شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 29

شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 29

الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تصنيف رواة الصحيحين بين الاحتجاج في الأصول والمتابعة والاستشهاد

يشرح المؤلف تقسيم رواة البخاري ومسلم إلى من يُحتج بهم في الأصول ومن يُخرج لهم للمتابعة والاستشهاد، مبيناً أن الأصل في رواة الصحيحين الثقة. كما يوضح الفرق بين الأحاديث التي لها شواهد وتلك التي تفرد بها الراوي مع ضرب الأمثلة على ذلك.

منهج البخاري في قبول رواية أهل البدع والمبتدعة

يناقش المقطع منهج الإمام البخاري في الرواية عن المبتدعة كعمران بن حطان وعبيد الله بن موسى السَّجْعِي، مبينًا أنه كان يقبل روايتهم إذا رأى فيهم الصدق والاستقامة رغم بدعتهم. كما يوضح القاعدة الأصولية بأن من خرج له في أصول الصحيحين يُعتبر موثقًا ضمنيًا، بينما من خرج في الشواهد يحتاج إلى نظر في أقوال العلماء.

منهج النقاد في توثيق الرواة المختلف فيهم وتطبيق الأئمة له

يوضح المقطع موقف البخاري من عكرمة موثقًا له رغم اتهامات الحسد والخوارج، مبينًا أن عكرمة موسوعة ثقة. ثم يستعرض قاعدة في الجرح والتعديل: من طعن فيه تعنتًا والجمهور على توثيقه فحديثه قوي، ومن طعن فيه تليينًا فحديثه لا ينزل عن الحسن.

منهج التعامل مع راوي أخرج له البخاري ومسلم ووقع فيه تضعيف

إذا أخرج البخاري ومسلم لراوٍ فهو ثقة عندهما، ويُنظر في أقوال من ضعّفه: فإن ذكروا سببًا للضعف عُمل به، وإن لم يذكروا سببًا قُبل التضعيف ما لم يوجد متابع له. والأصل قبول التضعيف حتى مع إخراجه في الصحيحين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، صلى الله عليه وسلم قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرواة الذين أخرج لهم الشيخان أو أحدهما على قسمين: أحدهم من احتج به في الأصول، والثاني من خرج له متابعةً واستشهادًا واعتبارًا. لأن رواة الصحيحين من جملة أن الأصل فيهم الثقة، الأصل فيهم أنهم ثقات. لكن إذا أخرج صاحب الصحيح لرجل معنىً أنه يوثقه، لكن ينبغي أن يفرق بين من يخرج لهم في الأصول ومن يخرج لهم متابعةً أو استشهادًا واعتبارًا. فالقسم الأول: الذين أخرج لهم على سبيل الاحتجاج، على قسمين: من لم يتكلم فيه بجرح فذاك ثقة، حديثه قوي، وإن لم ينص أحد على توثيقه؛ لإخراجه في الصحيح، سواء كان البخاري أو مسلم. واحتجاج به في الأصول: معنى الأصول المراد بها الأحاديث التي ليس في الشواذ ولا متابعة، بل حديث حصل وحده. لكن هذه المسألة تحتاج إلى تحرير: مسألة الأصول والشواهد. تجدحيانًا البخاري مثلًا يروي لحديث حديث رَجْدٍ مثلًا، قد يكون متكلمًا فيه، لكن أصل الحديث موجود. أصل الحديث وقد يخرج متابعةً لأناس لم يتكلم فيهم في حديث مثلًا واضح أنه نفس الحديث استشهادًا. مثلًا أحيانًا يقول: «وتابعه فلان وفلان»، مثلًا في رواية الليث يرويها مثلًا عن عبد الله بن سلام أو عن قتيبة بن سعيد، ثم يقول: «وتابعه عبد الله بن صالح». عبد الله بن صالح متكلم فيه، لكن ذكره هنا البخاري. غالبًا يذكروا متابعة شواهد، فأحيانًا هذا يصبح... لكن أحيانًا يكون الحديث لم يتابع عليه، لكن أقصد المتابعة في الإسناد، لكن الحديث نفسه له شواهد. مثلًا على سبيل المثال: رواية البخاري لعمرو بن حطان في حديث الحرير، قال: سألته، سألته عائشة عن الحرير، فقال: «سل ابن عمر»، قالت: «سل ابن عباس»، وقال ابن عباس: «سل ابن عمر»، فسأل ابن عمر فحدثه عن نبيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه يوم القيامة». فهذا الحديث قد جاء عن عمر من عدة وجوه، قد رواه عنه ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن الزبير، وجماعة من الرواة رووه عن عمر. فالأصل أن هذا الحديث هو تفرد به في البخاري، لكن أصل الحديث له شواهد، جاء من طرق. فهذا الضرب يدخل في الشواهد. لكن أحيانًا ما تجد له شواهد، مثلًا الحديث الآخر الذي رواه البخاري من حديث عمران أيضًا عن عائشة رضي الله عنها أنه قال: سمعت عائشة تقول: قال النبي عليه الصلاة والسلام، أو كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا وجد صورًا أو شيء صورًا في بيتي نقضها، وجاء التصاليب: إذا وجد التصاليب في بيتي نقضها. فإذا كان التصاليب فهذا لم يتابعه أحد عليه، ما جاء حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام فيه أنه كان ينقض التصاليب إلا هذا الحديث. لكن لو كان تصاوير جاء ما يشهد له أنه كان يزيل التصاوير ويغضب إذا وجد التصاوير. فهذا من المشكلة التي وجدت في البخاري: هل البخاري معناه اعتمد عمران بن حطان وأنه مثلًا يمكن أنه تراجع أو شيء؟ عمران داعية، أو لهذا بعض العلماء يقولون: أن البخاري يروي عن الخوارج ولو كانوا من الدعاة يروي عنهم، ولو كانوا من الدعاة. لكن قد يكون هذا ليس في الخوارج بل حتى في الشيعة، وقد روى عن عبيد الله بن موسى السَّجْعِي، وروى كذلك عن... عن هذا الجَوَابِرِي الجُوَارِبِي وهو شيعي غالِب، بل حافظ. لهذا قال ابن حَزْم... أو قد يكون أيضًا أن البخاري لما روى عنه لم يحدث ما أحدث، لهذا قال ابن خزيمة: كان يقول: حدثني ابن عباد، ابن عباد ما أدري من ابن عباد، قال: حدثني ابن عباد قبل أن يحدث ما حدث. فدل على أنه حدث قريبًا كان عنده تشيع لكن قليلاً. فالمهم: البخاري الظاهر أنه يروي عن أناس إذا رأى فيهم الصدق، ورأى من حديث ومن الاستقامة، ولو كانوا من أهل البدع. لكن مثل عمران بن حطان رده بعضهم، حتى الإمام الدارقطني في الحديث الثاني قال: «وفيه عمران بن حطان وهو متروك»، وقال: «وهو مبتدع متروك لا كرامة له»، وانتقد هذا الحديث في كتاب ألفه في انتقاد بعض أحاديث الصحيحين. فالآن الحافظ رد... أو الدارقطني رد حديث عمران بن حطان وانتقد البخاري في تخريجه، الله أعلم. فالمهم أن هذا الأصل نأخذ هذا الأصل يكون أصلًا أغلبيًا: أن الذين خرج لهم في الأصول الغالب أنهم يقبل حديثهم، والذين خرج لهم في الشواهد فهؤلاء ينظر في كلام العلماء. قال: من لم يتكلم فيه إذا كان لم يتكلم فيه بجرح، فإن كان خرج له في الأصول فهو حجة، يعتبر توثيقًا له. مثلًا: برد بن سنان، برد بن أبي سنان، هنا في حديث عائشة: كان النبي صلى الله... ماذا خرج؟ قال: قطرانه. فهذا برد بن سنان، هذا لم يوثقه أحد، لكن ذكره البخاري في صحيحه، فدل على توثيقه، أنه فوثقه بعض العلماء بهذا، وإلا فهو مجهول. قال: من لم يتكلم فيه بجرح فذلك ثقة، حديثه قوي، وإلا فمن الصحة على توثيق حيث اكتسب التوثيق الضمني من إخراج الشيخين وأحدهما على وجه الاحتجاج، وهما قد التزما بصحة وأشرت راوي الصحيح العدالة وتمام... وتمام. والقسم الثاني: من تكلم فيه بالجرح، فله حالتان: تارة يكون الكلام فيه تعنتًا والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوي أيضًا، ليس تعنتًا غالبًا. لكن قد يكون مثلًا الاختلاف كما قلنا: عبيد الله بن موسى، خرج له البخاري وخرج له أيضًا جماعة من العلماء، وأما الإمام أحمد فقد رد روايته وقال: إنه داعية، داعية إلى الرفض. وكذلك أيضًا البخاري خرج لجماعة ممن قد تكلم فيهم، لكن يرى البخاري أنهم على الصحة. مثلًا: عكرمة، عكرمة مولى ابن عباس، فقد تكلم فيه جماعة من التابعين، مثلًا: سعيد بن جبير تكلم فيه، طاوس تكلم فيه، وتكلم أيضًا في جماعة من العلماء. لكن البخاري لم يعتمد هذا الكلام لأنه رأى أن هذا الكلام باب التنافس. فسعيد بن جبير كان يغار من عكرمة، لكن ما استطاع الإنسان أن يكذب مثل هذا، لأن عكرمة موسوعة وهو أعلم الناس بابن عباس، فإتيانه مثلًا بأشياء عن ابن عباس لم يأت بها غيره لا يتهم بذلك، وقد يكون ابن عباس غير رأيه أو بدا له شيء آخر فذكره. وهكذا، وأما اتهامه بالخوارج فهو الظاهر أنه لم يقل بشيء من الخوارج، من قول الخوارج لم يثبت عنه شيء من قول الخوارج، بل جاءت بعض المقالات عنه أنه ينكر هذا القول. لكن الذي جعل بعض العلماء يتكلم عليه أنه لما خرج في بعض الفتن وطلب فيها فذهب إلى الصفرية، ذهب إلى الكوفة إلى الصفرية، والصفرية هؤلاء قوم من الخوارج، وهو سكن عندهم وجلس عندهم ومات في ذلك المكان، فاتهمه بعضهم أنه على مذهبهم، اتهمه بعضهم على مذهبهم، والظاهر أنه إنما اختبأ عندهم أو وجد مكانًا عندهم فجلس، وهذا لا يدل على أن الرجل منهم. فالمهم أن عكرمة ثقة وموسوعة من موسوعات العلم، لهذا ذكره البخاري ولم يلتفت إلى الكلام فيه. ومسلم لم يخرج له لكن أخرج للسماك، والبخاري لم يخرج للسماك. فقال: من تكلم فيه بالجرح فله حالتان: تارة يكون الكلام فيه تعنتًا والجمهور على توثيقه، فهذا حديث قوي أيضًا. وتارة يكون الكلام فيه تليينًا وحفظه له اعتبار، فهذا لا ينحط حديثه عن مرتبة الحسن لذاته. هناك رجال خرج لهم البخاري وجمعهم الإمام البرقاني الصغير وسأل عنهم الدارقطني، وأولئك كلهم قد تكلم فيهم النسائي، أن أخرج لهم البخاري لكن النسائي تكلم فيهم، وبيّن الدارقطني أن الحق مع البخاري في إخراجه لهم، إلا أنه وافقه في بعضهم. لكن أكثر الرجال الذين ذكرهم أو تكلم فيهم النسائي، فالدارقطني وافق فيهم البخاري. وهذا يدل على هذه القاعدة. قال: ويوضح ذلك قول الحافظ: ينبغي أن يزاد في التعريف بالصحيح، ويقال: والحديث الذي يتصل سنده بنقل العدل التام بالضبط أو القاصر عنه إذا اعتضد بمثله إلى منتهى، ولا يكون شاذًا ولا معَلًّا. وإنما قلت ذلك لأنني اعتبرت كثيرًا من أحاديث الصحيحين فوجدتها لا يتم الحكم عليها بالصحة إلا بذلك. قال: والقسم الثاني: الذين أخرج لهم في الشواهد والمتابعات والتعليقات، فهؤلاء تتفاوت الدرجات. من أخرج له منهم في الضبط وغيره محصل اسم الصدق له، وحينئذ إذا وجد لغير الإمام في أحد منهم طعن فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مبينًا السبب مفسرًا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه مطلقًا أو في ضبطه لخبر بعينه. لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح. هذا كلام الحافظ وهو سليم. لكن الأفضل أن يقال: أنه من أخرج له فهو ثقة عندهم، ثقة عندهم، فينظر إلى كلام أولئك الذين ضعفوه، فإن ذكروا سببًا فهذا يدل على أنهم أخذوا بهذا السبب، وإن لم يذكروا سببًا فيقال: إن هذا قد وثقه البخاري بإخراجه له، ومسلم كذلك، لكن قد ضعفه فلان، والأصل أن التضعيف يُقبل ولو كان مُهمَلًا، إلا أن وجد متابعًا له. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله أعلم.