شرح قرة عيون الموحدين 75

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 75، ألقاها

مقدمة في شكر النعمة وأنواع الشرك فيها

يتناول المقطع الأول مفهوم إضافة النعمة إلى غير الله تعالى وأنواع الشرك في النعم، حيث يشرح الشيخ عبد الرحمن بن حسن أنواع الشرك في النعم. يبدأ بالشرك الأكبر كاعتقاد أن غير الله هو الموجد للنعم.

تفسير آية ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ وتأويلاتها

يشرح المقطع الثاني الحالة السابعة لإضافة النعمة إلى غير الله، وهي الاعتقاد بأن سببًا غير حقيقي هو وراء النعمة. كما يفسر معنى آية ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ وتفسيراتها المختلفة.

حكم نسبة النعم إلى غير الله والرد على إشكالاتها

يناقش المقطع الثالث حكم نسبة النعم إلى غير الله وإسناد أسبابها إليه، ويبين أن ذلك يعد من أنواع الشرك. يستدل على ذلك بكلام شيخ الإسلام ويرد على إشكالات حول إضافة النعمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

جواز إضافة النعمة إلى السبب في الإخبار المحض وتوضيحه

يجوز إضافة النعمة إلى السبب إذا كان على سبيل الإخبار المحض كما في الآية الكريمة، ولا إشكال في ذلك إذا كان المخبر هو الله تعالى. يوضح هذا المقطع الرابع هذه المسألة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب -عليهم رحمة الله تعالى جميعا- في كتابه «قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين»: قال قوله -أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى- في كتابه «التوحيد»، باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾. عقد الشيخ -رحمه الله تعالى- هذا الباب في كتابه المبارك «كتاب التوحيد» ليبين أدبًا من الآداب الواجبة على العبد مع ربه جل وعلا. وهذا الأدب هو أن يعرف العبد فضل الله جل وعلا عليه ونعمته، وأن يضيف النعمة إلى مسديها وإلى معطيها حقيقة، وهو الله جل وعلا. وأن من أضاف النعمة إلى غير الله جل وعلا، كما أنه أساء الأدب مع الله جل وعلا، فقد وقع كذلك في نوع من الشرك بالله جل وعلا. وذلك أن إضافة النعمة إلى غير الله جل وعلا لها أحوال، ولكل حال حكم يخصه. فمن الأحوال -أولى تلك الأحوال- أن يضيف العبد النعمة إلى غير الله جل وعلا، معتقدا أن ذلك الغير هو الموجد لتلك النعمة، وهو المؤثر لحصول تلك النعمة، كاعتقاد المشركين الأول في الكواكب ونحوها أنها الموجدة للنعم. وهذا الأمر وهذه الحالة شرك أكبر، إذ أنه اعتقد أن غير الله جل وعلا يوجد شيئا ويخلق شيئا، فيكون وقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله جل وعلا. الحالة الثانية: أن يضيف النعمة إلى سبب شفاعة الشفعاء من المقبورين والأولياء وأصحاب الولايات وما شابه ذلك، ويعتقد أن النعمة بلغته ووصلت إليه بشفاعة أولئك وبوساطة أولئك، ولولا أولئك الشفعاء وأولئك الوسطاء لما وصلت إليه تلك النعمة، كحال كثير من المفتونين من القبورية الذين يقولون: «لولا فلان لما كان كذا وكذا». وهذا كذلك شرك أكبر، والعياذ بالله. الحالة الثالثة: أن يضيف النعمة إلى سبب حقيقي مع تناسي المنعم -وهو الله جل وعلا-، فهذا نوع شرك أصغر، إذ أنه أضاف النعمة إلى السبب وتناسى المسبب لتلك النعمة والخالق لتلك النعمة، بل ولذلك السبب. الحالة الرابعة: أن يضيف النعمة إلى سبب حقيقي على سبيل الفخر والعجب والمباهة، وهذا كذلك نوع شرك أصغر، كان يقول: «هذا المال ورثته عن آبائي كابرا عن كابر». وكما في قول الله جل وعلا عن قارون: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾، أي أوتي ما أوتي من النعم على علم. الحالة الخامسة: أن يضيف النعمة إلى سبب حقيقي مع عدم تناسي المنعم، فهذا لا بأس به على الصحيح. الحالة السادسة: أن يضيف النعمة إلى سبب حقيقي على سبيل الإخبار المحض، فهذا كذلك جائز مشروع. الحالة السابعة: أن يضيف النعمة إلى سبب غير حقيقي، متوهما أنه سبب في تلك النعمة، كاعتقاد من علق التمائم ونحوها أنها دفع بها عنه العين، فهذا كذلك نوع شرك أصغر، لأنه جعل ما ليس سببا سببا. إذن الأحوال في إضافة النعم إلى غير الله جل وعلا سبع أحوال. وقوله: «باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾»، ذكره لهذا الباب بعد الباب السابق -وهو قوله: «باب من جاحد شيئا من الأسماء والصفات»- لمناسبة لطيفة. وهي أن من جاحد شيئا من الأسماء والصفات، فقد نفى عن الله جل وعلا شيئا مما هو من حقوق الله جل وعلا ومما هو من خصائص الله جل وعلا. وكذلك من أضاف النعمة إلى غير الله جل وعلا، كذلك حصل له هذا المعنى، إذ أنه أضاف ما هو لله جل وعلا من النعم إلى غير الله جل وعلا، فحصل التناسب بين الباب والباب قبله. قال -رحمه الله تعالى-: «باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ إلى آخر الآية». قال: «قال ابن جرير: فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيين بالنعمة». فذكر عن سفيان عن السدي: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾، قال: «محمد صلى الله عليه وسلم». وقال آخرون: «بل معنى ذلك أنهم يعرفون أن ما عدد الله تعالى ذكره في هذه السورة -أي في سورة النحل- من النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم عليهم بذلك، ولكنهم ينكرون ذلك، فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم على سبيل التباهي والعجب والتفاخر». قال: «وأخرجا -أي ابن جرير- عن مجاهد: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾، قال: هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، يعرف هذا كفار قريش، ثم ينكرونه بأن يقول: هذا كان لآبائنا فورثناه». والأثران صحيحان. قال: «وقول عون بن عبد الله: يقولون: «لولا فلان لم يكن كذا وكذا»». قال عون: «هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهدلي أبو عبد الله الكوفي الزاهد، روى عن أبيه وعائشة وابن عباس، وعنه قتادة وأبو الزبير والزهري، وثقه أحمد وابن معين». قال البخاري: «مات بعد العشرين ومئة». قال: «واختار ابن جرير القول الأول، واختاره غيره -أي القول الأول- بأنه بأن النعمة هو محمد صلى الله عليه وسلم». قال: «واختار غيره -أي غير ابن جرير- أن الآية تعم ما ذكره العلماء في معناها، وهو الصواب». قال: «وقول الشيخ الإسلام ابن تيمية: يذم الله سبحانه من يضيف إنعامهم إلى غيرهم». قال: «بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقا، ونحو ذلك مما هو جار على السنة كثير». انتهى. يعني كقولهم: «كانت الريح طيبة» -أي لولا الريح لها غرقنا- أي الذين على السفينة، لكن يقولون: «كانت الريح طيبة فوصلنا إلى بر الأمان»، أو «كان الملاح حاذقا فوصلنا إلى بر الأمان»، لا يضيفون النعمة إلى الله جل وعلا، لا يقولون: «لولا فضل الله وإكرام الله وحفظ الله ولطف الله لكان كذا وكذا»، لكن يضيفون النعمة إلى غير الله جل وعلا. قال -رحمه الله تعالى-: وكلامه -شيخ الإسلام- يدل أن حكم هذه الآية عام فيما نسب النعم إلى غير الله، وأسند أسبابها إلى غيره، كما هو مذكور في كلام المفسرين المذكور بعضه هنا، وذلك من أنواع الشرك كما لا يخفى. يعني يقول: أن الشيخ الإسلام -رحمه الله- فحوى كلامه يدل على أن نسبة النعم إلى غير الله، وأن إسناد أسبابها إلى غيره، أن هذا من الشرك بالله جل وعلا. أما الأول: فيما نسب النعم إلى غيره، أنه من الشرك الأصغر أو الأكبر على الحالات المذكورة في أول الدرس. أي قد يكون من الأكبر كما في الحالة الأولى والثانية، وقد يكون من الأصغر كما في الحالة الثالثة والرابعة وكذلك الحالة السابعة. وقوله: «أسند أسبابها إلى غيره» -أي أسباب النعم إلى غير الله جل وعلا-، فجعل ما ليس سببا سببا، أو جعل المنعم في السبب غير الله جل وعلا، وهذا كذلك شرك بالله جل وعلا. فإن قال قائل: ألم يقل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في حق عمه أبي طالب: «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار»؟ وقوله: «لولا أنا» هو كقول القائل: «لولا فلان»، إذ لا فرق بين أن يضيف النعمة إلى نفسه أو أن يضيفها إلى غيره، فما الجواب على هذا الإشكال؟ الجواب: أن تلك العبارة صدرت من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا من باب إضافة النعمة إليه، ولكن من باب الإخبار عن السبب المحض، أو يقال: من باب ذكر النعمة التي حصلت لعمه أبي طالب بسببه، مع عدم تناسي المنعم الحقيقي وهو الله جل وعلا. وإن كان الأول أظهر، ويدل على ذلك أنه جاء في بعض الروايات -ما في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا شفاعتي لكان في الدرك الأسفل من النار»، فهذا فيه إخبار محض عن الحال وعن الواقع، لا أن النبي صلى الله عليه وسلم أضاف النعمة إليه. فإن قال قائل: هناك إشكال آخر، وهو أن الله جل وعلا أضاف النعمة إلى غيره، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه اتق الله وأمسك عليك زوجك﴾، فأضاف النعمة إلى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وإذا كان أمر كذلك، يصح إضافة النعمة إلى السبب. فالجواب: نعم، هذا لا إشكال فيه، أنه يجوز إضافة النعمة إلى السبب إذا كان على سبيل الإخبار المحض، كما هو ظاهر هذه الآية: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه﴾، إخبار من الله: «أنعمت عليه» خبر محض من الله رب العالمين جل وعلا، فلا إشكال في ذلك. ثم إن الله جل وعلا هو المخبر، لا أن غير الله جل وعلا أضاف النعمة إلى غير الله جل وعلا، فلا إشكال في الآية بأي وجه من الوجوه. والله تعالى أعلى وأعلم، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على