الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 29، ألقاها
يشرح المقطع مفهوم الاستعاذة كعبادة لله وحده وعلاقتها بالتوحيد، ويبين أن صرفها لغير الله يعد شركًا. الاستعاذة تعني طلب العود واللجوء والاحتراز من المكروه.
الدعاء عبادة كما قال الله تعالى، والاستعاذة بالله عبادة يحبها الله ورسوله. الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تدل على أن الاستعاذة عبادة لله وحده.
الاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام بالله، وهي عبادة لا يجوز صرفها لغير الله. تكون جائزة إذا كانت بمعنى الالتجاء دون نظر القلب لغير الله، وممنوعة إذا كانت بمعنى الاعتقاد في قدرة غير الله.
صرف الاستعاذة لغير الله يعتبر شركًا أكبر لا يغفره الله، ومن وقع في ذلك فقد ارتكب ذنبًا عظيمًا. الاستعاذة يجب أن تكون لله وحده جل وعلا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في كتابه «قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين»: قال رحمه الله: قوله -أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله- في كتابه «التوحيد الذي هو حق الله على العبيد»، باب من الشرك الاستعاذة بغير الله. قوله رحمه الله تعالى: «باب من الشرك الاستعاذة بغير الله». الكلام على هذا الباب وبيانه: هذا الباب يظهر بإذن الله عز وجل إذا تبين لنا عدة أمور. من هذه الأمور: أولًا، علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد، وما هي المناسبة التي لأجلها ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هذا الباب في كتابه «التوحيد». والجواب أن العلاقة به أن الاستعاذة عبادة من العبادات الجليلة، فمن أخلص فيها لله جل وعلا فهو عابد لله جل وعلا، ومن صرف هذه العبادة لغير الله جل وعلا فقد وقع في الشرك بالله جل وعلا. لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى هاهنا: «باب من الشرك الاستعاذة بغير الله». وهذا الباب كالأبواب قبله؛ فيه بيان لتفسير «لا إله إلا الله»، فيه بيان لمعنى التوحيد وتفسير «لا إله إلا الله». فالأشياء -كما قيل- بضدها تعرف. وبضدها تعرف الأشياء. فمن علم وعقل هذا الأمر علم أن الاستعاذة عبادة لله جل وعلا، فكان لزامًا عليه أن يجعلها لله جل وعلا وحده لا شريك له. ومن صرفها لغير الله جل وعلا يكون مشركًا بالله جل وعلا، ويكون ناقضًا لقوله «لا إله إلا الله»؛ لأنه أتى بما يناقضها من الشرك بالله جل وعلا. الأمر الثاني: هو كيف علمنا وظهر لنا أن الاستعاذة عبادة؛ حتى يقال: إن من صرفها لغير الله جل وعلا أنه أشرك بالله جل وعلا؟ والجواب عن هذا: يظهر هذا المعنى -أي أن الاستعاذة عبادة- يظهر هذا الأمر من عدة وجوه. الوجه الأول: أن حقيقة الاستعاذة هي طلب العود، ومعناها طلب اللجوء والاحتراز والاعتصام من مكروه بذلك المعاذ. فإن كان المعاذ هو الله جل وعلا فهي عبادة، وإن كان غير الله جل وعلا فهو شرك؛ لأنه عبادة -كما سمعتم أولًا- لما فيه من تعلق القلب بغير الله جل وعلا، والتفاته إلى غير الله جل وعلا في استجلاب دفع الضر أو كشف الضر أو رفعه. الأمر الثاني الذي كذلك به نعلم أن الاستعاذة من العبادة: أن الاستعاذة حقيقتها طلب، فهي في الحقيقة دعاء، ولكنه دعاء مخصوص في طلب الاعتصام والالتجاء والتحرز من مخوف أو مكروه. والدعاء عبادة؛ كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، فسمى الله جل وعلا الدعاء عبادة. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -كما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث النعمان بن بشير- قال: «الدعاء هو العبادة». الأمر الثالث: أن حقيقة العبادة وتعريف العبادة -كما هو ظاهر ومر معنا مرارًا- أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. والاستعاذة بالله من هذه الأعمال التي يحبها الله جل وعلا؛ لذا أمر الله جل وعلا بها في كتابه في مواضع كثيرة؛ كقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ إلى آخر سورة الفلق، وكذلك سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ إلى آخره. وكذلك الله جل وعلا يقول: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. فهذه كلها أوامر بالاستعاذة بالله جل وعلا؛ تدلنا على أن الاستعاذة عبادة، فجعلها لله جل وعلا وإخلاصها لله جل وعلا عبادة جليلة، وصرفها لغير الله جل وعلا من الشرك الأكبر؛ لأنه صرف العبادة لغير الله جل وعلا. الأمر الثالث من الأمور التي كذلك تبين هذا الباب وتنبه على ما قد يخفى من هذا الباب: هو أن الاستعاذة -كما يذكر العلماء رحمهم الله تعالى- أنها على قسمين: استعاذة مشروعة، واستعاذة ممنوعة. فالاستعاذة المشروعة هي أن يستعيذ الإنسان بمن له القدرة على العود فيما يقدر عليه؛ كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليعوذ به». وأيضًا يدل على هذا المعنى أن الاستعاذة -وكذا الاستغاثة وكذا الالتجاء- معاني متقاربة. وقد دلت السنة -بل ودل الكتاب- على جواز الاستغاثة بغير الله جل وعلا فيما يقدر عليه ذلك الغير؛ كما قال الله جل وعلا في حق أو في شأن ذلك الإسرائيلي مع موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾. وكما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -حينما حذر أمته من الظلم ومن أخذ الحقوق بغير حقها- قال: «لا يأتي أحدكم يوم القيامة فيقول: يا رسول الله، أغثني، أغثني». فدلنا هذا المعنى وما تقدم وما كان في معنى على جواز الاستعاذة بالغير فيما هو من مقدور ذلك الغير؛ بشرط أن يكون القلب ملتفتًا إلى الله جل وعلا لاجئًا إلى الله في الحقيقة، ولكن يكون الاستعاذة بذلك الغير من باب تعاطي الأسباب؛ لأن حقيقة الاستعاذة -كما أشرنا إليها وسأتي في كلام الشارح رحمه الله تعالى- أن حقيقتها الالتجاء والاعتصام والتحرز. فإذا كانت بهذا المعنى -أي استعاذ بهذا المعنى- بمعنى الالتجاء والتحرز دون نظر القلب والتفاته إلى غير الله جل وعلا رغبة ورهبة؛ هذا جائز، وهذا من نوع المشروع. والنوع الثاني -وهو الممنوع- هو ما تقدم ذكره من الاستعاذة الشركية؛ بأن يلجأ ويحترز ويعتصم ويتحصن بغير الله جل وعلا؛ معتقدًا فيه أن له قدرة مما لا يقدر عليها إلا الله؛ مع تعلق قلب ذلك المستعيذ بذلك المعاذ رغبة ورهبة؛ فهذا من الشرك بالله جل وعلا، وهو من الشرك الأكبر؛ كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا بيان ذلك في كلام الشارح رحمه الله وما نقله عن العلماء رحمهم الله. الأمر الرابع: قوله رحمه الله تعالى: «باب من الشرك». الباب -كما تقدم- معناه مرارًا بمعنى المدخل إلى الشيء، وهو على قسمين: معنوي وحسي. والمراد به هاهنا المدخل المعنوي. وقوله: «من الشرك»؛ من هاهنا تبعيضية؛ أي من جملة الشرك الأكبر بالله جل وعلا: الاستعاذة بغير الله. والاستعاذة -كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى- أن السين والتاء إذا دخلت على الكلمة أفادت معنى الطلب؛ أفادت معنى الطلب في الغالب الأكثر. وحقيقة الاستعاذة -كما تقدم ذكره- هي طلب العود؛ كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في كلام الشارح. قال رحمه الله تعالى: «الاستعاذة: الالتجاء والاعتصام؛ فالعائد قد هرب إلى ربه والتجأ إليه مما يخافه عمومًا وخصوصًا؛ سواء كان ذلك المخوف عامًا أو كان ذلك المخوف خاصًا». قال رحمه الله تعالى: قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «وما يقوم بقلب من الاتجاه والاعتصام به والانطراح بين يدي الرب والاستقار إليه والتذلل له؛ أمر لا تحيط به العبارة». الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يحوم حول أمر قد يغفل عنه كثير من الناس؛ فهو رحمه الله تعالى يلفت النظر ويصوب النظر ويوجه إلى حقيقة الاستعاذة؛ وأن حقيقتها هو ما يقوم بالقلب من الالتجاء والاعتصام به والانطراح بين يدي الرب والاستقار إليه وتذلل له؛ فيه معنى من معاني التوكل، معنى من معاني التذلل، معنى من معاني التضرع، معنى من معاني إظهار العجز والفقر إلى الرب جل وعلا؛ إلى غير ذلك من هذه المعاني التي هي بمعنى ما ذكر. قال رحمه الله تعالى: «وقد أمر الله تعالى عباده في كتابه بالاستعاذة به في مواضع». وقوله: «أمر» يدلنا على أن الاستعاذة كذلك عبادة؛ لأن الله جل وعلا أمر بها؛ والله جل وعلا لا يأمر إلا بما يحب؛ لا يأمر إلا بما يحبه جل وعلا. قال في كتابه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، قالوا: وفي المعوذتين وغير ذلك؛ فهي عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله؛ كغيرها من أنواع العبادة. ومعنى هذا: أن من صرفها لغير الله جل وعلا فقد وقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ أن من وقع في ذلك -أي في الاستعاذة بغير الله جل وعلا- فقد وقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله جل وعلا. نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم. إلهنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.