الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 6، ألقاها
يشرح المقطع قاعدة فقهية وهي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب في التشريع الإسلامي، ويستشهد بآيات وأحاديث نبوية. يُوضح هذه القاعدة من خلال أمثلة محددة مثل قصة الرجل الذي قبل امرأة وقصة هلال بن أمية في اللعان.
يناقش تعريف المكي والمدني في القرآن الكريم، حيث يُعرَّف المكي بأنه ما نزل قبل الهجرة، والمدني بأنه ما نزل بعدها. يُميز بينهما من حيث الأسلوب والموضوع، مع توضيح خصائص كل منهما.
يذكر فوائد معرفة المكي والمدني في القرآن، منها ظهور بلاغة القرآن وتدرج تشريع الأحكام، وتربية الدعاة إلى الله تعالى، وتمييز الناسخ من المنسوخ. هذه المعرفة تساعد في فهم الأسلوب القرآني وتوجيه الدعاة وتفسير الأحكام الشرعية.
يعبر عن الدعاء والاستغفار والتسبيح لله تعالى، ويتضمن ترديد صيغة استغفار وتوبة واستعانة بالله. يُظهر تواضع المتحدث وإقراره بعظمة الله وطلب المغفرة منه.
الحمد كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند كلام الشيخ رحمه الله تعالى على مسألة عموم اللفظ وخصوص السبب، وقرأناها، لكن قلنا نرجع إليها في الدرس الآتي، فنرجع إليها اليوم بإذن الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: «عموم اللفظ وخصوص السبب». قال: إذا نزلت الآية لسبب خاص، ولفظها عام، كان حكمها شاملًا لسببها ولكل ما يتناوله لفظها؛ لأن القرآن نزل تشريعًا عامًا لجميع الأمة، فكانت العبرة بعموم لفظه لا بخصوص سببه. وكذلك ذكره الشيخ رحمه الله تعالى، وبيّن أن أسباب النزول إلى جانب ما ذكر من فوائدها، فليس معنى هذا أن الآية إذا نزلت في سبب خاص أنها تكون محصورة ومخصصة على ذلك السبب؛ لماذا؟ لعموم التشريع. وهذه قاعدة عند العلماء رحمهم الله تعالى: أن العبرة بعموم التشريع. وأيضًا قاعدة أخرى مشهورة ذكرها الشيخ رحمه الله: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لماذا؟ لأن الشرع عام، الأصل أن الشرع عام لا يخص واحدًا دون واحد، الأصل أن الشرع عام لا يخص أحدًا دون أحد إلا بدليل واضح. فإذا عندنا قاعدة وأصل عام، وهذا الأصل وهذه القاعدة العامة يستثنى منها ما يستثنى بماذا؟ بدليل. فما هي القاعدة العامة؟ القاعدة العامة أن الأصل في ذلك عموم التشريع، والأصل عموم اللفظ لا خصوص السبب، إلا أن يدل دليل على الخصوصية. مثال ذلك: ما جاء في قصة ذلك الرجل الذي قبل امرأة، فندم، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم تائبًا نادمًا متحسرًا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما وقع منه، فأنزل الله جل وعلا في كتابه الكريم قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُبُورِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. وفي آخر الآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. فقال الرجل: يا رسول الله، هي لي خاصة أم للناس عامة؟ قال: «بل للناس عامة». فالرجل لما سمع الآية التي فيها الأمر بإقامة الصلاة، وإخبار الله جل وعلا بأن الحسنات يذهبن السيئات، الرجل ظن أن الآية لما نزلت فيه أنها خاصة بهذا الرجل، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأمر على ما ذكر، بمعنى عموم اللفظ لا خصوص السبب، بل هي للناس عامة. وكذلك في قصة الرجل الذي كان له ولد يحبه كثيرًا، فجاء يومًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم ير معه ولده، وكان حزينًا، فقال الرجل - أو قال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل: «أين ولدك الذي كان يسحبك؟» قال: مات يا رسول الله. قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتحبه؟» قال: يا رسول الله، أحبك الله كما أحبه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مسليًا له: «ألا تحب أنك لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته عندك؟» قالوا: أله؟ قال: «بلى». فلما سمع ذلك الصحابة، قالوا: يا رسول الله، أله خاصة؟ قال: «لا، بل لكلكم». أي: أن إنسانًا إذا مات عليه صبي واحتسبه عند الله عز وجل، فإنه يكون شفيعًا له بإذن الله جل وعلا يوم القيامة. فهذا من هذا الباب: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ولذلك نظائر كثيرة. ومنها ما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هنا بقوله: مثال ذلك آيات اللعان، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾. قال: ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء». قذف امرأته يعني: يقول إنه رأى شريك بن سحماء يقع عليها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة أو حد في ظهرك». فحينها لم ينزل حكم خاص بقذف الرجل لمرأته، فبقي النبي صلى الله عليه وسلم واستصحب الحكم العام في أن من قذف مسلمًا إما أن يأتي بأربعة شهداء وإما أن يجلد. فالرجل لما كان صادقًا قال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلا ينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد. فنزل جبريل، وأنزل على نبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآيات في أواخر سورة النور. يقول الشيخ رحمه الله: فهذه الآيات نزلت بسبب قذف هلال بن أمية امرأته، لكن حكمها شامل له ولغيره؛ بدليل ما رواه البخاري من حديث سهل بن سعد: «أن عويمر العجلاني جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فيقتلونه أم كيف يصنع؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك». فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملاعنة بما سمى الله في كتابه. فلاعنها. يقول الشيخ رحمه الله: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم حكم هذه الآية شاملًا لهلال بن أمية ولغيره. وذكر الشيخ رحمه الله تعالى هذا المثال، لكن هذا المثال نوزع فيه الشيخ؛ وذلك لأن الحديث الأول فيه دلالة على أنها نزلت في هلال بن أمية، والحديث الآخر فيه دلالة على أنها نزلت في عويمر العجلاني. فالآيات أو الحديثان يدلان على أنها نزلت فيهما معًا. لذا قالوا: فهذا المثال لا يصلح لهذه المسألة؛ لماذا؟ لأن كلا الرجلين يعدان سببًا لنزول هذه الآيات: عويمر وهلال. والكلام على هذا الإشكال يعني قبل الكلام عليه أولًا نعلم أو الكلام عليه من عدة أمور. الأمر الأول: أن يقال: هل يعني الآية أو الآيات نزلت فيهما معًا أو أنها نزلت في أحدهما وفي الآخر أخذ الحكم حينما نزلت الآيات؟ من أهل العلم من ذهب إلى أن هذا سأل وهذا سأل، فنزلت الآية فيهما جميعًا. وعلى هذا الأمر وبهذا الاعتبار لا يكون في الآية دلالة أو في هذا المثال دلالة لما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى. ومن أهل العلم من قال: أن الآية أصلا ورأسًا نزلت في هلال، يعني جاء هلال يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إما البينة وإما حد في ظهرك». فذهب وقال: لا يبرئ ظهري إن الله ماذا؟ فلما جاءت نزلت الآيات. جاء عويمر يسأل، فلما جاء عويمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نزلت فيك أو في صاحبتك كذا وكذا». فيكون الأصل جعلوه أن نزلت لهلال، ثم صادف أن جاء عويمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد نزلت فيكم كذا وكذا». فيكون الأصل هلال، ويكون عويمر جاء عند نزولها لا قبل النزول. وعلى هذا وعلى هذا المعنى وبهذا الاعتبار يصح المثال الذي ذكره الشيخ رحمه الله تعالى. ولعل الشيخ أراد هذا. وبقي أن نقول: سواء قلنا بالقول الأول أو بالقول الثاني يصح هذا المثال؛ لكن باعتبار آخر، ما هو الاعتبار الآخر؟ الاعتبار الآخر: أن هذه الآيات باتفاق العلماء رحمهم الله تعالى تدخل أو يدخل فيها كل رجل قذف امرأته. فإن هذه الآيات تشملهم ماذا؟ بالملاعنة. فيقول: مثال صحيح بهذا الاعتبار لا باعتبار هذين الرجلين، لكن باعتبار ما هو أعم. وقد نقل بعضهم الاتفاق على هذا المعنى، أي على هذا المثال المذكور: على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما ذكر ذلك الزركشي رحمه الله تعالى في كتاب البرهان. فيكون مثالًا صحيحًا باعتبار الآيات، وإن كانت نزلت في هلال أو في هلال وعويمر، إلا أنها عامة باتفاق الأئمة رحمهم الله. إذن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيصح المثال بهذا الاعتبار. قال رحمه الله تعالى: «الرابع: المكي والمدني». أي: القرآن أو آيات القرآن، سواء كان سور القرآن أو آيات القرآن، منها المكية ومنها المدنية. أي: منها ما يقال بأنه مكي باعتبار أنه نزل في مكة أو باعتبار آخر سيأتي ذكره، ومنها المدني الذي نزل في المدينة أو بالاعتبار الذي سيأتي ذكره. فقال: نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقًا في خلال ثلاث وعشرين سنة، قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرها بمكة. قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. ولذلك قسم العلماء رحمهم الله تعالى القرآن إلى قسمين: مكي ومدني. فالمكي ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته إلى المدينة، والمدني ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة. وهذا الضابط الذي ذكره الشيخ رحمه الله تعالى هو أقرب الضوابط في التفريق بين المكي والمدني. يعني قد يقول إنسان: ما هو ضابط المكي؟ نقول: ضابط المكي ما كان قبل الهجرة يسمى مكيًا. وما هو ضابط المدني؟ ضابط المدني ما كان بعد الهجرة يسمى مدنيًا، ولو أنه نزل عليه في مكة. يعني على سبيل المثال: قول الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ نزلت عن النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يوم عرفة؛ كما في صحيح البخاري وغيره من حديث عمر. فبهذا التعريف وبهذا الضابط تكون مدنية؛ لماذا؟ لأنها بعد الهجرة. قال رحمه الله تعالى: وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ من قسم المدني، وإن كانت نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بعرفة. ففي صحيح البخاري عن عمر قال: «قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، نزلت وهو قائم بعرفة يوم جمعة». والأمر كما ذكر الشيخ رحمه الله، نعم نزلت في مكة، ولكنها مدنية للضابط المذكور. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: ويتميز القسم المكي عن المدني من حيث الأسلوب والموضوع. الآن الشيخ رحمه الله تعالى سيذكر بعض الأشياء والمميزات التي بها يستطيع الإنسان أن يميز بين القرآن. فيقول: هذا مكي أو هذه آيات مكية، وهذه آيات مدنية. يقول الشيخ رحمه الله: أما من حيث الأسلوب، فهو الغالب المكي قوة الأسلوب وشدة الخطاب؛ لأن غالب المخاطبين معرضون مستكبرون، ولا يليق بهم إلا ذلك. اقرأ سورتين: المدثر والقمر. يعني يقرأ الإنسان فيها يجد فيها قوة: «يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر، ولا تمنن تستكثر، ولربك فاصبر». إلى آخر الآيات، فيها معنى من معاني القوة وشدة الخطاب. قال رحمه الله: أما المدني، فالغالب في أسلوبه اللين وسهولة الخطاب؛ لأن غالب المخاطبين مقبولون أو مقبلون. اقرأ سورة المائدة، يعني الذي يقرأ سورة المائدة يجدها فيها ترغيب، وفيها أسلوب دعوة إلى طاعة الله وبطاعة رسوله. قال رحمه الله تعالى: الغالب الثاني: الغالب في المكي قصر الآيات وقوة المحاجة. آية قصيرة ولكن قوية في المحاجة. قال: لأن غالب المخاطبين معاندون مشاقون، فخوطبوا بما تقتضيه حالهم. اقرأ سورة الطور. فيها قوة المحاجة: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ إلى آخر الآيات. قال جبير بن مطعم رضي الله عنه: «كاد قلبي أن يطير» مع أنه كان مشركًا، لكن لما سمع القوة والأسلوب البليغ قال: «كاد قلبي أن يطير» مما سمعه من الآيات. فهذه من المحاجة: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ أي: هل خلقوا أنفسهم؟ الجواب: لا، لابد أن يكون خلقوا بشيء. ﴿أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ الذين خلقوا أنفسهم؟ لا، ما خلقنا أنفسنا. إذن ما الخالق لهم؟ هو الله جل وعلا. وإذا كان الله جل وعلا هو الخالق لهم، فماذا؟ فهو الذي يستحق العبادة وحده. قال رحمه الله تعالى: أما المدني، فالغالب فيه طول الآيات وذكر الأحكام مرسلة بدون محاجة؛ لأن حالهم تقتضي ذلك. اقرأ آية الدين في سورة البقرة، يعني كيف بسطها الله جل وعلا في أحكام الدين. آية واحدة ولكن أطول آية في القرآن. قال رحمه الله تعالى: وأما من حيث الموضوع، فهو واحد. يعني حيث الموضوع أي موضوع الآيات. قال: الغالب في المكي تقرير التوحيد والعقيدة السليمة. المكي ما دار حول التوحيد. لماذا؟ قال: خصوصًا ما يتعلق بتوحيد الألوهية والإيمان بالبعث؛ لأن غالب المخاطبين ينكرون ذلك. فخاطبهم الله جل وعلا، وكانت الآيات المكية في موضوعها في شأن هؤلاء وفي حق هؤلاء، فيها تقرير التوحيد الألوهية وتقرير كذلك أمر المعاد والبعث. فهذا باعتبار الموضوع. فنحن إذا رأينا الآيات التي فيها ذكر المعاد وتقرير المعاد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى آخر ما ذكره الله جل وعلا. ففيها معنى المحاجة لهم، وفيها معنى تقرير المعاد. قال: أما المدني، فالغالب فيه تفصيل العبادات والمعاملات. يعني إذا رأينا الآيات مثلًا: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ثم تفصيل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، وما شابه ذلك. كل تفاصيل أحكام، فهو من المدني. كل ما كان فيه تفصيل أحكام فهو من المدني. قال: لأن المخاطبين قد تقرر في نفوسهم التوحيد والعقيدة السليمة، فهم في حاجة لتفصيل العبادات والمعاملات. الثاني: الإفاضة في ذكر الجهاد وأحكامه، والمنافقين وأحوالهم. هذا من قسم المدني؛ لإقتضاء الحال ذلك، حيث شرع الجهاد وظهر النفاق، بخلاف القسم المكي؛ ليس فيه جهاد، ما فيه آيات تحث على الجهاد، بل فيه آيات تحث على الصبر على الأذى. قال: فإذا من حيث الموضوع نستطيع أن نميز بين المكي والمدني بهذا. آيات الأحكام مباشرة نعلم أنها مدنية، آيات القتال مباشرة نعلم أنها مدنية، آيات فيها ذكر المنافقين والتفاصيل أحكامهم نعلم أنها مدنية؛ لماذا؟ لأن النفاق ما ظهر إلا في المدينة؛ لقوة الإيمان. قال رحمه الله تعالى: «فوائد معرفة المكي والمدني». العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا فوائد في معرفة المكي والمدني؛ لماذا؟ العلماء رحمهم الله تعالى قالوا: هذا القرآن مكي وهذا مدني، هل هو عبث؟ هل هو فضول العلم؟ الجواب: لا، ولكن لفوائد. منها: «ظهور بلاغة القرآن في أعلى مراتبها؛ حيث يخاطب كل قوم بما تقتضيه حالهم من قوة وشدة ولين وسهولة». وهذا كما ذكر رحمه الله تعالى في دلالة على قوة أسلوب القرآن؛ لأن الإنسان إذا خاطب كل قوم بما يناسبهم دل على بلاغته. قال: «الثاني: ظهور حكمة تشريع غاياته؛ حيث يتدرج شيئًا فشيئًا بحسب الأهم على ما تقتضيه حال المخاطبين واستعدادهم للقبول والتنفيذ». يعني كما ذكر الشيخ رحمه الله في إشارة إلى هذا المعنى: فكما ذكرنا آيات القتال، إذا شرعت في مكة هل كانوا مستعدين؟ ليسوا مستعدين. فكان من حكمة الله جل وعلا أن أخرها حتى تهيأت الدولة وتهيأ رجالها، فلما تهيأوا للقتال شرع الله القتال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فهذا من هذا الأمر أيضًا: أحكام الشرعية، تفاصيل الأحكام، تفاصيل الوضوء، تفاصيل الصلاة، تفاصيل الصيام، الحج. متى شرعت؟ خاصة تفاصيل ما شرعت إلا في المدينة؛ لأن الناس تهيأوا لها. قال: «الثالثة: تربية الدعاة إلى الله تعالى وتوجيههم إلى أن يتبعوا ما سلكه القرآن في الأسلوب والموضوع من حيث المخاطبين؛ بحيث يبدأ بالأهم فالأهم، ويستعمل الشدة في موضعها والسهولة في موضعها». هذا كذلك من الأمور المهمة: أن في معرفة المكي من المدني وما ترتب عن المدني من الأسلوب، وكذلك من التعليم، يبدأ الداعي في التعليم عند قوم. أول ما يدخل عليهم الدعوة بماذا يبدأ؟ وعند قوم قد عرفوا الدعوة وعرفوا التوحيد وعرفوا الخير، كيف يبدأ معهم؟ وكيف يتعامل مع الأولين؟ وكيف يتعامل مع الآخرين؟ فيتعامل مع كل قوم بما يناسبهم. قال: «الرابع: تمييز الناسخ من المنسوخ». وهذا من أهم الأمور باعتبار ما يحتاجه الإنسان من الأحكام. ما هو تمييز الناسخ من المنسوخ؟ قال: فيما لو وردت آيتان مكية ومدنية يتحقق فيهما شروط النسخ، فإن المدنية ناسخة للمكية؛ لتأخر المدنية عنها. لكن على التعريف المذكور لا نستطيع أن نسلم مطلقًا. على الأقوال الأخرى في التفريق بين المدنية والمكي، فلا نستطيع أن نقول هذا. على التعريف المذكور لذكره الشيخ رحمه الله تعالى: أن المكي ما كان قبل الهجرة، والمدني ما كان بعد الهجرة. الأمر كما ذكر، بمعنى أنه لو رأينا آيتين ظاهرهما التعارض، وما استطعنا الجمع بأحد أوجه الجمع المعتبرة من غير تكلف، نرجع إلى الناسخ من المنسوخ. والناسخ والمنسوخ قد يكون بنص القرآن، وقد يكون بنص النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون بنص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول: هذه الآية نسختها هذه الآية. فإن لم نعلم هذه الأمور ولم نعلم التواريخ، انتقلنا إلى مسألة المكي من المدني. نقول: ما دام أن هذه مكية وهذه مدنية، إذن هذه متأخرة فهي ناسخة؛ لماذا؟ لأنها مدنية. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.