شرح قرة عيون الموحدين 82

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 82، ألقاها

مقدمة في شرح أسماء الله الحسنى

يناقش شرح حديث أسماء الله الحسنى وعددها، ويبين أن أسماء الله ليست محصورة في التسعة والتسعين. يستدل بحديث عبد الله بن مسعود وأدلة من القرآن والسنة.

تحذير من الإلحاد في أسماء الله وصفاته

يشرح معنى الإلحاد في أسماء الله وصفاته، ويبين أنه يعني الميل عن الحق في فهمها. يستدل بآيات القرآن وأقوال السلف، ويوضح منهج أهل السنة في إثبات الصفات.

أقسام أسماء الله الحسنى ودلالتها

يناقش أقسام أسماء الله الحسنى ودلالتها على كمال الله، ويشرح معاني هذه الأقسام مثل الصفات المعنوية والأفعال والتنزيه المحض.

استنباط الأحكام الشرعية من أسماء الله

يُظهر كيف يمكن استنباط أحكام شرعية من أسماء الله الحسنى، ويبين أهمية فهمها في استنباط الأحكام عند أولي الألباب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، عليهم رحمة الله تعالى جميعًا: قال: «باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلى آخر الآية». قال الشارح رحمه الله تعالى: أراد رحمه الله تعالى بهذه الترجمة الرد على من يتوسل بذوات الأموات، وأن المشروع هو التوسل بالأسماء والصفات والأعمال الصالحة، ومنه نعلم مناسبة ذكر الشيخ رحمه الله تعالى والإمام محمد بن عبد الوهاب لهذا الباب في كتاب التوحيد، وهو أن الشيخ رحمه الله تعالى بوَّب بهذا الباب وترجم عليه بهذه الآية؛ ليبين أن التوسل المشروع إنما يكون بأسماء الله جل وعلا وصفاته، وبالأعمال الصالحة، وبما أذن به ربنا جل وعلا، وليس من التوسل المشروع التوسل بذوات الأموات أو ما شابه ذلك، بل هذا من التوسل الممنوع. قال رحمه الله تعالى: قال: «وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة" قال: "وهو وتر يحب الوتر" أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان -أي اتفقا في إخراج هذا الحديث الذي مخرجه سفيان- رحمه الله. قال: وأخرجه الترمذي في جامعه عن الجوزجاني، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن شعيب بسنده مثله، وزاد بعد قوله: "يحب الوتر" «هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الوكيل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواحد الأحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول والآخر الظاهر والباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المعطي المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور». ومعنى هذا أن حديث الصحيحين جاء فيه: "إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" ولم يأت فيها تعداد أسماء الله جل وعلا، وإنما جاء ذكر الأسماء في حديث رواه الإمام الترمذي رحمه الله، وبعد أن رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى قال: ثم قال الترمذي: "ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث"، وهذا القول من الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في إشارة إلى أن أكثر الرواة والحفاظ لا يذكرون هذه الأسماء وهذه الزيادة، فتكون هذه الزيادة غير محفوظة. قال رحمه الله: والذي عند بعض الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج، هذا ما ذكره العماد بن كثير في تفسيره، ثم قال: يعني أن ابن كثير -بل وغيره- بل نقل الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى اتفاق الحفاظ على أن تعداد أسماء الله جل وعلا في الحديث المروي الذي رواه الترمذي رحمه الله تعالى أنه خطأ وغلط، وأنه مدرج، وأنه ليس من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من بعض الرواة، وبالأخص من جهة الوليد بن مسلم عن بعض مشائخه الشاميين. فالحاصل من هذا أن الحديث الذي فيه ذكر هذه الأسماء ليس من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو مدرج من قول بعض الرواة، هذا أمر، والأمر الثاني سأتي التنبيه عليه. قال: «وليعلم أن أسماء الله ليست منحصرة في تسعة وتسعين؛ بدليل ما رواه أحمد عن يزيد بن هارون، عن فضيل بن مرزوق، عن أبي سلمة الجُهني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وذهاب حزني، وجلاء همي وغمي؛ إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانًا فرحًا" فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ فقال: "بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها"». وقد أخرجه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، والحديث صحيح، حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه صحيح، وصححه جماعة من أهل العلم، ومن هؤلاء العلماء العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في "الصحيحة" وغيرها. والشاهد من الحديث أن أسماء الله جل وعلا ليست منحصرة في التسعة والتسعين اسمًا؛ بل هي أكثر من ذلك، كما في حديث عبد الله بن مسعود الذي بين أيدينا، وفي قوله: «أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» ومعنى هذا أن من أسماء الله جل وعلا ما لا يعلمها إلا الله جل وعلا. قال: وهذا -إلى جانب ما ذكر في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه- كذلك الشاهد الواقع يؤكد هذا؛ فأسماء الله جل وعلا في كتاب الله جل وعلا، ووفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم تبلغ أكثر من تسعين وتسعين اسمًا، أسماء الله جل وعلا في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك، وهذا يؤيد حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. والأمر الثالث: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة السابق: "إن لله تسعة وتسعين اسما" ليس معناه حصر أسماء الله جل وعلا بهذا العدد، وإنما فيه إخبار أن من أسماء الله جل وعلا تسعة وتسعين اسمًا؛ من أحصاها دخل الجنة، أن من أحصى هذه الأسماء التسعة والتسعين ناله أجر عظيم، وهو أن الله جل وعلا يدخله الجنة، وليس معناه حصر أسماء الله جل وعلا في التسعة والتسعين اسمًا، هذا هو الصحيح والذي عليه جماهير السلف، أن أسماء الله جل وعلا غير منحصرة في عدد معين، خلافًا لابن حزم رحمه الله الظاهري؛ فإنه قال: بأنها محصورة؛ استدلالًا بهذا الحديث، وهذا الحديث لا يفهم منه هذا. قال: «ففرق بين أن يقال: إن لله تسعة وتسعين اسما، وبين أن يقال: إن أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا، فرق بين هذا التعبير والتعبير الآخر؛ فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسما؛ من أحصاها دخل الجنة" معناه: أن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا؛ من أحصاها دخل الجنة». كأن رجلًا لو قال: «عندي مئة درهم أعددتها للصدقة» هل معنى هذا أن ذلك الرجل لا يملك إلا هذه المئة درهم؟ أم أن عنده مالًا آخر، لكنه أعد من هذا المال مئة درهم لإخراجها صدقة لله جل وعلا؟ الجواب: هو هذا، وهكذا يفهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وهذا أسلوب عربي مفهوم يدل على هذا المعنى المذكور. قال رحمه الله تعالى: وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قال: «يُشركون» أي: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ أي: «يُشركون». وأثر قتادة ثابت إليه رحمه الله، وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: «الإلحاد التكذيب». قال: وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: «الإلحاد» قالوا: «من المشركين؛ لما أنزل الله في كتابه، وبعث به رسوله -كما جرى من قريش وغيرهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه- وكما جرى من المشركين من هذه الأمة؛ فلم يأخذوا بالآيات المحكمات في تحريم الشرك والنهي عنه؛ بل كذبوا بالصدق، واعتمدوا على الكذب على الله وعلى كتابه ورسوله». قال: «وأصل الإلحاد في كلام العرب: العدول عن القصد». والحاصل من هذا: أن كل من عدل عن آيات الله جل وعلا ومال عنها بأي نوع من الميل؛ فإنه ملحد في آيات الله جل وعلا، وفي أسماء الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قال ابن القيم: «لأن حقيقة الإلحاد الميل». قال: ومنه قيل لللحد في القبر بأنه لحد؛ لأنه شق مائل في القبر، فكل حراف وكل ميل عن كتاب الله جل وعلا وعن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ هذا إلحاد، ويكون الإلحاد بحسبه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «وحقيقة الإلحاد فيها الميل بالإشراك والتعطيل والنكران؛ فكل هذا من الشرك بالله جل وعلا، والإلحاد في أسماء الله جل وعلا، وعلى الميل بالإشراك والتعطيل والنكران؛ كل هذا يسمى إلحادًا؛ لأنه ميل بآيات الله جل وعلا وأسماء الله جل وعلا عن حقيقتها، وعن مراد الله جل وعلا منها». قال: «وأسماء الرب تعالى كلها أسماء وأوصاف؛ دلت على كماله جل وعلا». ومعنى هذا: أن أسماء الله جل وعلا «حسنى»؛ لأنها متضمنة لصفات الكمال؛ فأسماء الله جل وعلا كاملة من كل وجه؛ لا نقص فيها؛ لتضمنها لصفات الكمال والجلال. قال: والذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة -متقدمهم ومتأخرهم-: إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ على ما يليق بجلال الله وعظمته؛ إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات؛ يحتذي حذوه؛ فكما أنه يجب العلم بأن لله ذاتًا حقيقة؛ لا تشبه شيئًا من ذوات المخلوقين؛ فكذلك صفات حقيقة؛ لا تشبه شيئًا من صفات المخلوقين. فمن جحد شيئًا مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله، أو تأول على غير ما ظهر من معنى؛ فهو جهمي؛ قد اتبع غير سبيل المؤمنين، وهذا من إطلاق لفظ الجهمية على التعميم والعموم؛ لأن العلماء رحمهم الله تعالى -ولا سيما السلف- يطلقون على كل من عطل صفة فما فوق؛ بأنه «جهمي»؛ لأن أول من قال بالتعطيل هم الجهمية، والجهمية عطلوا جميع أسماء الله جل وعلا وصفاته. والجهمية أتباع الجهم بن صفوان؛ الذي أخذ مقالته الكفرية عن الجعد بن درهم، والجعد بن درهم أخذها عن بعض الصابئة؛ فهي مقالة مسلسلة بضلال، وبعد عن دين الله جل وعلا وشرعه. ثم بعد الجهمية جاء أفراخ الجهمية، وهم المعتزلة؛ الجهمية أفراخ الفلاسفة، والمعتزلة أفراخ الجهمية؛ والمعتزلة أثبتوا لله جل وعلا الأسماء؛ لكن لا كإثبات أهل السنة والجماعة؛ لأنهم أثبتوا لله جل وعلا أسماء جامدة؛ لا تدل على معان، ولا أوصاف، ولا تتضمن معان ولا أوصاف، ولم يثبتوا لله جل وعلا شيئًا من الصفات؛ فهم شابهوا الجهمية في تعطيل صفات الرب جل وعلا؛ لذا كان السلف الأول يطلقون عليهم كذلك «بالجهمية». ثم فرخت المعتزلة كذلك أفراخًا آخرين؛ ففرخت الأشاعرة؛ الذين يقولون كذلك بإثبات الأسماء لله جل وعلا؛ لكن الإثبات لأسماء الله جل وعلا كذلك ليس كإثبات أهل السنة والجماعة؛ بل هو كإثبات المعتزلة؛ إلا في بعض الأسماء، وأثبتوا لله جل وعلا بعض الصفات -أي الصفات السبع- ومنهم من يزيد صفة ثامنة، ومنهم من يجعلها خمس عشرة صفة، ومنهم من يجعلها عشرين صفة؛ وكلها في إثباتهم لتلك الصفات؛ ليس كإثبات أهل السنة والجماعة؛ لا من جهة الاستدلال، ولا من جهة المدلول -أي الذي دلت عليه تلك الصفات ومعانيها-. فالحاصل: أن هذه كلها بدع ظهرت بعد القرون الثلاثة؛ أصلها الجهمية. قال رحمه الله تعالى: قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «فائدة جليلة: ما يجري صفة أو خبرًا على الرب تعالى؛ أقسام». أي: ما يجري -صفة- أي كونه صفة على الله جل وعلا، أو أنه خبرًا يخبر به عن الله جل وعلا. قال: «أقسام: أحدها: ما يرجع إلى نفس الذات؛ كقولك: "ذات" و"موجود"؛ فلفظ "ذات" ولفظ "موجود"؛ ليست من أسماء الله جل وعلا الحسنى؛ ولكنها يخبر بها عن الله جل وعلا؛ فيقال: "الله ذات"، "ولله ذات"، ويقال: "الله موجود"، و"وجود الله"؛ وما شابه ذلك؛ فهي ليست من أسماء الله جل وعلا الحسنى؛ لأن أسماء الله جل وعلا الحسنى متضمنة لصفات الكمال، وهذه ليست كذلك. الثاني: ما يرجع إلى صفات معنوية؛ كـ"العليم" و"القدير" و"السميع" و"البصير"؛ هذه الأسماء -أي اسم الله جل وعلا "العليم" و"القدير" و"السميع" و"البصير"- كلها تضمنت صفات لله جل وعلا؛ فإسمه "العليم" تضمن صفة العلم، اسمه "القدير" تضمن صفة القدرة، اسمه "السميع" تضمن صفة السمع، اسمه "البصير" تضمن صفة البصر؛ فهذه أسماء من أسماء الله جل وعلا الحسنى؛ متضمنة لصفات؛ هي صفات لرب جل وعلا؛ فنثبتها لله جل وعلا؛ على الوجه اللائق بالله جل وعلا؛ إثباتًا من غير تمثيل، وتنزيهًا من غير تعطيل. الثالث: ما يرجع إلى أفعاله؛ يعني: الأول ما يرجع إلى صفات معنوية -أي صفات معنى- والثالث ما يرجع إلى أفعاله؛ أي متعلقة بأفعال رب جل وعلا يفعلها؛ صفات تعلقت بأفعال رب جل وعلا؛ أن يفعلها متى شاء كيف شاء سبحانه وتعالى؛ كـ"الخالق" و"الرازق"؛ فالله جل وعلا من أسمائه "الخالق"؛ تضمن صفة الخلق، وتضمن أن الله جل وعلا يخلق؛ فيخلق الله جل وعلا ما يشاء كيف شاء سبحانه وتعالى، ومن أسماء الله جل وعلا الحسنى "الرازق"؛ فالله جل وعلا "الرازق" ويرزق كيف شاء، ويرزق من شاء؛ يرزق من شاء بما شاء كيف شاء سبحانه وتعالى. الرابع: التنزيه المحض؛ ولا بد من تضمنه ثبوتًا؛ إذا كما في العدم المحض؛ كـ"القدوس" و"السلام"؛ ومعنى هذا: التنزيه المحض؛ أي أن من أسماء الله جل وعلا ما دلت على التنزيه المحض، ومعنى التنزيه المحض: تنزيه الله جل وعلا عن كل نقص وعيب، والتنزيه لا يكون كمالًا إلا إذا تضمن ثبوتًا؛ إذن فيه المحض عدم، والعدم لا كمال فيه؛ إذن أسماء الله جل وعلا الدالة على التنزيه المحض؛ لا بد أن تتضمن ثبوتًا؛ لأنها صفات؛ لأنها أسماء لله جل وعلا، وأسماء الله جل وعلا دالة على الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه؛ إذن أسماء الله الدالة على التنزيه؛ لا بد أن تتضمن كمال الضد؛ فالله جل وعلا منزه عن جميع النقائص والعيوب؛ لكماله المطلق، ولغناه المطلق، ولأنه سبحانه وتعالى "المجيد"، ولأنه سبحانه وتعالى "الكبير المتعال"؛ وغير ذلك من معاني جماله وجلاله جل جلاله. الخامس -ولم يذكره أكثر الناس-: وهو الاسم الدال على جملة أوصاف عديدة؛ لا يختص بصفة معينة؛ بل دال على معانٍ نحو: "المجيد" و"العظيم" و"الصمد"؛ فإن "المجيد" ما يتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا -أي يدل على تعدد صفات الكمال-. قال: «فإنه موضوع للسعة والكثرة والزيادة؛ فمنه: استمجد المرخ والعفار -أي علفهما- وأمجد الناقة علفها، ومنه: "ذو العرش المجيد" صفة للعرش؛ لسعته وعظمته وشرفه». قال: «وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترنًا بطلب الصلاة من الله على رسوله كما علمنا صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في مقام طلب المزيد والتعرض لسعة العطاء وكثرته ودوامه؛ فأتى في هذا المطلوب باسم يقتضيه؛ كما تقول: "اغفر لي وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم"». قال: «فوراجع إلى التوسل إليه بأسمائه وصفاته؛ وهو أقرب الوسائل وأحبها إليه؛ وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه؛ ومنه الحديث الذي في "المسند" و"الترمذي": "اللهم إني أسألك بذي الجلال والإكرام" والحديث صحيح؛ رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره؛ من حديث ربيعة بن عامر رضي الله عنه، قالوا: منهم، وهو في "الصحيحة" للعلامة الألباني». قالوا: «منهم: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد؛ لا إله إلا أنت؛ المنان؛ بديع السماوات والأرض؛ يا ذا الجلال والإكرام" وهو كذلك حديث صحيح؛ رواه أبو داود وغيره؛ من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه؛ وكذلك صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وشيخنا العلامة الوادعي في "الصحيح المسند"». قال: «فهذا سؤال له وتوسل إليه بحمده، وأنه لا إله إلا هو المنان؛ فهو توسل إليه بأسماء وصفاته؛ فما أحق ذلك بالإجابة، وأعظمه موقعًا عند المسؤول». وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد، وفي هذا إشارات لطيفة من الشارح رحمه الله تعالى إلى مناسبة ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لهذا الباب في كتاب التوحيد؛ كما قال العلامة ابن القيم: «وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد». قال رحمه الله: والحاصل من هذا: أن من أسماء الله جل وعلا ما هي دالة على جملة من أوصاف الكمال والجلال؛ كـ"المجيد"، وكذلك "العظيم"، وكذلك "الصمد"؛ فإنها دالة على معانٍ عديدة متعددة؛ كلها تدور على معنى الجمال والجلال لله رب العالمين جل جلاله. قال رحمه الله تعالى: «سادس صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر؛ وذلك قدر زائد على مفرديهما؛ نحو: "الغني الحميد" و"الغفور القدير" و"الحميد المجيد" وهكذا عامة الصفات المقترنة، والأسماء المزدوجة في القرآن؛ فإن الغنى صفة كمال، والحمد كذلك؛ واجتماع الغنى مع الحمد؛ كمال آخر؛ فله كمال من غنائه، وثنا من حمده، وثنا من اجتماعهما؛ وكذلك "الغفور القدير" و"الحميد المجيد" و"العزيز الحكيم"؛ فتأمله؛ فإنه من أشرف المعارف». وهذا -كما ذكر رحمه الله تعالى- أن من أسماء الله جل وعلا الأسماء التي يطلق عليها بأنها من الأسماء المقترنة أو الأسماء المزدوجة؛ وهي أن يقترن إسمان لله جل وعلا، أن يقترن لله جل وعلا اسمان في موضع واحد؛ كـ"العزيز الرحيم" و"العزيز الغفور" و"الحكيم الحميد" وما شابه ذلك. واقتران هذه الأسماء بعضها ببعض يدل على معنى فوق معنى؛ فمثلًا قول الله جل وعلا: "العزيز الحكيم" في آيات كثيرة من كتابه جل وعلا؛ إذا رأينا ونظرنا -مثلًا- إلى اسم الله جل وعلا "العزيز" يدل على صفة العزة؛ التي تتضمن معاني الكمال والقوة والمنع؛ وما شابه ذلك من المعاني؛ فالله جل وعلا "عزيز"، وأضاف كذلك أنه "حكيم"؛ ومن معاني "الحكيم" أنه يحكم بين عباده بالحق، وأنه "حكيم" بمعنى "المحكم" -أي المتقن- فهو "حكيم" بمعنى "محكم"، وهو "حكيم" بمعنى "حاكم" -أي يحكم بين عباده بالحق- وإذا اقترن الاسمان؛ دل على ماذا؟ دل على أن عزة الله جل وعلا مخترنة بماذا؟ بحكمة، وأن حكمة الله جل وعلا مخترنة بماذا؟ بعزة؛ فاجتماع الاسم مع الاسم يدل على ماذا؟ على كمال فوق كمال؛ على أنه كمال فوق كمال؛ كما نبه على ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله: «وذلك قدر زائد على مفرديهما» إلى أن قال: «فتأمله؛ فإنه من أشرف المعارف»؛ لأن الإنسان يتدبر في أسماء الله جل وعلا، وينظر في أسماء الله جل وعلا؛ فينظر أن الله جل وعلا يضع الأسماء المناسبة في كتابه جل وعلا؛ التي تناسب ماذا؟ تناسب السياق، وتناسب الأحكام؛ والشيء بالشيء يذكر. ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب "أعلام الموقعين" أن أعرابيًا سمع رجلًا يقرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ هكذا: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ فقال الأعرابي لذلك القارئ: «ليس هذا من كتاب الله جل وعلا» فقال له القارئ: «أتكذب بكتاب الله؟» قال له: «لا؛ ولكن ليس هذا من كتاب الله جل وعلا» قال: «فرجع القارئ إلى حفظه؛ فقرأها: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؛ فقال الأعرابي: "نعم؛ الآن عز فقطع؛ ولو رحم وغفر؛ لما قطع" قال: "عز فقطع؛ ولو غفر ورحم؛ لما قطع"». يعني: أنظر إلى فقه ذلك الأعرابي العربي بسليقته؛ كيف استنبط الحكم؛ ورأى أن الآية: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يتناقض مع: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾؛ لكن لما أتى بالآية على وجهها: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؛ قال: "نعم؛ عز فقطع؛ ولو رحم وغفر؛ لما قطع" وهذا يدلنا على ماذا؟ يدلنا على أن أسماء الله جل وعلا تتضمن أحكامًا؛ تتضمن أحكامًا عند أولي الألباب. نسأل الله جل وعلا أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك؛ لا إله إلا أنت؛ أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على