شرح كتاب التوحيد 195

شرح كتاب التوحيد 195

الدرس في شرح كتاب التوحيد 195، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم الطعن في النسب والنياحة

الطعن في النسب والنياحة على الميت من خصال الكفر الأصغر، وهما كبيرة من كبائر الذنوب. يجب احترام أنساب الناس وعدم الطعن فيها إلا في حالات البحث العلمي الموثق.

تفصيل الكفر الأصغر والكبائر

الكفر في سياق الطعن في النسب والنياحة يعني الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة، وهو معصية كبيرة يجب اجتنابها. هذه الأفعال محرمة ويجب الصبر على أقدار الله.

وجوب الصبر والدعاء في الختام

يجب الصبر على المصائب واجتناب النياحة التي هي الصراخ عند المصيبة، بينما البكاء بدون صراخ جائز. يُستحب الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي في ختام المجالس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت». الطعن في النسب والنياحة على الميت. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وفي معرض كلامه واستدلاله على هذا الباب، باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. وذكرنا أن المؤلف رحمه الله تعالى أن يعدد لنا المقامات الواجبة التي يجب أن يتحلى بها كل مسلم ومسلمة، ومن هذه المقامات الصبر على ما يقدره الله جل وعلا علينا. وها هو رحمه الله تعالى يذكر لنا هذا الحديث، والذي ثبت في صحيح مسلم، والذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: «إثنتان في الناس هما بهم كفر»، أي هذه الخصلتان من خصال الكفر. وقد مر معنا تكرارًا ومرارًا على أن أسلوب العدد لا يفهم منه الحصر، فإذا جاءت الأحاديث النبوية بتعداد شيء ما من الأوامر أو الطاعات أو النواهي، سبعة أو أربعة أو ثلاثة، هل هذه الأعداد تفيد الحصر؟ الجواب: لا، ما تفيد الحصر. إذن ما هي الفائدة من ذكر العدد؟ ففي حديث كهذا: «إثنتان» يدل على الأهمية، وعلى ضرورة العناية بهذا المذكور. فإن كان أمرًا وطاعة ينبغي عدم الاستخفاف به، وإن كان معصية ونهيًا يجب الحذر منه. هذه الفائدة العظمى من أسلوب العدد، لا يفهم منه الحصر، لكن يفهم منه الأهمية والعناية. فقال عليه الصلاة والسلام: «إثنتان في الناس»، أي في المسلمين، في الأمة الإسلامية، «هما بهم كفر»، أي هذه الأفعال التي سيأتي ذكرها الوقوع فيها يؤدي إلى كفر. واختلف العلماء في معنى الكفر هنا على أقوال، وأشير إلى قولين اثنين. القول الأول: قال العلماء في قوله عليه الصلاة والسلام: «هما بهم كفر»، أي أنها من شعب الكفر، من شعب الكفر. فالكفر شعب، كما أن الإيمان شعب، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، مراتب. وهكذا الكفر مراتب. فقال العلماء: ولا يستلزم من الوقوع في شعب من شعب الكفر الكفر المخرج من الدين والملة، هذا لا يلزم. لأن الحقيقة الوقوع في شعب الكفر هو وقوع في صفة من صفات أهل الكفر، فهذا لا يؤدي إلى الخروج عن الدين والملة. مثل ما قاله عليه الصلاة والسلام لأحد الصحابة: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، هل معنى ذلك أنه كافر؟ لا، أي معنى الحديث أنك امرؤ فيك صفة من صفات أهل الجاهلية. قالوا: هكذا في قوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «اثنتان في الناس هما بهم كفر»، أي هما من شعب الكفر ومن صفات أهل الكفر. كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، هل القتال بين المسلمين ردة تخرج عن الدين والملة؟ الجواب: لا. لماذا قال النبي: «لا ترجعوا بعدي كفارًا»؟ أي لا تكونوا من بعدي كحال الكفار يتقاتلون فيما بينهم. فهذا الحديث إنما فيه بيان لشيء من صفات أهل الكفر فلا تقعوا فيها، فلا تتأثروا بهما. وهكذا قل العكس، لو أن كافرًا مثلا اتصف ببعض صفات أهل الإسلام، هل يدخل هذا في الملة؟ الجواب: لا. مثل لو أن هناك نصرانيًا وكان هذا النصراني في غاية من الحياء، يوجد نصارى يوجد كفار عندهم خجل وحياء، والحياء عندنا في ديننا شعبة من شعب الإيمان، هل أن الكافر لو تحلى بشيء من شعب الإيمان يقال أنه مسلم؟ الجواب: لا، يبقى على كفره. وهكذا المسلم إن اتصف بشيء من شعب أهل الكفر، هل يخرج عن الدين والملة؟ الجواب: لا، يبقى مسلمًا، لكن فيك خصلة ذميمة. هذا المحمل الأول من محامل هذا الحديث: «إثنتان في الناس هما بهم كفر»، أي أنها من صفات أهل الكفر، من شعب أهل الكفر. المحمل الثاني: ما حمله جماعة من العلماء أن معنى هذا الحديث: «هما بهم كفر»، أي الكفر العملي، الكفر العملي، وما يعبر عنه كفر دون كفر، أي ليس بالكفر المخرج من الدين والملة، ليس من الكفر المخرج من الدين والملة. «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، قتاله كفر، أي كفر عملي، كفر دون كفر، غير مخرج من الدين والملة. هذا التفسير الثاني. ومن أهل العلم من أتى بقاعدة في مسألة ألفاظ الكفر في الشريعة الإسلامية، من قال أن كلمة كفر إن جاءت منكرة فإنها تحمل على الكفر الأصغر، أو ما يعبر عنه بالكفر العملي، أو ما يقال عنه كفر دون كفر. إذا جاء لفظ كفر من غير تعريف، أي ما جاء منكرًا. وإذا جاءت كلمة كفر وهي معرفة، معرفة، فهي تحمل على الكفر الأكبر المخرج من الدين والملة. نعم، هذه قاعدة أتى بها جماعة من أهل العلم. وأيضًا أضافوا: أنه من ألفاظ الكفر الأكبر إذا جاءت كلمة كفر منكرة، جاء قبلها «قد»، فهنا كفر تحمل على الكفر الأكبر. إذا سبقت بقد، كقوله عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». هنا كفر جاءت منكرة، لكن سبقت بقد، قد. إذا هنا كفر مخرج من الدين والملة، لأنها قد تفيد التحقيق، أي تحقق فيه الكفر. وهذا القاعدة الصحيح فيها أن كلمة كفر إن جاءت منكرة تحمل على الكفر الأصغر، وإن جاءت معرفة تحمل على الكفر الأكبر. الصحيح أنها ليست قاعدة كلية، وإنما هي قاعدة أغلبية. وليس هذا المقام مقام الاستطراد فيها وبيان وجه ماذا؟ لكن على كل حال هي نعم قاعدة ينتفع بها في كثير من المسائل الشرعية، فهي قاعدة أغلبية وليست قاعدة كلية. إذن فهمنا من هذا الحديث: «إثنتان في الناس هما بهم كفر»، أي أنهم من الكفر، من صفات الكفار، أو أنهم من الكفر الأصغر غير المخرج من الدين والملة. فما هما؟ قال عليه الصلاة والسلام: «الطعن في النسب والنياحة على الميت». الطعن في النسب هذه من كبائر الذنوب، لأن الشرع عبر عنها بالكفر، إذن دل على أنه من كبائر الذنوب. الطعن في الأنساب، الإسلام جاء لحماية أعراض أهل الإسلام أحياء وأمواتًا. الإسلام جاء لحماية أعراض أهل الإسلام أحياء وأمواتًا، كما أنه لا يجوز لمسلم أن يتطاول على عرض أخيه المسلم، فلا يسبه ولا يشتمه ولا يلعنه ولا يستهزئ به، ولا يستخفه، وكل أنواع الأذى حرام. وهكذا قل حتى في حق الأموات، لا تتطاول يا عبد الله في حق رجل في أجداده، وفي حق أسلافه، وفي حق فصله ونسبه، لا يجوز. هذا كبير من كبائر الذنوب. فإن قال فلان من الناس: سئل من أنت؟ قال: أنا بن فلان آل فلان، قل: حيا وهلا، على العين والرأس، رحب به، لا تغمز، لا تطعن، لا تقدح، ما يجوز. وقاعدة عند أهل العلم في هذا الباب: الناس مؤتمنون على أنسابهم، هذه أمانة بين الرجل وبين نسبه. الناس مؤتمنون، كل من أتى بنسبه قل: هذا نسبك وأنت أدرى بنفسك، يصدق ولا يكذب، فضلا أن يطعن فيه. كحال بعض الناس أنه لربما يفتح باب الطعن لعدة حجج أحيانًا، لغرض أن يستحقر الطرف الثاني، يطعن في نسبه، وأنهم كذا، وأنهم كذا، هذا لا يجوز. أو أنه يفتح باب الطعن في النسب من باب التخمين، يقول: يا أخي أنت لونك لون البشرة ما يمثل آل فلان، يا أخي تأكد من نسبك، لا، ما يجوز. أن لون البشرة أو أن صفاتك أو أن أحلاقك أو أن كلامك أو أن جسمك أو أو أو، لا، ما يكون هذا مدعاة إلى أن تطعن في نسب فلان من الناس. وإنما الناس يؤتمنون. نعم، يجوز أن تتكلم في عرض أحد من الناس إن كان ذلك تحت البحث العلمي، إذا كان هناك بحث علمي، كأن يأتي أناس ويدعون مثلا كما نرى في هذه الأزمان أن ينتسب إلى نسب النبوة، النبوة هذا النسب المظلوم في مثل هذه الأزمان، تجد أن الكثير من الناس ينتسبون إلى آل البيت وهم ليسوا منه، وهم ليسوا منه. إنما هكذا مثاله ما قام به الفاطمية، وهم في الحقيقة عبيدية زنادقة ظهروا في أرض مصر وأرض المغرب، ثم ادعوا أنهم من آل البيت وتسموا وانتسبوا إلى النسل الفاطمي، أي أنهم من آل بيت رسول الله، والتاريخ يكذبهم. هنا التاريخ أتى بالحقائق على أن هؤلاء دخلا على الإسلام. فإذا قام قائل وقال: يا أخي اتق الله، لا تطعن في النسب، ولا هذا ليس بالطعن، هذه حقائق. فإذا جاءت الحقيقة التي تدل على أن فلان ليس من آل فلان، مثل الآن عندما يسمى بحمض دي إن إيه وغيرها من البصمة الوراثية، أثبتت، وخاصة مع وجود كثرة الاختلاط في الأنساب، إذا جاء البحث العلمي وحقق الحق في هذه المسألة، فهذا مقبول، وهذا محقق بالحقائق الثابتة، لا تخمينات ولا تخرصات. فالأصل يا عبد الله أن الطعن في النسب لا يجوز، والناس مؤتمنون على أنسابهم. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والنياحة على الميت». النياحة: النياحة هو الصراخ عند المصيبة، وخاصة عند مصيبة الموت، وهذا كثيرًا ما يقع عند النساء، وقد يقع عند الرجال، لكن أكثر ما يكون النياحة عند النساء، أنها تطلق صوتها بالصراخ والعويل، فهذا حرام، وكبير من كبائر الذنوب. النياحة عن الأموات أن شخص يصيح ويصرخ، وقد جاءت الأدلة تدل على عظيم هذا الذنب، تبرأ نبينا من هذا الصلف، «أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة»، هذه أصناف من أفعال أهل الجاهلية. وللأسف لا زال العمل في بعض المجتمعات يكون من أهل البيت، أو يكون ممن يستأجرون إيجارًا، كما يتعقد مجالس المأتم، مجالس المأتم سواء عند الرجال، وأكثر شيء عند النساء، أن يؤتى بامرأة يعرف أن هذا من عملها، ما هي؟ أنها تصيح وتجعل المأتم كله عويل، هذا إثم جسيم، وكبير من كبائر الذنوب. وإن الإنسان يحاسب على ما يتلفظ به من صراخه. وهنا الشاهد لماذا أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله؟ أراد هذا المعنى، أراد هذا المعنى: عذب النياحة، لأن النياحة ليس فيها صبر، ليس فيها صبر. وأن من الصبر على أقدار الله الصمت والسكوت عن الصراخ. أما إذا كان التعبير عما في النفس كان عبارة عن بكاء ودموع وذرف العين، هذا ليس فيه شيء، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع». ولما رأى نبينا صلى الله عليه وسلم من قبل أصحابه أنه قد بكى عندما أخبر بموت أحد أحفاده من أولاد بناته، بكى، فقالوا: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده». فالبكاء لا يحاسب الله عليه لأنه شيء طبيعي جبلي. لكن الزيادة على البكاء وهو الصراخ، رفع الصوت بالعويل، مع ما يصاحبه من عدم الرضا بحكم الجليل، هذه من كبائر الذنوب. ولهذا العلماء في باب الصبر على أقدار الله يعرفونه بماذا؟ قال: الصبر على أقدار الله هو حبس اللسان عن الشكوى، وحبس النفس عن التصخبط بما قدره المولى، وحبس الجوارح عن الوقوع فيما نهى عنه الشرع ونهى. هذه ثلاثة أمور هي الصبر على أقدار الله. حبس اللسان عن الشكوى، لا تشتكي دائمًا شكوى شكوى شكوى، التذمر على ألسنة بعض الناس يصبح ويمسي على الشكوى، قل في بابه، قل في يومه وليلته الحمد والشكر لله، أكثر ما أن يصبح إلى أن يمسي يشتكي، إما من نفسه وإما من حاله وإما من ضعفه وإما من فقره وإما من مرضه وإما من بيئته وإما من مجتمعه، لا يزال شاكيًا، وهذا السوء خلق سوء طوية، ما ينبغي للمسلم أن يتخلق بهذا المرض: التشكي والتذمر والتصخبط. مثل هؤلاء لا يصاحبون، لا يصاحبون. انظر إبراهيم عليه السلام عندما زار ابنه إسماعيل فلم يجده في بيته، ووجد امرأته، فسألها: أين إسماعيل؟ قالت: ذهب يستعذب لنا الماء. فسألهم عن حالهم: كيف أنتم؟ فشكت إليه، شكت وهي ما تعرف هذا الرجل، ولم يخبرها أنه أبو إسماعيل، ما أخبرها بهذا، لكن أنه عابر السبيل فقط، فشكت إليه: نحن بشر حال، وعندنا قلة زاد. ففطن إبراهيم إلى خال المرأة وقومها من لسانها في هذا المقام، فقد قومها. فلما أراد أن ينصرف قال لها: إذا جاء إسماعيل أقرئي عليه مني السلام، وأخبريه أن يغير عتبة بابه. فذهب ولم تتفطن لكلامه. ثم جاء إسماعيل بعد فترة عليه السلام إلى بيته، فوجد أن أمرًا ما حدث، فقال: هل جاءكم، قالت: نعم، جاءنا رجل، فذكرت من صفاته أنه كذا، وأنه كذا. قال: وماذا قال؟ قالت: يأمرك أن تغير عتبة بابك. قال: هذا أبي إبراهيم، وإنه يأمرني بطلاقك، اذهب والحقي بأهلك، طلقها. سبحان الله، لماذا طلقها؟ قال العلماء في فائدة هذا الحديث: عدم جواز مصاحبة من لا صبر له على الشدائد. من كان يعلم من رفيقه، ومن صاحبه، ومن جاره، ومن زميله أنه كثير التصخبط، ليس له صبر على الشدائد، هذا لا تصاحبه، لا خير فيه، لا خير فيه، واستبدله بغيره. فالشيء لهذا جعل العلماء من صفات الصبر على أقدار الله: حبس اللسان عن الشكوى، وحبس النفس عن التصخبط بالمقدور، وحبس الجوارح بما حذر عنه الشرع ونهى. أي لا تفعل أفعالًا تدل على جزعك، مثل: لقم الخد، أو شق الجيب، أو حلق الشعر، أو رفع الصوت بالصراخ والعويل، هذه أفعال كلها تنافي الصبر على قدر الله وقضائه. فدل ذلك على أن الصبر على أقدار الله واجب، واجب أنك تصبر، وأن تتسلح بالصبر، وأن تستعين بالله جل وعلا على أن تمر عليك هذه المصائب. فالله خير معين. هذا ما أذكر، وإخواني في الله، حول المساء المهمة المتعلقة بهذا الحديث. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.