الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 61، ألقاها
التطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع، وأصله التطير بالطيور والضباء. وهو ظن سيء يترتب عليه فعل معين.
الإسلام ينفي تأثير التطير والتشاؤم، ويؤكد أنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًا. المصائب تأتي بسبب الذنوب والمعاصي.
حديث "لا عدوى ولا طيرة" ينفي تأثير هذه المعتقدات. النفي في الحديث أقوى من النهي، ويشرح معاني الطيرة والعدوى.
الغيلان هي الشياطين الكبار ولا تؤثر على المؤمن المتحصن بالله. المؤمن يتوكل على الله ويذكره ليبقى في حمايته.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعود بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب عليهم رحمة الله تعالى جميعًا في كتابه «قرة عيون الموحدين»: قال: قوله باب ما جاء في التطير. أولًا المناسبة التي لأجلها ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هذا الباب في كتاب التوحيد، هي أن الطيرة من الشرك، كما جاء ذلك منصوصًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود الآتي معنا بإذن الله عز وجل ذكره في هذا الباب، فهو من الشرك المنافي لكمال التوحيد الواجب؛ لأنه مناف لكمال التوكل على الله جل وعلا، إذ أن المتطير بتطيره ذلك، وامتناعه عما أراده، وهو من الشرك الأصغر، وهو نوع من الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد، إذ أنه اعتقد أن حركات الطير ونحوها أسباب لها تأثيرات في حدوث شيء من الحوادث، فاعتقاد المتطير بهذه الأشياء قريب من اعتقاد المنجم في النجوم. هذا أمر، والأمر الثاني: وهو أن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر هذا الباب هاهنا بعد أن ذكر ما تقدم ذكره من الكلام على أبواب السحر وما دخل في معناه وما به يتعالج منه، ذكر رحمه الله تعالى هاهنا قوله: باب ما جاء في التطير، وكأنه -والله أعلى وأعلم- يشير إلى ما جاء في ذلك الحديث من أن الجبتة والطيرة من السحر، فلعل الشيخ رحمه الله تعالى لفت إلى هذا المعنى إلى أن الطيرة فيها معنى من معاني السحر؛ إذ أنها لطيفة وخفية سببًا، إذ أن الناظر في الطير في زجر الطير في تحركها يمنة أو يسرة، وربط التأثيرات على تلك الحركة، في الحقيقة هو شيء كما ترون لطيف، وهو كذلك شيء خفي سببه، فهو يدخل في معنى السحر بهذا الاعتبار. وقوله رحمه الله تعالى: باب ما جاء في التطير، أي مدخل؛ لأن الباب كما مر معنا مرارًا بمعنى المدخل، وها هنا يكون المدخل مدخلًا معنويًا، أي مدخل في الكلام على أحكام الطيرة وما جاء في معناها، أو قل: ما جاء من أحكام وأدلة تبين معنى الطيرة وتبين كذلك حكمها. وقوله رحمه الله تعالى: باب ما جاء في التطير، سأتي معنا أن الطيرة بكسر الطاء، وفتح الياء وقد تسكن، اسم مصدر من تطير طيرة، وأصله التطير بالسوانح والبوارح من الطير والضباء وغيرهما، وكان ذلك التطير يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله، وأخبر أنه لا تأثير له في جلب نفع ودفع ضر. وقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: باب ما جاء في التطير، التطير حقيقة التطير وأصل التطير: الظن السيء الكائن في القلب، حقيقة التطير هو الظن السيء الكائن في القلب، والطيرة والطيرة هو الفعل المرتب على هذا الظن من فرار أو غيره، إذن أصل الطيرة تطير، أصل الطيرة تطير، وهو سوء ظن كائن في القلب لأسباب يظنها ذلك المتطير أسبابًا لها تأثيرات في الكون، وليس الأمر كذلك، كما سأتي بيانه والكلام عليه. وعرف بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى الطيرة بقوله: هي التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم، التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم، التشاؤم بمرئي كأن يرى طيرًا قبيحًا أو طيرًا مما جرت عادة بعض الجهال أن يتطير به، فيتشاءم منه، كأن يرى الغراب أو مثلًا يرى رجلًا أعمى أو أعور أو ما شابه ذلك في الصباح في خروجه لسفر أو لتجارة أو نحو ذلك، فيقول: أعوذ بالله، وجهه غراب أو بومة أو ما شابه ذلك، فهذا تشاؤم بمرئي. أو مسموع كأن يخرج كذلك لسفر أو تجارة أو غير ذلك فيسمع قائلًا يقول: يا مثلًا فاشل أو يا خاسر أو ما شابه ذلك من العبارات، فيتشاءم، يقول: هذا نذير شؤم، فيرجع ويصده ذلك المسموع عما أراده من الأمور، هذا تشاؤم بمسموع، والأول تشاؤم بمرئي. والتشاؤم بمعلوم: التشاؤم بالمعلوم كأن يتشاءم بما علم من أوقات، من أيام، من أسابيع، من شهور، من سنين، وما شابه ذلك، مثلًا يعلم أن يومًا مثلًا بعض الناس -وهذا موجود إلى يومنا هذا إلى زمننا هذا في بلدنا هذا- أن بعض الناس يتشاءم من يوم الأربعاء، يتشاءم من يوم الأربعاء، فهذا تشاؤم بماذا؟ بمعلوم، هذا تشاؤم بمعلوم، والكل لا يجوز، سواء كان ذلك التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم، الكل لا يجوز؛ لأنه داخل في الطيرة التي نهى عنها الشارع. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: باب ما جاء في التطير، أي من النهي عنه والوعيد، والطيرة بكسر الطاء، وفتح الياء وقد تسكن، اسم مصدر من تطير طيرة، وأصله التطير بالسوانح والبوارح من الطير والضباء وغيرها، والطير والضباء معلوم معناها، والسوانح والبوارح سيأتي بيانها. وكان ذلك التطير يصدهم عن مقاصدهم، يصدهم عن مقاصدهم، بمعنى أن إنسانًا إذا أراد أن يسافر فسمع شيئًا تشاءم منه رجع، رأى شيئًا تشاءم منه رجع، علم شيئًا تشاءم منه رجع، هذا هو التطير الذي كان عليه الجاهليون، ونهى عنه شرعنا. قال: فنفاه الشرع وأبطله، وقولوا: نفاه الشرع وأبطله، أي بيّن الشرع أنه لا حقيقة تحته ولا وراءه؛ إذ أن حركة الطير يمنة أو يسرة أو من أمام أو من خلف، في الحقيقة عند العقلاء فضلًا عند أهل الإيمان لا أثر لهم في حركتهم يمنة أو يسرة أو غير ذلك في شيء من الآثار والتأثيرات، فهو في الحقيقة كما ذكر شيء يتوهمه من يتوهمه، ولا حقيقة له. لذا جاء الشرع ببيان بطلانه، وأنه أصلا لا حقيقة له، وإلا لو تحرك الطير إلى جهة شمال أو جاء الطير إلى جهة الخلف، ماذا يعني؟ هل رتب الله جل وعلا عليه أمرًا من الحوادث؟ رتب عليه شيئًا من الأحكام؟ أو نبه أو رتب عليه نبينا صلى الله عليه وسلم شيئًا من الحوادث؟ أي أخبر بأن الطير إذا تحرك إلى جهة الشمال فهو شؤم، وإذا تحرك إلى جهة الخلف فهو كذلك شؤم، وإذا تحرك إلى جهة الأمام فهو خير، أو إلى جهة الأمام فهو خير، أو ما شابه ذلك؟ الجواب: لا، وإنما أشياء اعتقدها الجاهليون لا حقيقة لها. لذا جاء شرع بما يقرر الفطرة وبما يوافقه ويقره العقل من أن هذه الأشياء لا أثر لها في شيء مما يعتقده أولئك الجاهليون. قال رحمه الله تعالى: فنفاه الشرع وأبطله وأخبر أنه لا تأثير له في جلب نفع ودفع ضر، لا أثر له، أي لا يكون سببًا تحرك الطير إلى اليمين أو الشمال لا يكون سببًا لجلب نفع أو دفع ضر، ولا يكون كذلك علامة، لا يكون سببًا ولا يكون علامة أيضًا لجلب نفع أو دفع ضر، وإنما هي أوهام توهمها الجاهليون وظنوها حقائق، فبنوا عليها ما بنوا من العقائد الفاسدة الباطلة المباعدة للفطر القويمة والعقول المستقيمة، فضلًا عن الشرع الحنيف. قال الرحمة الله تعالى: قال المدائني: سألت رؤبة ابن العجاج -وهو أحد الشعراء الفصحاء- قلت: ما السانح؟ قال: ما ولاك ميامنه، قلت: فما البارح؟ قال: ما ولاك مياسره، فما ولاك ميامنه يسمى سانحًا، والسانح، وما ولاك مياسره سمي البارح. قال: والذي يجيء من أمامك هو الناطح والنطيح، والذي يجيء من خلفك هو القاعد والقعيد، أي هذه أسماء كان يسمي بها العرب الطير في حركاتهم في جهاتهم الأربع. قوله: وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ذكر تعالى هذه الآية في سياق قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ الآية، والمعنى: أن آل فرعون إذا أصابتهم الحسنة -أي الخصب والسعة والعافية- كما فسره مجاهد وغيره، قالوا: لنا هذا، أي نحن الجديرون والحقيقون به، ونحن أهله، أي ما جاءهم من الخير والنعمة إنما جاءتهم عن استحقاق، ليس عن فضل من الله جل وعلا، ولكن عن استحقاق استحقوا تلك النعمة، فوجب على الله جل وعلا أن ينعمهم بها. قال رحمه الله تعالى: وإن تصبهم سيئة -أي بلاء وقحط- يطيروا بموسى ومن معه، فيقولون: هذا بسبب موسى وأصحابه، أصابنا بشؤمهم، فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم، وفي رواية: شؤمهم عند الله، ومن قبلهم، أي إنما جاءهم الشؤم من قبلهم بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله، بمعنى أن المصائب التي أصابت بني إسرائيل بتكذيبهم لرسل الله جل وعلا وعنادهم ومشاقتهم لله جل وعلا ولرسله، لا بسبب موسى عليه السلام وأصحابه، بل بذنبهم، بذنوبهم التي أذنبوها، فكان عاقبتها، ما حصل لهم من النكال والمصائب. وأثر ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه أخرجه الطبري وغيره من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وتقدم معنا مرارًا من أن علي بن أبي طلحة وإن كان لم يسمع من ابن عباس، إلا أن طائفة من المحدثين يمشون هذه الرواية، اعتمادًا منهم على أن علي بن أبي طلحة إنما سمع عن أصحاب ابن عباس، فيمشون هذه الطريق، وكما ذكر من ذكر من العلماء أن البخاري رحمه الله تعالى أكثر من إخراج هذه السلسلة. قال رحمه الله تعالى: قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي أن أكثرهم جهال لا يدرون، ولو فهموا وعقلوا لعلموا أنه ليس فيما جاء به موسى عليه السلام إلا الخير والبركة والسعادة والفلاح لمن آمن به واتبع قوله. وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ الآية، المعنى -والله أعلم- حظكم وما نالكم من شر معكم، بسبب أفعالكم وكفركم ومخالفتكم، بسبب أفعالكم وكفركم ومخالفتكم الناصحين، ليس هو من أجلنا ولا بسببنا، بل ببغيكم وعدوانكم، فطائر الباغي الظالم معه، فما وقع به من الشرور فهو سببه الجالب له، وذلك بقضاء الله وقدره وحكمته وعدله. ومعنى هذا: أن من آثار الذنوب والمعاصي أن يصاب أصحابها بالبلاء، هو بالفتن، هو المحام، بسبب ما كسبتوا أيديهم، بسبب ما كسبتوا أيديهم، لا بسبب المصلحين؛ فإن المصلحين بإذن الله رب العالمين جل وعلا قد يكونون من أسباب دفع شيء من الفتن والبلاء عن أهله. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فالمصلحون لعل الله جل وعلا يدفع بهم بلاء وشرًا بسبب استغفارهم وطاعتهم لله رب العالمين جل وعلا، لكن إذا غلب الشر الخير واستطار وعم وطن، حصل البلاء للصالح والطالح، كما جاء في حديث زينب حينما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ وَشَبَّكَ بَيْنَ إِبْهَامِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا»، ثم قال: «قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»، فالحاصل من هذا: أن في قولها: «أَفَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟» في إشارة لطيفة إلى أن الصالحين إذا كثروا يحصل بهم الخير بإذن الله رب العالمين جل وعلا، ويدفع الله جل وعلا بهم الشرور بإذنه سبحانه وتعالى، إلا أن يكثر الخبث. قال رحمه الله تعالى: قولهم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا»، أي من أجل أن ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله، قابلتمونا بهذا الكلام، بل أنتم قوم مسرفون. قال رحمه الله تعالى: قوله: عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ»، قال: أخرجاه، أي الشيخان، زاد مسلم: «وَلَا نَوْءَ وَلَا غُولَ». قولهم: «لَا عَدْوَى»، قال أبو السعادة: العدوى اسم من الإعداء، كالرعوة، يقال: أعداه الداء يعديه إعداء إذا أصابه مثل ما بصاحب الداء، والعدوى معلوم معناها، وهو انتقال مرض من شخص إلى آخر. قولهم: «وَلَا طِيَرَةَ»، قال ابن القيم: يحتمل أن يكون نفيًا أو نهيا، أي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَا طِيَرَةَ»، ويحتمل أن يكون: «وَلَا طِيَرَةَ» معناه إما أن يكون معناه النفي، أي نفى أصل الطيرة، أي أنه لا حقيقة لها، ويحتمل أن يكون نهيا، أي نهى عن الطيرة، قال: «وَلَكِنْ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: وَلَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ النَّفْيُ وَإِبْطَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَعَانِيهَا، وَالنَّفْيُ فِي هَذَا أَبْلَغُ مِنْ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ وَعَدَمِ تَأْثِيرِهِ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُمْ»، إذن وإن كان يحتمل كلا الأمرين، إلا أن الأقرب والأظهر بل والأقوى أن يقال: بأن «لَا» هاهنا نافية، ولا يقال: بأنها ناهية؛ لماذا؟ لأمرين: الأمر الأول: أنها أبلغ وأقوى؛ أبلغ وأقوى؛ إذ أنها تدل على نفي الطيرة، أي أنها لا حقيقة لها، وتدل كذلك على النهي؛ إذ أن ما لا حقيقة له فلا تأثير له، فلا يجوز أن يتعلق به، فهو إذا نهي ونفي. الأمر الثاني: أن قوله: «وَلَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ»، يدل على أن المراد النفي؛ إذ أن معناها إبطال ما كانت تعتقده أهل الجاهلية، إذن كان معنى النفي أقوى للأمرين المذكورين أولًا؛ لأنه في مقام إبطال ما كان عليه الجاهلية، والأمر الثاني: أنه أقوى وأبلغ، أقوى وأبلغ في نفي الطيرة وأنها لا أصل لها، والنهي عنها كذلك؛ لأن ما لا أصل له فكيف يتعلق به؟ قال رحمه الله تعالى: قال عكرمة: كنا جلوسًا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال له ابن عباس: لا خير ولا شر، فبادره بالإنكار عليه؛ لألا يعتقد تأثيره في الخير والشر؛ إذ أن هذا الطير صاحا ما صاح، هل لصيحه تأثير؟ الجواب: لا، فإذا لم يكن لصيحه تأثير، فلماذا يقول إنسان: خير خير، أو بعضهم يقول: أعوذ بالله، أو ما شابه ذلك، أو: الله مكفين شره، أو ما شابه ذلك؟ وهل في صوته خير أو شر؟ الجواب: لا، وإنما هي من اعتقادات أهل الجاهلية. قال رحمه الله تعالى: وخرج طاووس مع صاحب له في سفر، فصاح غراب، فقال الرجل: خير، فقال طاووس: وأي خير عند هذا؟ لا تصحبني. قال قوله: «وَلَا هَامَةَ» بتخفيف الميم على الصحيح، قال الفراء: الهامة طير من طير الليل، كأنه يعني البومة، والبومة معلومة، قال ابن الأعرابي: كانوا يتشاؤمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم، يقولوا: نعت إليه نفسًا أو أحدًا من أهل داره، فجاء الحديث بنفي ذلك وإبطاله، وهذه العقيدة كذلك موجودة إلى قريب، وما أدري هل إلى الآن موجودة؟ الله أعلم، أي بعض الناس إذا جاءت البومة على بيته فجعلت تصيح، يقول: نعوذ بالله، الله أعلم تنعي من؟ الله أعلم تنعي من؟ من الناس، أي كأنها تبشر بموت أحد من الأقارب ونحوهم، وهذا كذلك كما سمعتم من اعتقادات الجاهلية التي نهى عنها نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله: «وَلَا هَامَةَ». قال الرحمة الله تعالى: قولهم: «وَلَا صَفَرَ» بفتح الصاد، أبو عبيد -أي القاسم بن سلام- في غريب الحديث عن رؤبة، أنه قال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب، وعلى هذا فالمراد بنفيه ما كانوا يعتقدونه من العدوى، وممن قال بهذا: سفيان بن عيينة، والإمام أحمد، والبخاري، وابن جرير. وقال آخر: المراد به شهر صفر، والنفي إنما هو لما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء، وكانوا يحلون المحرم ويحرمون صفر مكانه، وهذا قول مالك، ولا منافاة بين الأمرين، فلا مانع من أن يحمل الحديث عليهما جميعًا، أن يحمل الحديث عليهما جميعًا على ما كان يعتقد أهل الجاهلية في صفر من العدوى، وعلى ما كان يعتقد أهل الجاهلية في صفر من النسيء. قال رحمه الله تعالى: وروى داود عن محمد بن راشد عمن سمعه يقول: إن الجاهلية كانوا يتشاؤمون بصفر، ويقولون: إنه شهر مشؤوم، فأبطل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، قال المحقق: عندنا صحيح مقطوع، قال ابن رجب: ولعل هذا القول أشبه الأقوال، والتشاؤم بصفر كتشاؤم أهل الجاهلية بشوال بالنكاح في خاصة، قلنا: ولمنع؛ لأن الحديث المذكور ذكر فيه النهي عن العدوى، وذكر كذلك فيه النهي عن ماذا؟ عن الطيرة، وهي التشاؤم، وهي التشاؤم، ومنها التشاؤم بماذا؟ بمعلوم، ومن المعلوم التشاؤم بشهر صفر، فلا مانع من حمله على كلا المعنيين؛ إذ لا منافاة بينهما، والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وَلَا نَوْءَ» سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في بابه. قوله: «وَلَا غُولَ» هو بالضم، اسم، وجمع: أغوال وغيلان، وهو المراد هنا، والمعنى بقوله: «لَا غُولَ»: أنها لا تستطيع أن تضل أحدًا مع ذكر الله والتوكل عليه، ومنه الحديث: «إِذَا تَغَوَّلَتْ الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ»، وهو حديث ضعيف، أي ادفع شرها بذكر الله تعالى. والغول كما ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى: هي أشياء كان يعتقدها يعتقدها أهل الجاهلية أنها تفعل وتفعل، فجاء الشرع بالنهي عنها، فلذا من أهل العلم من قال أيضًا: الغول لا حقيقة له أصلا، وإنما هو من توهمات الجاهليين، إنما هو من توهمات وظنون الجاهليين، فجاء الشرع بإبطال هذا الاعتقاد وأنه لا حقيقة له. ومنهم من قال: بأن الغول هم الشياطين، كبار الشياطين، فجاء الشرع ببيان بأن هؤلاء لا يضرون المؤمن ما دام أن المؤمن مع الله جل وعلا متحصنًا متوكلا واثقًا بالله جل وعلا، ذاكرًا لله رب العالمين جل وعلا، بأن هذه الغيلان لا تأثير لها في ذلك المؤمن الذي هذا حاله، والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.