الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المحور أن أئمة الحديث كمالك وشعبة وابن مهدي عُرفوا بالتحري والرواية عن الثقات كقاعدة عامة، إلا أن هذا الوصف غالبي لا مطلق؛ فقد وقع بعضهم في الرواية عن رجال ضعفاء كرواية مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق، وشعبة عن عاصم بن عبيد الله، مما يدل على أن الأصل فيهم التوثيق مع وجود استثناءات قليلة.
يشرح المحور قاعدة أن الراوي المعروف بعدم روايته إلا عن ثقة يُعتبر توثيقه للمجهول ترفيعًا له إلى مرتبة الثقة ما لم يثبت ضعفه، مستشهدًا بعدم نفع رواية شعبة ومالك للضعفاء، وباختلاف العلماء في قول أبي داود عن مشايخ حريز بن عثمان، حيث استعمله ابن حجر لتوثيق مجهوليهم مع التنبيه إلى التعارض عند وجود جرح.
يقارن المحور بين درجات تحري الرواة والنقاد ك يحيى بن سعيد القطان وسليمان بن حرب الذين امتنعوا عن الرواية عن الضعفاء، وبين الشعبي وإبراهيم النخعي في قلة الرواية عن المجهولين، كما يوضح منهج الإمام أحمد في الرواية عمن فيهم ضعف إذا كان الحديث مشهورًا في أبواب الفقه، وينبه إلى رواية شعبة عن جابر الجعفي رغم ضعفه وسوء اعتقاده.
يتناول المحور ذكر عدد من الرواة الضعفاء كإبراهيم الهجري ومحمد بن عبيد الله العرزمي، ويستعرض رأي الإمام مالك وسفيان بن عيينة فيهم، ثم يشير إلى تصنيف الإمام مسلم لرواة الشيخين (البخاري ومسلم) إلى قسمين وفق درجات الاحتجاج بهم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة، فإنه إذا روى عن رجل ووصف بأنه ثقة عنده - كمالك، وشعبة، والقطان، وابن مهدي، والإمام أحمد، ويحيى بن معين، وحريز بن عثمان، وسليمان بن حرب، والشعبي - فعند هناك من المحدثين من قيل فيه: إنه لا يروي إلا عن ثقة. وقد يكون غالباً هذا حكم أغلبي، ليس حكمًا مضطردًا في الرجل نفسه، إلا في بعضهم إذا نص على أن مشايخهم كلهم ثقات. وإلا فالأصل أن هؤلاء الذين ذكروا قد وجدوا أنهم قد روى عنهم ناس ضعفاء، كمالك مثلاً؛ مالك روى عن عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف، وقال مالك: «غرني سمته». ويقولون أيضًا إنه روى عن عاصم بن عبيد الله العمري، لكن الله أعلم في أي كتاب روى؛ أما في الموطأ فلم يروِ عنه شيء، بل أنكر مالك على شعبة روايته عن عاصم، فقال: «شعبتكم هذا يروي عن عاصم»، أنكر على شعبة أنه يروي عن عاصم بن عبيد الله. إلا أن الأصل أن مالكًا، كما قال سفيان بن عيينة: «مالك قدوتنا في الرجال، مالك قدوتنا في الرجال»، معنى ذلك أننا نقتدي بمالك في الرجال؛ من روى عنه مالك روينا عنه. ولهذا لما يُسأل أحيانًا الإمام أحمد عن بعض الرجال، فيقول: «كيف يكون ضعيفًا وقد روى عنه مالك؟» فدل على أن مالكًا الأصل فيه أنه لا يروي إلا عن ثقة، بمعنى أنه كان متحرّيًا في الرجال. فلهذا كما قلنا: رواية هؤلاء الغالبة فيها مضطردة، بمعنى أن هذا حكم أغلبي، أنهم يروون عن الثقات. إلا أنهم قد رووا: شعبة روى عن عاصم بن عبيد الله، ورووا عن محمد بن عبيد الله العرزمي، وغيرهم من هؤلاء، بمعنى روى عنهم ناس ضعفاء. لكن أكثر من رووا عنهم هم الثقات، وكان يقول: «لو شئت أو أردت أن أروي عن ثقة، فما رويت إلا عن خمسة من هذه الشيوخ»، ممن يُنسب إلى التشيع، منهم الأعمش وأصحابه. يقول المؤلف: من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة، فإنه إذا روى عن رجل ووصف بأنه ثقة عنده، وهذا الرجل ليس فيه تضعيف، وأما إن كان ضعيفًا فلا تنفعه رواية هذا؛ معنى رواية الراوي عنه، كما قلنا: لم ينفع عاصم بن عبيد الله لا رواية شعبة، ولم تنفع أيضًا رواية مالك لعبد الكريم بن أبي المخارق. عبد الكريم الجزري ثقة، لكن المراد عبد الكريم بن أبي المخارق. وأحيانًا يشتبه على بعض المحدثين أو بعض العلماء هذا وهذا، أحيانًا ما تستطيع تفرق؛ لأن مالكًا يروي عن هذا وعن هذا. وأيضًا إذا روى عنه وليس ضعيفًا، بمعنى ما عرف بالضعف، فهنا يقال: إنه إذا كان مجهولًا فهو ثقة، يعتبر رواية الإمام الذي لا يروي إلا عن ثقة، يعتبر أنه عنده ثقة. إن كان مجهولًا فيكون ترفيعه في حد الجهالة، يعني أن يكون على الصحيح أنه ثقة، قد وثق برواية هذا الإمام عنه. ولهذا اختلف العلماء في قول أبي داود: «مشايخ حريز بن عثمان ثقات»، قال: «مشايخ حريز بن عثمان كلهم ثقات». فهل أراد أبو داود المشايخ المعروفين، أم أنه أراد كل من روى عنه حريز؟ ولهذا بعضهم أخذ هذه القاعدة في الجرح والتعديل، وجماعة، بل الحافظ ابن حجر، فكل ما لم يوثقه أحد وهو من مشايخ حريز بن عثمان، جعلوا كلام أبي داود هذا توثيقًا لهم. أما إن كانوا فيهم جرح فهذا يدخل في التعارض. فهو ثقة عنده، يُقال: إنه ثقة عنده، لأن هناك من الرواة من روى عنه بعض هؤلاء الأئمة وقد ضعفه آخرون، وهو يحسن الثقة فيه. مثلًا: نصر بن باب، روى عنه الإمام أحمد ووثقه، لكن أكثر أهل العلم كابن معين وابن المديني، وكذلك البخاري وغيرهم تكلموا فيه، ولهذا قال العلماء: إنه مجروح، لأن أكثر هؤلاء تكلموا فيه، لكن الإمام أحمد أحسن الظن فيه وروى عنه. ولإمام أحمد رحمه الله كأنه عنده قاعدة أنه يروي عن أناس قد يكون فيهم ضعف، لكن إذا كان الحديث مشهورًا في أبواب الفقه وغيرها، قد استعمله الناس، فتجده يذكره في المسند. وبعض هؤلاء الذين ذكروا لم يُعثر عن أنهم رووا عن رجل مجروح، كيحيى بن سعيد القطان، كان متحرّيًا جدًا في الرواية، بل تركوا ناسًا، تركوا ناسًا من الثقات، تركوا ناسًا من الثقات لم يرووا عنه، فكيف يروي عن رجل؟ لأنه إذا رأى أن الرجل أخطأ في حديث فإنه لا يروي عنه. وكذلك سليمان بن حرب، سليمان بن حرب أيضًا لم يُذكر أنه روى عن أحد وهو ضعيف، وكان متحرّيًا في الرواية. سليمان بن حرب من مشايخ البخاري، من أصحاب شعبة، أزدي، واسع، بصري. وكذلك الشعبي، الشعبي أيضًا أكثر روايته عن الثقات، لكن الظاهر وُجد أنه روى عن بعض الضعفاء، لكن قليل جدًا. الشعبي أكثر أنه لا يروي عن المجهولين، لا يروي إلا عن المعروفين، فلهذا كان حديثه أقوى من غيره، أقوى من الحسن البصري وغيره، بل وأقوى أيضًا من إبراهيم النخعي، ليس من ناحية الثقة، فهما في درجة واحدة، لكن من ناحية التحري، فالشعبي تحرٍّ أكثر من تحرّي إبراهيم. قال: وما ذكره رحمه الله، أي الحافظ، مبني على الغالب فيما روى عنهم هؤلاء وأمثالهم، وإلا فقد روى شعبة عن جابر الجعفي أيضًا، وجابر الجعفي ضعيف، ولكن شعبة روى عنه قديمًا، ولهذا حتى بعضهم قبل رواية شعبة وسفيان عن جابر، لكن لأن جابرًا أولاً كُذب، كذّبه الشعبي وغيره، وكذلك أيضًا اعتقاده كان خبيثًا، كان يعتقد الرجعة، اعتقاد الرجعة، الشيعة الروافض. وقال: وإبراهيم الهجري، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، وغير واحد من ضعفاء الحديث، كما روى الإمام مالك عن عبد الكريم بن المخارق، وسفيان بن عيينة كذلك، كما قلنا. الإمام مسلم قال: الراوي... الرواة الذين أخرج لهم الشيخان، أو أحد المحدثين، على قسمين... طيب، إن شاء الله، فلنكتفي بهذا والله.