، نقدم ماذا؟ نقدم الأعلى. والواجب أعلى من المستحب، الواجب إذن نقدم الواجب. قالوا: هذا مثل إذا قُيمت الصلاة الفريضة، لم يجز ابتداء التطوع. وكذلك لا يجوز نفل الصيام والحج والعمرة إذا كان عليه فرض. بل يقدم الفرض. إذا قُيمت الصلاة الفريضة، لم يجز ابتداء التطوع. إذا قُيمت الصلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا صلاة إلا المكتوبة». كما في الصحيحين. إذا قُيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة. وهذا دليل من أدلة هذه القاعدة: أنه يقدم عند اجتماع مصلحتين أعلى منهما. فإذا قُيمت الفريضة، لم يجز للإنسان أن يبتدئ النافلة. وقوله: "لم يجز ابتداء التطوع" يدل على أنه لو كان قد ابتدأها قبل الفريضة، فلا بأس أن يكملها، خاصة إذا كان يعلم أنه سيدرك القيام مع الإمام وركعة مع الإمام، فلا بأس أن يكملها. ومن ذا كانت تكفيه، فالأفضل أن يقطعها ويدخل مع الإمام، فيجزئه الركعة الأولى، فيقطع هذه النافلة. قال: وكذا إذا ضاق الوقت بين فعل الفريضة وبين التنفل، فيقدم الفريضة. إنسان نسي مثلًا الصلاة حتى بقي من وقتها عشر دقائق، وهو يتنفل في هذا الوقت، لا يصل للفريضة، الوقت ضيق، فيقدم الأعلى وهو الفريضة. وكذلك لا يجوز نفل الصيام والحج والعمرة إذا كان عليه فرض قبل أن يتنفل بالصيام. يعتدّ بالفريضة، يقدم الأعلى وهو الفريضة. مثلًا: أراد أن يصوم من شوال، وعليه قضاء من رمضان، هل يجوز أن يقدم صيام شوال على رمضان؟ في خلاف بين العلماء، والمؤلف رحمه الله يذهب إلى المنع، لأنه لا يجوز أن يقدم النفل على الفرض. لكن الصواب أنه يجوز، لكن الأفضل أن يقدم القضاء، يقضي ثم بعد ذلك يصوم النفل، هذا هو الأفضل. لأن القضاء واسع، وقته واسع، ليس ضيقًا. ووقت النافلة هذا وقت ضيق ومحدود، فالأفضل أن يقدم القضاء، ثم يصوم. فإن لم يمكن، فلا بأس أن يقدم هذا النفل إذا كان لا يمكن إدراك وقته، كأن تكون مثلًا امرأة عليها قضاء في رمضان، ثم في شوال أرادت أن تصوم ستة من شوال، فخشيت إن قضت رمضان أن يخرج عليها شوال، فلا بأس أن تصوم الست من شوال، ثم تصوم القضاء. والحج والعمرة كذلك، لا يجوز أن يحج أو يعتمر نفلًا ولم يأتِ بالفريضة، لم يأتِ بالفريضة. بل يجب أن يقدم الفريضة. قال: وإن كانت المصلحتان واجبتين، قدم أوجبهما. فيقدم صلاة الفرض على صلاة النذر. عندنا مصلحتان واجبتان: صلاة الفرض وصلاة نذر. الفرض معروف: الصلوات الخمس، والنذر كأن يكون أذن له أن يصلي لله سبحانه وتعالى أربع ركعات في وقت معين، كان هذا الوقت مثلًا وقت فريضة، أيهما يقدم؟ يقدم الأوجب، وهو الفريضة. قالوا: مثل النفقة اللازمة للزوجات والأقارب والمماليك، تقدم الزوجات، ثم المماليك، ثم الأولاد، ثم الأقرب فالأقرب. كذا صدقة الفطر. يعني: كذلك في النفقة اللازمة، يقدم الأولى والأوجب، الأوجب الذي له النفقة، فيقدم مثلًا الزوجة على المماليك، ثم الأولاد. هنا قال: "ثم المماليك ثم الأولاد". وجاء بعض الأحاديث، وهو يرى عند أبي داود والنسائي تقديم الولد على المملوك، والولد أولى بالنفقة، والله أعلم، من المماليك. تكون الزوجات، ثم الأولاد، ثم المماليك، يعني من يملكهم، سواء كانوا رقيقًا أو بهائم، ثم الأقرب فالأقرب، يعني من أقاربه. قال: كذا صدقة الفطر، يعني: كذلك في إخراج صدقة الفطر، يقدم الأعلى. قال: وإن كانت المصلحتان مسنونتين، قدم أفضلهما. فتقدم الراتبة على السنة، والسنة على النفل المطلق. الراتبة مثل سنن الصلوات: سنن الرواتب: ركعتان قبل الفجر، ركعتان بعد الظهر، ركعتان قبل الظهر، وأربع قبل العصر، وركعتين بعد المغرب، وأربع بعد العشاء. هذه تقدم على السنة، يعني غير الراتبة، غير الراتبة، بسنة الوضوء ونحوها من السنة غير الراتبة. فإذا اجتمعت وأراد تقديم إحداهما، يقدم الراتبة. وهكذا تقدم السنة على النفل المطلق، تقدم السنة على النفل المطلق، يعني جاز المقيد، نفل مطلق، تنفل لله سبحانه وتعالى بركعتين، أيهما أولى؟ السنة، السنة يقدم على النفل المطلق. قال: ويقدم ما فيه نفع متعدٍ كالتعليم وعيادة المريض واتباع الجنائز ونحوها، على ما نفعه خاص كالصلاة النافلة والذكر ونحوها. يقول رحمه الله: يقدم ما فيه نفع متعدٍ كالتعليم، تعليم العلم، نفعه متعدٍ. فإذا اجتمعت عنده الآن مصلحتان: أراد مثلًا أن يصلي ويتنفل لله سبحانه وتعالى، وأراد أن يعلم، وما استطاع أن يجمع بينهما، هنا يقدم ماذا؟ يقدم تعليم العلم. لماذا؟ لأن مصلحته متعدية، ينتفع به الناس، بخلاف صلاة النافلة، نفعها قاصر عليه، هو الذي ينتفع بذلك، ولله. لكن هذا كما سمعنا عند ماذا؟ عند عدم إمكان الجمع بينهما. وأما إذا أمكن، فهو الأفضل والأكمل، يجمع بين العبادة وبين العلم. لكن عند عدم الإمكان، فيقدم العلم. وهذا معنى كلام أهل العلم في تقديم العلم على العبادة وعلى الصلاة، فالمراد عند عدم ماذا؟ إمكان الجمع بينهما، فيقدم العلم؛ لأنه نفعه متعدٍ. وهكذا عيادة المريض: أراد أن يصلي، وفي هذا الوقت يعني تيسر له عيادة المريض، فيقدم عيادة المريض؛ لأن نفعه متعدٍ. وهكذا اتباع الجنازة: جاء في وقت صلاة مثلًا النفل، جنازة، فيقدم الجنازة. وهكذا، فهو يقدم الصدق والبر للقريب على غيره. عنده صدقة يريد أن يتصدق بها، وعنده إنسان غريب وإنسان قريب، أيهما يقدم؟ يقدم القريب، يقدم القريب. فالصدقة على القريب صدقة وصلة، كما قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «إن أعتق أمة لها، أما إنك لو أعطيتها أخوالك، لكان أعظم لأجرك». كما في الصحيحين، يدل ذلك على أن النفقة على القريب أفضل. قال: ويقدم من عتق الرقاب أغلاها وأنفسها. كما جاء عن أبي ذر في الصحيحين، قال: يا رسول الله، أي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها». عنده رقبتان يريد أن يعتق إحداهما، فيقدم الأفضل، وهي الأغلى والأنفس. قال: ولكن هنا أمر ينبغي التنبه له، وهو أنه قد يعرض للعمل المقبول من العوارض ما يكون به أفضل من الفاضل، بسبب اقتران ما يوجب التفضيل. يقول رحمه الله: قد يعرض للعمل المقبول من العوارض ما يكون به أفضل من الفاضل، يكون هذا المقبول أفضل من الفاضل. هناك أسباب تجعل العمل المقبول مقدمًا على الفاضل. قال: والأسباب الموجبة للتفضيل أشياء، منها: أن يكون العمل المقبول مأمورًا به بخصوص هذا الموطن، كالأذكار في الصلاة وأوقاتها والأذكار بعدها. الأذكار الموظفة بأوقاتها تكون أفضل من القراءة في هذه المواطن. المواطن: إنسان مثلًا في الركوع، أراد أن يقرأ قرآن، أيهما أفضل؟ قراءة القرآن، لكن في موضع الركوع، في موضع الركوع، أيهما أفضل؟ التسبيح أو قراءة القرآن؟ الشيخ يقول: التسبيح. لماذا؟ لأن هذا ذكر خاص في هذا الموضع، فهو أولى ومقدم، فكان هذا المفضول أعظم وأحسن من الفاضل. وهكذا بقية أذكار الصلوات. وهكذا أيضًا بعد الصلاة، إذا فرغ من الصلاة، أيهما أفضل؟ يقرأ قرآن أو يسبح ويأتي بأذكار الصلاة؟ الأفضل يأتي بأذكار الصلاة، مع أن قراءة القرآن أفضل، لكن في هذا الوقت الأذكار أفضل؛ لأنه مخصوص به في هذا الموطن، فيقدم. ولمن قيم رحمه الله كلامًا مفيدًا في هذا في كتابه "الوابل الصيب". قالوا: من أسباب الموجبة للتفضيل أن يكون العمل المفضول مجتمِعًا على مصلحة لا تكون في الفاضل، كحصول تأليف به، أو نفع متعدٍ لا يحصل بالفاضل، أو يكون في العمل المفضول دفع مفسدة يظن حصولها في الفاضل. يقول: من أسباب الموجبة للتفضيل أن يكون العمل المفضول مجتمِعًا على مصلحة لا تكون في الفاضل، كحصول تأليف به. كحصول تأليف به، فيكون هذا المفضول مقدمًا على هذا الفاضل، ولو كان مفضولًا. مثل مثلًا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة حنين بعد الغزوة، حين قسم الغنائم، أعطى عليه الصلاة والسلام لكبار العرب كثيرًا من الغنيمة، منهم من أعطاه مئة من الإبل، منهم من أعطاه مئتين، أعطى صفوان مثلًا مئة أو مئتين، وأعطى أبا سفيان بن حرب مئة من الإبل. فبعض الصحابة غضبوا في أنفسهم، مع أن أيهما أولى بهذه الغنيمة؟ هم أصحابه الذين أسلموا قبل وهجروا معه. لكن أراد النبي عليه الصلاة والسلام في إعطاء هؤلاء، وإن كانوا من المفضولين، التأليف، حصول التأليف لهم والترغيب لهم في الإسلام، فكان تقديم هذا المفضول على الفاضل لأجل التأليف. ومثل مثلًا أيضًا أن من المعلوم أن المستحب في القراءة في الصلاة هو الإسرار بالبسملة، الإسرار بالبسملة. ولو أنه مثلًا في مسجد من المساجد، مثلًا كان من عادتهم الجهر بالبسملة، ثم صار مثلًا هذا المسجد أهل السنة يريد الإمام أن يجهر بالحمد لله رب العالمين ويسوي بالبسملة، ولكن في فعل هذا الفعل مفسدة عظيمة، مثلًا حصول فتنة أو نحو ذلك. وهنا قد يكون ماذا؟ القول بالجهر أو لا؟ حتى يحصل التأليف، هذا على القول بماذا؟ بمشروعية الجهر بالبسملة. على القول بمشروعية الجهر بالبسملة، فنقول: وإن كان الأفضل والأكمل هو الإسرار بها، فلا بأس بالجهر لقصد التأليف، فيكون هذا المفضول مقدمًا على الفاضل. قال: أو نفع متعدٍ لا يحصل بالفاضل. وهذا قد مر الكلام عليه. أو يكون في العمل المفضول دفع مفسدة يظن حصولها في الفاضل. يعني مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين ترك هدم الكعبة، مع أن هدمها وبناءها على قواعد إسماعيل هذا عمل فاضل، تركه النبي عليه الصلاة والسلام وأبقاها على ما هي عليه، وهو عمل مفضول، لخشية حصول مفسدة، خشية حصول مفسدة، ترك ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فكان هذا العمل المفضول مقدمًا على الفاضل. قالوا: من أسباب الموجبة للتفضيل أن يكون العمل المفضول أزيد مصلحة للقلب من الفاضل. كما قال الإمام أحمد رحمه الله: لما سئل عن بعض الأعمال، انظر إلى ما هو أصلح لقلبك فافعله. يعني: أن يكون العمل مفضولًا أزيد مصلحة للقلب من الفاضل. مثلًا: قراءة القرآن عمل فاضل، والذكر مفضول، لكن يجد الإنسان في نفسه أن الذكر في هذا الموضع له أنفع لقلبه، فيكون ماذا؟ مقدمًا. ينظر ما هو الأصح له والأنفع له، فيكون هذا المفضول أفضل من الفاضل. قال: فهذه الأسباب تصير العمل المفضول أفضل من الفاضل بسبب اقترانها بها.

شاركنا على