الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 8، الدرس الثامن:من:(وضده تزاحم المفاسد*يرتكب الأدنى من المفاسد ... تستدعي بسطاً كثيراً لا يمكنني ضبطها ). ألقاها
يتناول المقطع الأول قاعدة تزاحم المفاسد وترتيبها، حيث يشرح ضرورة ارتكاب المفسدة الأدنى إذا تعذر تجنب جميع المفاسد، مستدلاً على ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
إذا تعارضت مفسدتان، يُرتكب أخف الضررين لدفع أعظمهما، مثل تقديم العشاء على الصلاة إذا كان وقت العشاء قريباً لتجنب الصلاة بقلب غافل، مما يدل على أن الشريعة تهدف لتحقيق المصالح وتقليل المفاسد.
عند اجتماع مفسدتين، يُرتكب الأخف منهما، سواء كانتا محرمتين أو مكروهتين، مع تقديم المحرم على المكروه عند التعارض، ويُقدم الأخف تحريماً إذا كانتا محرمتين والأخف كراهة إذا كانتا مكروهتين.
قال وضده تزاحم المفاسد، يرتكب الأدنى من المفاسد، أي ضد اجتماع المصالح، تزاحم المفاسد، فمرة معنا أنه إذا اجتمعت مصلحتان فيقدم أعلاهما، وهنا إذا اجتمعت مفسدتان فيرتكب أدنىهما، في المصالح يرتكب الأعلى، وفي المفاسد يرتكب الأدنى. وأسدل العلماء على هذه القاعدة بقول الله جل وعلا: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾، فالله جل وعلا أمر بقتال المشركين مع أن القتال فيه مفسدة من تعريض النفس للهلاك، وهذه مفسدة، لكن لما كانت في مقابل هذه المفسدة مفسدة أعظم، وهو بقاء الكفر وانتشار الكفر، كانت هذه المفسدة أخف، وهي قتل النفس وتعريض النفس للهلاك والقتل. وهكذا قول النبي عليه الصلاة والسلام في عائشة في الصحيحين: «إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابتدئوا بالعشاء»، قول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء عند الإمام أحمد من حديث زيد بن أرقم: «إذا جاء أحدكم الصلاة وأراد الخلاء فليبدأ بالخلاء». حديث زيد بن أرقم: «إذا جاء أحدكم إلى الصلاة وأراد الخلاء فليبدأ بالخلاء»، الآن هو بين مفسدتين، إما أن يذهب يصلي وبطنه تؤذيه يريد الحمام، فيصلي وهو نشوان، فتفسد صلاته، وإما يذهب إلى الخلاء ويضيع الصلاة في الجماعة، فأيهما يقدم هنا؟ أكبرهما، النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقدم الخلاء، يذهب ويقضي حاجته، ثم بعد ذلك يصلي، إن أدرك الجماعة فالحمد لله، وإلا يصلي منفردا، لأن المقصود من الصلاة هو الخشوع، والذي يصلي وهو يدافع الأخبثين فإن خشوعه يضعف، ورغم طول الصلاة هو مشغول بمدافعة الأخبثين، فلهذا كانت هذه المفسدة أكبر. وفي حديث عائشة: «إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعشاء»، فهو نعم، فهو بين مفسدتين، إما أن يصلي وهو يفكر في الطعام، خاصة إذا كان الطعام طيبا، كاللحم مثلا، فيصلي ونفسه في الصحون، وإما أنه يقدم الطعام يأكل، وبعد ذلك يصلي بحضور القلب، هذا هو الأفضل، فلهذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، فقال: «فابدؤوا بالعشاء»، ولو ترك الجماعة، نعم، ولو ترك الجماعة، ولو ترك الجماعة، لكن لا يجعل ذلك دائما، أحيانا يعني يحصل للإنسان جاء وقت العشاء مع وقت الصلاة، وهو يريد العشاء، لا بأس أن يتعشى، فإن أدرك الصلاة الحمد لله، لن يجري الصلاة وحده، لكن لا يجعله دائما يتعمد إذا قرب وقت الصلاء، قال: هذا العشاء إذا حضر العشاء فابدؤوا بالعشاء، لا، هذا ما يجوز، هذا التحايل، هذا التحايل لا يجوز، ترك الجماعة، لكن إذا كان من غير تعمد فلا بأس. قال رحمه الله في الشرح: المفاسد إما محرمات أو مكروهات، كما أن المصالح إما واجبات أو مستحبات، فإذا تزاحمت المفاسد بأن اضطر الإنسان إلى فعل إحداها، فالواجب ألا يرتكب المفسدة الكبرى، بل يفعل الصغرى، ارتكابا لأهون الشرين لدفع أعظمهما، لأن المفاسد المقصود هو دفعها وإبعادها، والشريعة كما علمنا أنها جاءت لتحقيق المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، فإن لم يمكن إزالة المفسدة بالكلية، ارتكب أخف المفسدتين، ارتكب أخف المفسدتين. فإذا كان عندنا مفسدتان صغرى وكبرى، ترتكب الصغرى، ترتكب الصغرى، كما سمعنا في حديث عائشة وحديث زيد بن أرقم، فترك الصلاة في الجماعة مفسدة، والدخول في الصلاة مع حضور الطعام مفسدة، فارتكب أخف المفسدتين، وهو تقديم الطعام حتى يصلي بعد ذلك خشوعا وحضور قلب، وهذا هو مقصود الصلاة، وهو لب الصلاة، فقدم أو ارتكب أهون الشرين. قال: فإن كانت إحدى المفسدتين حراما والأخرى مكروهة، قدم المكروه على الحرام، فيقدم الأكل من المشتبه على الحرام الخالص، يقدم الأكل من المشتبه على الحرام الخالص، يعني إذا احتاج أو اضطر إنسان إلى أكل من طعام، وهذا الطعام أحدهما حرام خالص، يعني لا شك فيه أنه حرام، مثل ذبيحة ملحد أو وثني، أو كذلك أيضا ميتة مثلا يعلم أنها ميتة يقينا، أو كان مما يحرم أكله، يعني من الحيوانات التي تحرم أكلها، فهذا حرام خالص، وعنده شيء مشتبه فيه شبهة، مثل اللحم المستورد من الخارج، هذا أقل أحواله أنه شبهة، أقل أحوال أنه شبهة، فأيهما يقدم؟ يقدم المشتبه، يعني يأكل من هذا المشتبه، لأن الأكل من حرام خالص مفسدة عظمى كبرى، فيقدم الأخف، الأخف، أن يأكل من هذا المشتبه، واضح. قال: وكذلك يقدم سائر المكروهات على المحرمات، يعني عند اجتماع مفسدتين إحداهما مكروهة والأخرى محرمة، فيقدم المكروهة، يقدم المكروهة على المحرمة. قال: وإن كانت المفسدتان حرامين، قدم أخفهما تحريما، يعني كلاهما حرام، كلا المفسدتين حرام، فيقدم الأخف، مثل سفر المرأة بلا محرم، حرام، لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس، وغيره، نعم، لابن عباس، وأبي هريرة، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، طيب، إذا أرادت المرأة أن تهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وليس معها محرم، كيف تفعل؟ هل تبقى في بلد الكفر ولا تهاجر، بعدم وجود المحرم، أو أنها تهاجر بلا محرم؟ هنا ترتكب أخف المفسدتين، وهو الهجرة بلا محرم، تهاجر ولو بلا محرم، لأن بقاؤها في بلاد الكفر مفسدته أعظم، ترتكب أخف الضررين، ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ الآية، والتي هاجرن إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعضهن هاجر بلا محرم، وأقر الشرع ذلك منهن، لأن ذلك ضرورة، والضرورات تبيح المخالفات. قال: وكذا إذا كانتا مكروهتين، قدم أهونهما، يعني إذا كان كلا المفسدتين مكروهة، فيقدم الأخف، يقدم الأخف. قال: ومراتب المحرمات والمكروهات في الصغر والكبر تستدعي بسطا كثيرا، لا يمكنني ضبطها، يعني يقول رحمه الله: أنها تحتاج إلى شيء من التدقيق في الأدلة والنظر في المحرمات والمكروهات، إما يطول ذكره في مثل هذا المقام. فالحاصل أنه إذا اجتمعت مفسدتان، فيرتكب الأخف، يرتكب الأخف من المفسدتين.