الدرس في شرح الأصول الثلاثة 1، الدرس الأول : (25 ربيع الآخر 1431هـ) (بسم الله الرحمن الرحيم ... العلم وهو معرفة الله ، ومعرفة نبيه ، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ بشرح رسالة الأصول الثلاثة، ويبين أهمية هذه الرسالة في مسائل الاعتقاد. يشرح مقدمة المؤلف التي تشير إلى أهمية العلم الذي سيذكره.
يشرح أهمية العلم في الدعوة إلى الله وتحقيق الإيمان والعبودية لله. يبين أن المعرفة العلمية تؤدي إلى اليقين والتعلق بالله وأن العلماء أكثر الناس خشية لله.
يختم المتحدث كلامه بالدعاء بالتوفيق للعلم النافع والعمل الصالح ومعرفة الله حق المعرفة. يصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، فنبتدئ في هذا المجلس الذي أسأل الله عز وجل أن يجعله مجلسًا مباركًا. في هذا الدرس تلبية لطلب إخواننا في بلدة أو أحد مدن فرنسا، والدرس كما طلب الإخوان في الأصول الثلاثة. وأسأل الله عز وجل التوفيق والسداد. هذا الكتاب أولًا ينبغي أن نعلم أنه من أهم كتب الاعتقاد التي اعتنى بها علماؤنا لاجتماعها على أصول وثوابت عظيمة من أصول وثوابت هذا الدين، وخصوصًا في مسائل الاعتقاد. وقد ألفها مؤلفها، وهو الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي التميمي، رحمه الله تعالى، ألفها علاجًا لداء عضال وجده في زمانه، رحمه الله. ولا يزال هذا الداء موجودًا في كثير من المجتمعات التي ابتليت باللوثات الشركية والمظاهر الوثنية، من تعلق الكثير من الجهلة وعلماء الضلال بالقبور وأهل القبور، تعلقًا ينافي ما جاءت به هذه الشريعة العظيمة وهذا الدين الحكيم، دين الإسلام. فكتب هذه الرسالة وغيرها من الرسائل التي تناولت تبيين ما يجب على المسلم أن يعتقده في ربه، وفي نبيه، وفي دينه. وهذه هي الأصول الثلاثة التي يسأل عنها العبد أول ما يسأل إذا أنزل في قبره. فهي من الأصول المهمة التي يجب على كل مسلم أن يعتني بها. وهذه الرسالة على صغر حجمها تناولت مسائل كما قلنا عظيمة ومهمة. ولأجل ذلك اعتنى العلماء بها من شارح ومعلق ومحشي وغير ذلك. وهكذا اعتنى العلماء بحث طلبة العلم على حفظها، بل حتى عامة المسلمين. فقد ذكر لنا عدد من مشايخنا أنهم أدركوا الرعاة يرعون الغنم والإبل وهم يحفظون هذه الأصول الثلاثة، ومثلها القواعد الأربع، وغيرها من كتب هذا الإمام المجدد، ككتاب التوحيد، وبعض كتبه الأخرى، حناية منهم لهذا الباب العظيم، وهو أمر التوحيد، ولأهمية ما في هذه الكتب. فحري بنا كطلبة علم أن نعتني بهذه الرسالة، وحفظها لمن تيسر له حفظها، وبمعرفة ما تضمنته هذه الألفاظ في هذه الرسالة. قال المؤلف، رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل. قوله، رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، ابتدأ المؤلف رحمه الله هذه الرسالة كغيره من أهل العلم بالبسملة، اقتداء بكتاب الله، إذ أنه افتتح بالبسملة، واقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم العملية، فإنه كان يبتدئ كتاباته بالبسملة، كما في حديث ابن عباس في الصحيح في البخاري وغيره، حين كتب إلى ملك الروم، فإنه ابتدأ كتابه بالبسملة. بل الابتداء في الكتب بالبسملة من سنة الأنبياء. وقد أخبرنا الله عز وجل في قصة سليمان مع ملكة سبأ حين كتب إليها ما كتب، فكان في أول ما كتب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فلذلك ولغيره صار من سنة الكتابة في العلم الابتداء بالبسملة. وقوله، رحمه الله: اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل، في قوله: اعلم، إشارة منه رحمه الله إلى هذا المعلوم الذي سيذكره، وأن ما سيأتي ذكره من العلم الذي ينبغي أن يعتنى به. وقوله: اعلم، مع ما فيه من أمر، وها هنا الأمر أمر حث، فالمراد منه التنبيه إلى أهمية هذا العلم الذي سيذكر في هذه الرسالة، فهو يشير بذلك بأن هذا مما ينبغي أن يهتم به ويعتنى به أشد الاعتناء. وفي قوله، رحمه الله: رحمك الله، كما قال أهل العلم، فيه مسلك من مسالك أهل العلم في دعوة المدعوين وخطابهم، والتلطف والترفق في دعوتهم، إذ أن هذه الصيغة فيها من أسلوب الاستعطاف ومعاني الحب والرحمة ما يقتضي ميول المدعو إلى الداعي فيما يدعو إليه. فإن ذلك يدل على حسن سريرة المتكلم، ولهذا قال العلماء والشراح في هذا الموضع: إن هذا يدل على حسن سريرة المؤلف. فمن حسنت سريرته لم يمتنع من الدعاء للغير، لأنه يحب إيصال الخير للغير. وهكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الله عنده صدق في حب إيصال الخير إلى الغير، وأن يظهر هذا الصدق بشيء من العبارات التي سلك نحوها أهل العلم، ومنها الدعاء في أول الكلام. فأنت حين تدعو وتقول: اعلموا رحمكم الله أن مما يجب علينا كذا وكذا، يختلف إذا قلت: اعلموا أنه يجب عليكم كذا وكذا. وفي قوله، رحمه الله: أنه يجب علينا، إشراك النفس في هذا المطلوب، فيه من التواضع ومن عموم التشريع ما يقتضي عدم استنكاف المدعو إلى ما يدعى إليه، فكأنه يقول: إن هذا الواجب ليس عليكم فقط، بل هو عليكم وعلى المتكلم، وعلى السامع، وعلى الكاتب، وعلى القارئ، مع ما فيه من إشارة إلى عموم التشريع، فهو واجب على كل المسلمين. وفيه كذلك إشارة إلى أنه ليس يخص به طلبة العلم فقط، بل هو لعموم المسلمين. وقوله: تعلم أربع مسائل، هذه الأربع المسائل سيأتي ذكرها. وفي قوله: أربع مسائل، ثم يذكرها مفصلة، هذا أسلوب من أساليب أهل العلم التي يحسن استعمالها والاستفادة من مثلها. فطالب العلم لا يأخذ من العلماء العلم فقط، التي هي معلومات، ولكن يأخذ المعلومات ويأخذ كذلك كيفية تطبيق وعرض هذه المعلومات والانتفاع بها. فهنا نرى أن المؤلف، رحمه الله، أجمل ثم فصل. فمن أساليب التعليم ذكر الشيء مجملًا ثم ذكره بعد ذلك مفصلًا، وفي ذلك إعانة لحفظ العلم وفهمه، وفيه كذلك تشويق للمتعلم أن يهتم بما سيأتي ذكره من تفصيل ذاك المجمل. وهذا يستدعي زيادة اعتناء لهذا العلم وحفظ له. وقوله: مسائل، المسائل جمع مسألة، والمراد بها ها هنا ما يسأل عنه، سواء لأنه من الواجبات التي لا يعذر أحد بتركها، أو كذلك لأنه من أعظم ما يسأل عنه العبد من أمور دينه، أو لأنه من أهم ما يذكر من مباحث العلم، فكل ذلك يصلح أن يسمى مسائل. ثم قال، رحمه الله: الأولى العلم، وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. أول هذه المسائل الأربع العلم، والعلم أرفع العلماء بتعريفه كثيرة، فمنهم من قال: إدراك الشيء على ما هو عليه، ومنهم من قال: معرفة الشيء على ما هو عليه. وهو كما ترون، فسر العلم بالمعرفة، إذ قال: الأولى العلم، وهو معرفة الله، فيكون مثلًا المؤلف، رحمه الله، تعريف العلم بالمعرفة. والمعرفة في الحقيقة أعم من العلم، والمعنى أن لفظ المعرفة في اللغة أعم من لفظ العلم. فالعلم كما قال بعض أهل العلم يخص بما لم يسبق بجهل، فلذلك يستعمل في حق الله عز وجل العلم، ولا يستعمل في حق الله المعرفة، لأن المعرفة كما قال بعض أهل العلم هي التي سبقت بجهل، أي اكتسب بعد إذ لم يكن. المهم تفسير المؤلف، رحمه الله، ها هنا العلم بالمعرفة، إشارة منه رحمه الله إلى أن المقصود من العبد هو أن يتعرف على من العلم. فإن معرفة الله عز وجل لا تنحصر بمعرفة كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، ولكن تتضمن مسائل كثيرة تدخل تحت معنى هذه الكلمة، من معرفته في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وما يلزم من ركني كلمة الشهادة وشروط «لا إله إلا الله»، وغير ذلك من معاني ومباحث تدخل في معنى معرفة الله عز وجل. وفي قوله، رحمه الله: العلم، ثم فصل هذا العلم بمعرفة الله ونبيه ودين الإسلام، إشارة أولًا إلى أن أهم المسائل العلم، فالعلم طريق لكل خير من خير الدنيا والآخرة، ومنه عبادة الله عز وجل، ومعرفة كذلك ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من أمر هذا الدين العظيم. وليس العلم ينحصر بذلك، لكن هذا هو أهم العلم، هذا هو أهم العلم. والمراد بهذه المعرفة التي أشار إليها معرفة تصديق ويقين يكون معها تحقيق ما يجب في حق الله وحق نبيه عليه الصلاة والسلام وحق دين الإسلام. وفي قوله: وهو معرفة الله ومعرفة نبيه، المراد بهذه المعرفة معرفة قلبية، وهكذا كذلك معرفة علمية، معرفة علمية تقتضي معرفة وإدراك ما يجب على العبد معرفته في حق الله عز وجل، مما يجب له، وتحقيق ذلك بالجوارح من الخضوع والذل والعمل بمقتضى ما أمر به المسلم في حق الله عز وجل. ومن ذلك معرفة القلب، فإن القلب إذا أدرك تلك المعرفة العلمية وقع فيه من اليقين ومن قوة التوحيد والتعلق بالله عز وجل ما يقتضي كمال الإيمان، وكذلك تمام الخضوع والإذعان لله رب العالمين. ولهذا كان العلماء الذين هم أكمل الناس معرفة، أو من أكمل الناس معرفة بالله عز وجل، أكثرهم خشية له، «إنما يخشى الله من عباده العلماء». وبه نعرف فضل العلم، وأن العلم طريق لتحقيق عبودية الله عز وجل على أكمل وجوهها. وكما سبق، المعرفة لا تنحصر بمعرفة ظواهر أمور التوحيد دون معرفة حقائقها، أو حصر التوحيد بالربوبية، وهو إفراد الله عز وجل في أفعاله من الخلق والتدبير والرزق، ولكن تحقيق ذلك بتحقيق التوحيد بجميع أنواعه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. وهكذا معرفة النبي صلى الله عليه وسلم معرفة علمية وعملية، تقتضي أن نعلم أنه واسطة بيننا وبين الله في تبليغ الرسالة، فهو نبي مرسل، وهو كذلك عبد لله، فنعرف مقام الرسالة وفضله وحقه فيها، ونعرف أنه كذلك عبد لله، فهو يطاع ويتابع ولا يعبد من دون الله عز وجل أو مع الله. فإذا كان هذا في حق نبينا عليه الصلاة والسلام، فمن دونه من باب أولى. وتحت هذا المقام معاني كثيرة من معاني تصديق الرسالة والمتابعة فيها، حتى قسم بعض أهل العلم التوحيد إلى قسمين: توحيد المرسل، وهو الله عز وجل، بتوحيده في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وتوحيد الرسول، أي المرسل، وهو النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك بكمال متابعته صلى الله عليه وسلم. ومعرفة دين الإسلام كذلك معرفة علمية وعملية، لا تكفي معرفة علمية، لا يحصل لها تحقيق في واقع حياة الناس. فما أكثر من يقول: أنا مسلم اليوم، وهو في الحقيقة ليس كذلك في أفعاله وعمله. فلا يكفي أن يقول المرء: أنا مسلم، ثم لا يحقق الإسلام. مسلم لا يعرف الصلاة، ولا يعرف الصيام، ولا يعرف الصدقة، ولا يعرف فرائض الدين، لا يعرف الوقوف عند الواجبات أو فعل الواجبات والوقوف عند المحرمات، هذا لم يحقق الإسلام. ولهذا صار الناس متفاوتون في حقيقة هذا الإسلام، منهم من يدعيه بلسانه وهو كاذب، ليس عنده من الإسلام شيء، بل هو يعد من الكافرين، ولا ينفعه ادعاء الإسلام لفعله نواقض هذا الدين، دين الإسلام، أو لأنه أصلا لم يدخل في دين الإسلام، لأن الإسلام يقتضي الاستسلام لله عز وجل في أمره بأن يمتثل ونهيه أن يجتنب. وبعضهم ربما دخل لكنه خرج من باب آخر بسبب فعله لشيء من نواقض الإسلام، فلا بد من تحقيق ذلك تحقيقًا علميًا وعمليًا كذلك. وقوله، رحمه الله: بالأدلة، أي أدلة الكتاب والسنة وما ثبت من فهم سلف الأمة. وفي قوله: بالأدلة، إشارة إلى أن هذا الباب لا يصلح به التقليد، بل لا بد أن تكون عنده حجج حتى إذا لقي الله عز وجل لقي الله سبحانه وتعالى ومعه حججه وبراهينه. وهذا كما قال العلماء هو العلم الواجب الذي لا يسع المسلم أن يجهله، وهو الذي يدخل في قول النبي عليه الصلاة والسلام في جامع الحديث: «طلب العلم فريضة»، وهو أي ما ذكر من هذا العلم في معرفة الله ونبيه ودين الإسلام، هو العلم الواجب الذي لا يسع المسلم أن يجهله. وهو كما قلنا يدخل ويفسر معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام في جامع من حديث أنس وابن عباس وغيرهما، بأسانيد حسنة: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». فإذا كان كذلك، علم أن هذا من أهم مسائل الدين التي يجب أن يعتني بها المسلم. وفي مثل هذا يعلم فضل العلم وأنه من أعظم وأول الواجبات، حتى قال بعض أهل العلم فيما يروى عن أحمد وغيره: أن تعلم العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله. لماذا؟ لأنه أولًا من العلم ما هو من أول الواجبات، بل أوجب الواجبات. فبالعلم يعرف فضل الجهاد وفضل سائر أنواع الطاعات، بل بالعلم عرف ربه سبحانه وتعالى ونبيه ودين الإسلام، فلهذا صار العلم من أعظم وأول الواجبات التي يجب أن يعتني بها المسلم. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يوفقنا كذلك لمعرفة الله عز وجل حق المعرفة، وأداء ذلك الحق على الوجه الأكمل الذي يحبه الله عز وجل ويرضاه، وهكذا حق نبينا وحق دين الإسلام. ونكتفي هذا اليوم بهذا القدر، وإلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.