الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 5، ألقاها
يشرح الشيخ العثيمين أهمية معرفة أسباب نزول الآيات القرآنية في فهم القرآن وتفسيره بشكل صحيح. معرفة أسباب النزول تساعد في بيان عناية الله برسوله والدفاع عنه.
يشرح المقطع أهمية معرفة أسباب نزول الآيات في فهم معانيها بشكل صحيح وتطبيق الأحكام الشرعية. يُوضح المقصد من الآيات مثل آية التيمم وآية السعي بين الصفا والمروة.
يشرح المقطع حكم الملاعنة في الإسلام استنادًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويبين أن الحكم يشمل كل من يتهم زوجته بالفاحشة دون وجود شهود. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالملاعنة وفقًا للقرآن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "أصول في التفسير": قال رحمه الله تعالى: "فوائد معرفة أسباب النزول". بعد أن تكلم الشيخ رحمه الله تعالى فيما مضى معنا عن نزول القرآن، وأن نزول القرآن على قسمين: منه الاتدريجي، ومنه السببي، تكلم رحمه الله تعالى هاهنا على فوائد أسباب النزول. فوائد أسباب النزول، وقوله رحمه الله تعالى: "فوائد معرفة أسباب النزول"، بهذه الفوائد نعلم خطأ من قال: بأنه لا طائل تحت معرفة أسباب النزول. قالوا: لجريانه مجرى التاريخ، أي أن أسباب النزول لا فائدة فيها؛ لماذا؟ لأن حكم التاريخ أشياء تاريخية لا تؤثر معنا ولا تفيدنا في فهم القرآن الكريم. فالعلماء رحمهم الله تعالى ذكروا أسبابًا أو ذكروا فوائد لأسباب النزول، منها: يعلم أهمية أسباب النزول في فهم القرآن وفي تفسير القرآن. فكما سيأتي في كلام الشيخ رحمه الله تعالى: أن لأسباب النزول فوائد مهمة تبين لنا أهمية معرفة أسباب النزول. ولذا ألف العلماء رحمهم الله تعالى المؤلفات والمصنفات في أسباب النزول؛ لأجل ماذا؟ لأنه سبب وطريق به يعلم معنى القرآن، وله فوائد أخرى سيأتي ذكرها بإذن الله جل وعلا في كلام الشيخ رحمه الله. فالشيخ رحمه الله تعالى يقول: "معرفة أسباب النزول مهمة جدًا؛ لأنها تؤدي إلى فوائد كثيرة". منها: واحد، "بيان أن القرآن نزل من الله تعالى". هذه فائدة، هذه أول فائدة: أن القرآن نزل من الله. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: "وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الشيء فيتوقف عن الجواب أحيانًا حتى ينزل عليه الوحي". أو يخفى عليه الأمر الواقع، فينزل الوحي مبينًا له. فهذا فيه بيان أن القرآن ليس من صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما زعم المشركون، فقالوا: "إن هو إلا قول البشر"، ولكنه من قول الله جل وعلا، ينزله على نبيه صلى الله عليه وسلم. وتحت هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي: فيها بيان صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول من الله؛ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يطلع على الأمر ولا يعلم شيئًا إلا بما علمه الله جل وعلا إياه من أمور الدين. وهذا إن دل على شيء، دل على أنه رسول من الله جل وعلا، أرسله الله جل وعلا تبيانًا، وجعله مبينًا للناس ما أنزل الله جل وعلا عليه من الذكر، من القرآن العظيم. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: "مثال الأول": قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: "ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن رجلًا من اليهود قال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ رجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما الروح؟ فقال: فسكت". أي: النبي صلى الله عليه وسلم حينما وُجه له هذا السؤال، سكت؛ ما عنده جواب يجيب به على هذا السؤال. فسكت، قالوا: في لفظ: "فأمسك". أي: لم يتكلم بشيء لا يعلمه صلى الله عليه وسلم. قال: "فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يرد عليهم شيئًا". قال ابن مسعود: "فعلمت أنه يوحى إليه". قال: "فقمت مقامي". أي: ما تحركت من مكاني؛ بقيت في مكاني؛ لأنه علم أن الوحي قد نزل. نزل إليه، وما دام أن الوحي قد نزل إليه، فإن الجواب قد جاء. فقمت، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي. فلما نزل الوحي، قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. فبيّن الله جل وعلا أن الروح من أمر الله جل وعلا. فهذا مثال لهذه الفائدة: يأتي السؤال إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيسكت، فيأتي، ماذا؟ فيأتي الجواب والبيان والعلم من الله جل وعلا. وبه يعلم أن القرآن منزل من عند الله جل وعلا. واضح هذا مثال في تقرير لهذه الفائدة: أن القرآن منزل من عند الله جل وعلا، فهو من العلم الذي علمه الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم. قال: "ومثال الثاني": قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. قال: "ففي صحيح البخاري: أن زيد بن أرقم رضي الله عنه سمع عبد الله بن أبي رأس المنافقين يقول: يريد أنه الأعز، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأذل". قال: "فأخبر زيد عمه بذلك". فأخبره أو فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. "فدعا النبي صلى الله عليه وسلم زيدًا فأخبره بما سمع". ثم أرسل إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله تصديق زيد في هذه الآية، فاستبان الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا المثال الثاني فيه بيان أن القرآن نزل من الله، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم إلا ما علمه الله جل وعلا. فهذه فائدة من فوائد أسباب النزول: أن الله جل وعلا ينزل القرآن لسبب، لفائدة من هذه الفائدة: إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدق زيد، وكذب المنافقين. واضح. جمع هذه فائدة أم لا فائدة؟ وتبين لنا هذه الفائدة ماذا؟ أن القرآن منزل من أين؟ من الله جل وعلا، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، وإنما هو رسول من الله، وإنما هو مبلغ عن الله جل وعلا ما أمره به من التبليغ. فهذه فائدة. قال رحمه الله: "الثاني": "بيان عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم في الدفاع عنه". هذه فائدة من فوائد أسباب النزول، فيها بيان عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم في الدفاع عنه. مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾. هذا من قول من؟ من قول المشركين. المشركون يقولون: لماذا هذا النبي ما أرسل عليه أو ما أنزل عليه الكتاب كما أنزل على سائر الأنبياء؟ وقد ذكر أن سائر الأنبياء كان كتاب ينزل إليهم جملة واحدة. فهؤلاء المشركون يقولون: لماذا هذا الرسول ليس كسلفه من الرسل؟ لا ينزل عليه القرآن جملة واحدة. هذه شبهة يذكرها هؤلاء المشركون؛ ليشككوا في صحة نبوته وصدق رسالته صلى الله عليه وسلم. هذه الشبهة دفعها الله جل وعلا عن رسوله، وأبانها أتم بيان وأحسن بيان بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. ثم قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. فالله جل وعلا بين أنه سبحانه وتعالى أنزل القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم شيئًا فشيئًا؛ لماذا؟ ليثبت الله جل وعلا بالقرآن ماذا؟ فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم. لذا ما يأتونه بمثل، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾. لا يأتونك بشيء، بشبهة، بشيء في حرج، إلا ماذا؟ إلا جئناك بالحق. هذه كذلك علّة من العلل التي لأجلها نزل القرآن منجّمًا. وكذلك فيه فائدة من فوائد أسباب النزول: كلما أتوا بشبهة، سبب أنزل الله جل وعلا القرآن بيانًا لضعف تلك الشبهة ولأنها باطلة ضاحضة لا وجود لها. وكما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. قال رحمه الله تعالى: "وكذلك آيات الإفك، فإنها دفاع عن فراش النبي صلى الله عليه وسلم، وتطهيرا له عما دنسه به الأفاكون". هذا كذلك فيه معنى من معاني الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما هو من فوائد إيش؟ من فوائد أسباب النزول. قال رحمه الله تعالى: "الثالث": "بيان عناية الله تعالى بعباده في تفريج كرباتهم وإزالة غمومهم". قال: "مثال ذلك": آية التيمم. "ففي صحيح البخاري: أنه ضاع عقد لعائشة رضي الله عنها، وهي مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره". فأقام النبي صلى الله عليه وسلم لطلبه، وأقام الناس على غير ماء، فشكوا ذلك إلى أبي بكر، فذكر الحديث. وفيه: "فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا". فقال أسيد بن حضير: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر". والحديث في البخاري مطولًا. الشاهد من أن الله جل وعلا -كما ذكر رحمه الله تعالى- أن أسباب النزول من فوائدها: عناية الله جل وعلا بالمؤمنين، ولطفه بهم بتفريج كرباتهم وإزالة ماذا؟ همومهم. وكما ذكر وأشار الحديث المذكور في قصة ماذا؟ ضياع عقد عائشة رضي الله عنها وأرضاها. والحديث فيه: أن الصحابة لم يكن معهم ماء، فأرادوا أن ينطلقوا. فعائشة رضي الله عنها أضاعت عقدًا استعارته من أختها أسماء، فوقف الجيش عن الرحيل، وكانوا يبحثون عن عقد عائشة، يبحثون عن عقد عائشة حتى تأخروا، فما استطاعوا أن يدركوا مكان الماء، فاحتاج الناس إلى الصلاة، جاء وقت الصلاة ولا ماء، فصلوا تلك الصلاة من غير طهور، ولم تنزل حينها آية التيمم قبل ذلك. أي: لم يكن التيمم مشروعًا قبل ذلك. إنما كان الوضوء، فصلوا صلاة -يعني الصلاة- بغير ماذا؟ بغير طهور. فلما حصل هذا، أنزل الله جل وعلا آية التيمم. آية التيمم كان فيها التخفيف: أن من لم يجد الماء ينتقل إليه إلى الصعيد الطيب، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. فهذا من هذا الباب: من تفريج الكربات، ومن التخفيف التي خفف الله جل وعلا به على عباده. فهذا سبب كان منه إنزال الله جل وعلا أو كان به إنزال الله جل وعلا التخفيف في الطهارة بالطهارة بماذا؟ بالتيمم. هذا كذلك من أسباب إيش؟ من أسباب فوائد أو من فوائد أسباب النزول. قوله رحمه الله تعالى: "الرابع": "فهم الآية على الوجه الصحيح". وهذا لعله أن يكون عندنا الآن أهمها. عندنا الآن أهم شيء في أسباب النزول هذا الأمر. وإلا في الفوائد الثلاثة المذكورة كلها كانت في زمن من؟ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. لكن نحن نستفيد من أسباب النزول ماذا؟ نستفيد من الأمور التي نستفيد منها هذا الأمر: فهم الآية على الوجه الصحيح. فهم الآية على الوجه الصحيح: أي أننا إذا علمنا سبب النزول، اتضح لنا معنى الآية. وذلك لأن الآية قد يكون فيها عموم، الآية قد يكون فيها ماذا؟ أشياء وعمومات. لكن أسباب النزول يبين لنا ماذا؟ ما هو المقصد من الآية؟ ثم بهذا المقصد نعلم العلة، وبمعرفة العلة ندير معها ماذا؟ الحكم. واضح. كما سيأتي معنا: أن العبرة بعموم اللفظة بخصوص السبب. واضح. وكذلك سيأتي معنا أو الإشارات في هذا: إلى أن العبرة في الحكم: أن العبرة في الخاص ليس الحكم، وإنما هو الوصف، وهو المعبر عنه بأن العلة أو الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. الحاصل من هذا: أن من الفوائد العظيمة التي نستفيدها نحن الآن: نستفيدها نحن الآن: أننا بمعرفة سبب النزول، يتضح لنا معنى الآية جليًا. نفهم منه معنى الآية جليًا. وسيذكر الشيخ رحمه الله تعالى أمثلة لذلك. من ذلك: قال: "مثال ذلك": قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. قال: "أي": يسعى بينهما. "فإن قال": فإن ظاهر قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾: أن غاية أمر السعي بينهما أن يكون من قسم مباح. واضح. الإنسان إذا نظر إلى قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. معروف أن رفع الجناح هل يدل على الوجوب أم يدل على الاستحباب أم يدل على إيش؟ على الإباحة. يدل على الإباحة. قال: "الأصل": أن إذا قرأنا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾، يتضح لنا: نقول: رفع الجناح، رفع الجناح يدل على إيش؟ على الإباحة. رفع الجناح يدل على ماذا؟ على الإباحة. كأن الله جل وعلا -كأن إنسان يقول- كأن الله جل وعلا يقول: "فلا إثم عليه". من تطوف، "فلا إثم عليه". يعني: مثال آخر: من أكل الطعام، "فلا جناح عليه". من شرب الماء، "فلا جناح عليه". واضح. هذا من باب إيش؟ نستفيد منه هذا اللفظ: رفع الحرج. ورفع الحرج غاية أن نستفيد منه إيش؟ الإباحة. قال: "فإن ظاهر قوله": ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾: "أن غاية أمر السعي بينهما أن يكون من قسم المباح". قسم المباح فقط. واضح. قال: "وفي صحيح البخاري عن عاصم بن سليمان": قال: "سألته": أنس بن مالك "عن الصفا والمروة". قال: "كُنا نرى أنهما من أمر الجاهلية". كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية. فلما كان الإسلام، أمسكنا عنهما؛ لماذا؟ أنهم يرون أنهم من أمور الجاهلية؛ لأن في أيام الجاهلية كان على الصفا صنم، وكان على المروة ماذا؟ صنم. فكانوا يطوفون، ومن أجل يلتمسوا بركة أولئك الأصنام، ويتعبدون لها. فلما جاء الإسلام، تحرجوا من ذلك. واضح. تحرجوا، فظنوا أنه إيش؟ أنه محرم. فقال الله جل وعلا ماذا؟ في قول الله جل وعلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾: أي: الطوف بهما. هل هنا رفع الجناح رفع الجناح؛ لأجل أن يظهر أنه مباح فقط، أم أنه شيء أعلى من ذلك؟ يقول الشيخ رحمه الله: "يقول عن أنس": أنه قال: "كُنا نرى أنهما من أمر الجاهلية". فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما. "فأنزل الله تعالى": ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: من شعائر من؟ ليست من شعائر الجاهلية، وإنما من شعائر من؟ من شعائر الله. إلى قوله: ﴿أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾: أي: فمن حج البيت أو اعتمر، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. قال الشيخ: "وبهذا عرف أن نفي الجناح": نفي الجناح "ليس المراد به بيان أصل حكم السعي، وإنما المراد نفي تحرجهم". نفي تحرجهم "بإمساكهم عنه؛ حيث كانوا يرون أنها من أمر الجاهلية". سبب النزول: بيان لنا ما المقصود بقوله -يعني في قول الله جل وعلا-: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾: أي: الطوف بهما. فلا جناح عليه؛ لرفع الحرج الذي وجدوه من إيش؟ من الطوف بينهما. لا أنه بيان لحكم الطوف بين ماذا؟ بين الصفا والمروة في الحج أو العمرة. واضح أم لا؟ فأشهد من هذا: أن هذا فيه فائدة. ما هي الفائدة؟ أن قول الله جل وعلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾: ما نستفيد منه: ليس فيه مجرد إثبات حكم الإباحة؛ كما قد يتبادر لمن لم يقف على سبب النزول. ولكن قول الله جل وعلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾: أي: الطوف بهما؛ أي: ممن كان يظن أن الطوف بينهما فيه إثم وحرج. واضح يا جماعة. فيقول الشيخ رحمه الله: "قالوا": بهذا "عرف أن نفي الجناح": ليس المراد "به بيان أصل حكم السعي، وإنما المراد نفي تحرجهم بإمساكهم عنه؛ حيث كانوا يرون أنها من أمر الجاهلية". قال: "أما أصل حكم السعي": فقد تبين "بقوله": ﴿مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: من شعائر من؟ من شعائر الله. وأصح من ذلك: ما جاء في صحيح مسلم: من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: أن عروة بن الزبير رضي الله عنه ورحمه الله سأل خالته عائشة عن هذه الآية. عن هذه الآية. عن حكم عن حكم ماذا؟ عن حكم الطواف أو السعي بين الصفا والمروة. فذكرت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: نحو ما ذكره أنس. وقالت: "فإن الله جل وعلا يقول": ﴿إِنَّهَا مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. قال: "فلا حج ولا اعتمر من لا يسعى". من لم يسعى بين الصفا والمروة. لذا ذهب جماهير العلماء إلى وجوبه. بل ذهب جماعة كبيرة من العلماء إلى أنها من أركان الحج والعمرة. من أركان الحج والعمرة. أي: السعي. سعي طواف الإفاضة. وكذلك طواف العمرة. السعي فيهما. قالوا: أنها من ماذا؟ من أركان الحج، ومن أركان العمرة. مستدلين بهذه الآية، وما جاء من أسباب النزول، وما ذكره الصحابة رضي الله عنهم وأرضى، مبينين لهذا الحكم. فعلم من قول الله جل وعلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾: المقصود. وأنه ليس مجرد الإباحة، وإنما هو أمر أرقى. لذا قال الله جل وعلا ماذا؟ ﴿مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: من شعائر الله. فهذه فائدة من فوائد أسباب النزول. وقد ذكر العلماء رحمهم الله أشياء أخرى، منها: ما ذكر على الإمام الشافعي رحمه الله: أنه ذكر في قول الله جل وعلا: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾: إلى آخر الآية. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "قال": ليس معناه حصر. ليس معناه الحصر؛ لأن القارئ لهذه الآية قد يفهم منه إيش؟ حصر المحرمات في هذه الأشياء المذكورة. فيقول الإمام الشافعي رحمه الله: "ليس المقصود حصر المحرمات": قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمهم إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير إلى آخر الآية. يقول الشافعي: "ليس المقصود بقوله": إلا "الحصر". ولكن المقصود: أن الجاهليين -يعني الآن يربط السبب بماذا؟ بالآية. يربط السبب النزول بماذا؟ بنزول الآية. يقول: بأن الجاهليين لما كانوا يعتقدون حل هذه الأشياء -حل هذه الأشياء- بيّن الله جل وعلا أن هذه الأشياء التي كانوا يحلونها هي من المحرمات. هي من المحرمات التي يجب اجتنابها. لا أن المحرمات محصورة. واضحة جماعة. فنستفيد منه ماذا؟ نستفيد من أسباب النزول: معرفة أن اللفظة أو أن الحكم عام، وإن كان ظاهره إيش؟ الخصوص. وإن كان ظاهره الخصوص. وهذا مما -كما يقال- استنبطه وذكره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره. وله فوائد أخرى. وله فوائد أخرى، منها: يعني من الأسباب: من معرفة الأسباب: أن نعلم كذلك ماذا؟ الناسخ من المنسوخ. نعلم إيش؟ الناسخ من المنسوخ. يعني: كذا وكذا، فأنزل الله كذا وكذا. نعلم الناسخ المنسوخ من أين يا جماعة؟ من هذه الأسباب. السبب النزول: كان كذا وكذا، فأنزل الله كذا وكذا. مثل ماذا؟ يعني: على سبيل المثال: أسارى بدر. تعرفون قصة أسارى بدر. حينما أرادوا أن يفادوهم، وكان عمر -رضي الله عنه- يرى أن يقتلوا. فنزل الوحي بماذا؟ بإقرار ما قاله عمر. ثم جاء النسخ، ثم جاء النسخ بماذا؟ بجواز الفداء في شأن أسارى بدر. كل هذا في ماذا؟ في سبب النزول. كل هذا في سبب ماذا؟ في سبب النزول. عرفنا الناسخ من المنسوخ: أن هذه كانت الآية في أول أمر، ثم أنزل الله عز وجل كذا وكذا. ثم أنزل الله عز وجل كذا وكذا. وله نظائر كثيرة. واضحة جماعة. فيستفاد من أحكام معرفة العام الخاص، ومعرفة الناسخ من المنسوخ، ومعرفة كذلك -يعني كما يقال- حقيقة فهم الآية، ومقصد الله جل وعلا أو مراد الله جل وعلا من هذه الآية. وما شابه ذلك من الأسباب والفوائد التي ذكرها العلماء رحمه الله تعالى تحت هذا الفصل. وإنما الشيخ رحمه الله تعالى ذكر إشارات في هذا المبحث. قوله رحمه الله تعالى: "قال": "عموم اللفظ وخصوص السبب". أي: هذه مسألة من المسائل التي يذكرها العلماء رحمه الله تعالى. وهي مسألة -كما أنها مذكورة في أصول التفسير- يذكرها العلماء رحمه الله تعالى كذلك في أصول الفقه. وهي مسألة كمسألة عموم اللفظ وخصوص السبب. وهي مرتبطة كذلك بالأسباب: هل المقصود بمعرفة السبب أن يكون الحكم منزلًا على ذلك السبب فلا يتعدى؟ أم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ الجواب ماذا؟ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. يقول الشيخ رحمه الله: "إذا نزلت الآية لسبب خاص": نزلت الآية لسبب خاص. أي: في إنسان خاص. في إنسان خاص. في أمر خاص. في حكم خاص. أو في قضية خاصة. يقول: "إذا نزلت الآية لسبب خاص، ولفظها عام": ولفظها عام. "كان حكمها شاملًا لسببها". وهذا يدخل فيه دخولًا أوليًا. واضح. قال: "ولكل ما يتناوله لفظها". ولكل ما يتناوله لفظها؛ لماذا؟ قال: "لأن القرآن نزلت شريعة عامة لجميع الأمة". فكانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص سببه. لا بخصوص سببه. وأيضًا: أن القرآن لما كان اللفظ الواحد منه يدل على معاني كثيرة. على معاني كثيرة. فيأتي الحكم في القضية الخاصة، والمقصود به ماذا؟ حكم عام. حكم عام. وهذا من هذا الباب. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: "مثال ذلك": آيات اللعان. وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. قال: "ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة أو حد في ظهرك". أي: عليك البينة أو عليك حد في ماذا؟ في ظهرك. قال: "فقال هلال": والذي بعثك بالحق، إني لصادق. "فلا ينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد". فنزل جبريل، وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. فقرأه حتى بلغ: ﴿إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. الحديث. قال: "فهذه الآيات نزلت بسبب قذف هلال بن أمية لامرأته". لكن حكمها شامل له ولغيره. بمعنى: أن كل من رأى امرأته على فاحشة، وليس عنده شهداء، فإن هذا الحكم يتناوله. واضح جماعة. يلاعن. هذا الحكم ماذا؟ يتناوله. قال: "بدليل ما رواه البخاري من الحديث": سهل بن سعد رضي الله عنه: "أن عوامر العجلاني جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم". فقال: "يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلًا، أيقتلوه؟ فتقتلونه؟ أم كيف يصنع؟". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبته". فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملاعنة بما سمى الله في كتابه. فلاعنها. الحديث. قال: "فجعل النبي صلى الله عليه وسلم حكم هذه الآيات شاملًا لهلال بن أمية وغيره". نكتفي بهذا، ونرجع إلى هذه الفقرة في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا للمشاهدة.